بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الرصاصة الأخيرة": القذافي ومستقبل ليبيا
  07/03/2011

الرصاصة الأخيرة": القذافي ومستقبل ليبيا

سايمون هندرسون وديفيد شينكر - معهد واشنطن

03/ 03/ 2011
في أعقاب الاضطرابات الواسعة الانتشار التي وقعت في نهاية الأسبوع الماضي في ليبيا، قد يفقد معمر القذافي السلطة خلال ساعات أو أيام حيث تتداعى وحداته العسكرية وأجهزته الأمنية إزاء السخط الشعبي. وبشكل بديل، قد يقرر -- وفقاً للكلمات المشؤومة لابنه سيف الإسلام -- أن "يقاتل حتى الرصاصة الأخيرة"، مما يلمح عن قيام مستويات من العنف والفوضى هي أكثر ترويعاً مما سبق. وفي بث غير منطقي للقذافي الأب من على شاشات التلفزيون في 22 شباط/فبراير، تعهد العقيد "بالموت شهيداً."إن الأطوار الشخصية الغريبة للقذافي، فضلاً عن مسؤوليته عن إسقاط الطائرة "بان أمريكان 103" فوق لوكربي في اسكتلندا عام 1988، لن تُحدث قدراً كبيراً من الأسف عند رحيله. لكن تحديات هذا التحول في الأحداث، على من سيشكل الحكومة المقبلة ستكون هائلة. كما يمكن أن تكون عواقب الخطوات الخاطئة على المنطقة -- وخاصة أوروبا التي تُعتبر ليبيا مصدراً مهماً لها تزودها بالنفط والغاز -- كبيرة وسريعة.
الخلفية
في العقود الأربعة الماضية منذ أن قام الزعيم الليبي -- مع غيره من ضباط الجيش الشباب -- بالإطاحة بالملك إدريس في عام 1969، يحكم القذافي نظرياً بلا معارضة. ويتكون النظام الحالي للحكومة من اللجان الشعبية، وقد تم إدخاله عندما قام الرئيس الليبي بتوطيد سلطته في السبعينات من القرن الماضي. وليس للقذافي نفسه دور رسمي. ومع ذلك، ففي الحقيقة إن ليبيا هي دولة بوليسية، كثيراً ما اتسم فيها القذافي الدكتاتور بأسلوب متقلب الأطوار. إن المؤسسة الوحيدة القائمة في البلاد طوال تلك الفترة هي القذافي نفسه.
وعلاوة على ذلك، أدت استراتيجية "فرق تسد" التي يتبعها القذافي إلى تفاقم الانقسامات المجتمعية والقبلية التي هي بالفعل خطيرة في البلاد. وقد ظهر أكثر هذه الانقسامات وضوحاً عندما تولى الزعيم الليبي السلطة في بلاده. فقد كان الكثير من المقيمين في إقليم برقة الشرقي (موطن حوالي 30 بالمائة من السكان) يدعمون الملك [إدريس] بصفة تقليدية -- وهو الذي قاد الحركة السنوسية الإسلاموية المتنفذة والمناهضة للاستعمار -- ولم يرضوا أبداً بحكم القذافي.
وفي الوقت نفسه، وبخلاف مصر وتونس اللتان خدم جيشاهما المحترفان كحكمين أثناء الإضطرابات الأخيرة، لم يكن الجيش الليبي قط متماسكاً أو كفؤاً بشكل خاص. وأثناء اختباره الحقيقي الأخير في حرب الحدود مع تشاد عام 1987، كانت خسائر الجيش الليبي حوالي 10 بالمائة، وهو رقم عالي بشكل مدهش. ويبدو أن القذافي عمل خلال سنوات على تجزئة قواته المسلحة بصورة متعمدة لوقاية النظام ضد أية محاولات انقلاب، معتمداً بدلاً من ذلك على العديد من المنظمات الأمنية المتداخلة لحمايته.
دور القبائل
نظراً لتاريخ إقليم برقة، ربما لا تمثل قوة المظاهرات الأخيرة في شرق ليبيا أية مفاجأة. فعلى مدار سنوات كانت المنطقة تعتبر مرتعاً نسبياً للمشاعر المعادية للنظام، وأبرزها مدن بنغازي ودرنة. كما أن التقارير عن الهروب من الخدمة العسكرية -- بما في ذلك هروب طيّارَيْن لطائرات مقاتلة من طراز "ميراج إف 1" قيل أنه صدرت إليهما الأوامر بالهجوم على المدنيين لكن بدلاً من ذلك هبطا في مالطا -- لم تأت أيضاً كمفاجأة كبيرة.
وينحدر العديد من مجندي الجيش من هذه القبائل التي تبدو منحازة بشكل متزايد ضد القذافي، في الوقت الذي تنتشر فيه الأخبار عما يُرتكب من أعمال وحشية. كما أعلنت قبائل رئيسية عديدة وبصورة صريحة عن معارضتها لحكمه المستمر، ويتمركز معظمها في الشرق. فعلى سبيل المثال، هددت قبيلة "الزاوية" قرب بنغازي بقطع صادرات النفط لو بقي العقيد في السلطة. وفي 1 شباط/فبراير، أعلنت قبيلة "ورفلة" -- إحدى أكبر قبائل ليبيا المقيمة جنوب طرابلس -- عن انضمامها إلى الحركة للإطاحة بالرئيس الليبي.
فرص بقاء النظام
للمتتبع من الخارج، يبدو أنه من الصعب هزيمة مجموعة القوى التي تصطف ضد النظام. ومع ذلك، ما تزال لدى القذافي أوراق قليلة يستطيع اللعب بها. فخلال كلمة ألقاها نجله وبثها التلفزيون الليبي ليلة الأحد، قال سيف الإسلام إن النظام سيكون مستعداً للقيام ببعض الإصلاحات "الجذرية" لكن غير المحددة. بيد، حذر بأن ليبيا قد تنزلق إلى حرب أهلية دموية إذا لم يذعن المتظاهرون.
وعلى الرغم من أن التهديد الأخير كان لخدمة مصالح سيف الذاتية، فمع ذلك كانت له بالفعل وجهة نظر صحيحة نظراً للمسار الحالي للصراع. وفي الواقع، أظهر النظام إلى أي مدى هو قاس في جهوده لإخماد الثورة، مع وصول عدد الجثث إلى المئات، ونشر المروحيات الحربية في طرابلس. وبالفعل، فخلال سنواته الاثنين والأربعين في الحكم لم يُظهر النظام أي تأنيب للضمير إزاء قتل المواطنين الليبيين أو الرعايا الأجانب. ورغم أن ضراوة جهود القذافي لوقاية نفسه كانت متوقعة -- حيث يقود أحد أبنائه الآخرين، خميس، الوحدة المسؤولة عن حماية النظام -- فإن كل عمل وحشي إنما يؤكد فقط أن ولاء هذه الوحدات ما يزال مرتبطاً بالدكتاتور. ومع ذلك، فإذا سقط النظام فإن أولئك الجنود المتورطين في العنف يمكن أن يواجهوا حبل المشنقة.
وبالنظر إلى التلاحق السريع للأحداث، من الممكن أن ينهار النظام في أية لحظة. ولو استمر -- رغم ذلك -- فإن ما يتبقى حينئذ من الدولة يمكن أن يواجه قتالاً داخلياً لبعض الوقت في المستقبل.
الإسلاميون والارتباطات بتنظيم «القاعدة»
إذا ما استمرت الأزمة، يمكن أن تستفيد منها الحركة الإسلامية التي طالما قُمعت في البلاد. وتتمتع الحركة التي تقودها "الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية" بتاريخ لافت من دعم القضايا الجهادية حيث عملت مع تنظيم «القاعدة» لفترة زادت عن عقد. ومنذ عام 2003، كانت ليبيا المصدر الثاني (بعد السعودية) كدولة يأتي منها المتمردون الداخلون إلى العراق عن طريق سوريا. وليس من قبيل المصادفة أن يتقاطر أكثرية هؤلاء الجهاديين من درنة، بؤرة التمرد. ومؤخراً تم الإعلان عن تأسيس "الخلافة الإسلامية" من قبل السكان المحليين في قرية البيضاء -- التي لا تبعد كثيراً عن درنة -- بعد تحريرها هذا الأسبوع.
ثروات النفط والغاز

تناقلت الأخبار بأن منشآت تصدير النفط ومعامل تكريره في ليبيا قد أغلقت بالفعل بسبب الإضرابات العمالية. وتتمتع البلاد بثروة كبيرة من النفط والغاز رغم أنها ليست ضخمة كما هو الحال في دول الخليج العربي: السعودية وإيران والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، فما تزال احتياطياتها أكثر من تلك التي تملكها الدول الأفريقية الأعضاء في "منظمة الدول المصدرة للنفط" ("أوبك") وهي: الجزائر وأنغولا ونيجيريا. ويمكن أن تكون قدرة الاحتياطي العالمية كافية لتحل محل أية انخفاضات ليبية، لكن المزايدة على الأسعار كان رد الفعل الفوري لأسواق السلع.
ويذهب معظم نفط ليبيا إلى أوروبا خاصة إيطاليا -- وهي رحلة قصيرة نسبياً عبر البحر المتوسط -- التي تستورد حوالي الثلث. كما أن ألمانيا وفرنسا واسبانيا هم مشترون مهمون أيضاً، وحتى الصين تستورد 10 بالمائة من نفط ليبيا.
ولدى ليبيا أيضاً احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، على الرغم من أن الجزائر ومصر المجاورتين تنتجان كميات أكبر بكثير منها. وهنا أيضاً نجد أن إيطاليا هي العميل الرئيسي، حيث يتم ينقل الغاز عبر خط أنابيب بطول 370 ميلاً تحت البحر من ليبيا إلى صقلية، ومنها يتم نقله بالأنابيب إلى داخل الأراضي الإيطالية. كما تقوم ليبيا أيضاً بشحن الغاز المسال في السفن إلى أسبانيا.
توصيات سياسية
على الرغم من أن الولايات المتحدة تعمل دبلوماسياً لتسهيل انتقال ديمقراطي للسلطة في تونس ومصر، إلا أن الموقف في ليبيا يستدعي تدخلاً عاجلاً وربما عسكرياً. وفي المنطقة، دعت قطر إلى توسط جامعة الدول العربية بصورة عاجلة، وأدانت العنف ضد المدنيين الليبيين. غير أنه بالنظر إلى سجل الإمارة -- كاستضافة مجرم الحرب المُدان في قضية دارفور عمر البشير في القمة العربية في الدوحة عام 2009 -- فإن القطريين ربما لن يُمثلوا صوتاً أخلاقياً مقنعاً. إن المكان الأكثر رجحاناً لتحقيق التقدم هو مجلس الأمن الدولي الذي يجتمع في الثاني والعشرين من شباط/فبراير لمناقشة الأزمة.
إن أحد المقترحات التي ربما ينظر فيها المجلس هو فرض منطقة حظر الطيران في جميع أنحاء ليبيا لوقف القذافي من استخدام الطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية ضد المدنيين. وسيكون هذا مشابهاً للمنطقة التي أقيمت فوق شمال العراق خلال عهد صدام حسين لحماية المدنيين الأكراد. وكما في العراق، سوف تتطلب العملية الليبية قيام الولايات المتحدة بأخذ الدور المُهيمن بدعم من حلفائها الأوروبيين. ومن أجل العمل تحت رعاية الأمم المتحدة، سوف تتطلب هذه العملية أيضاً الموافقة الروسية والصينية والتي ربما لا تكون وشيكة. ومع ذلك، يمكن أن يكون الاتحاد الأوروبي أكثر دعماً نظراً إلى مخاوفه إزاء التعطل المحتمل لإمدادات الطاقة وتدفق المهاجرين الذين يغادرون ليبيا لأسباب اقتصادية والذي سيمثل أعداداً هائلة من طالبي اللجوء. لكن وجود الآلاف العديدة من مواطني أوروبا، وكذلك الولايات المتحدة، في ليبيا سوف يثير الحذر لدى هذه الدول.
وعلاوة على العمل على الجبهة الدبلوماسية وفحص عمليات حفظ السلام المعتمدة على الجيش ينبغي على "وكالة الطاقة الدولية" -- التي مقرها في أوروبا (وتشارك فيها الولايات المتحدة) -- أن تفحص خططها حول تحمل عبء انقطاعات إمدادات الطاقة عن طريق إطلاق مخزونات الطوارئ. وقد تثبت هذه الخطوة ضروريتها على الرغم من تصريح وزير النفط السعودي علي النعيمي في 22 شباط/ فبراير بأن "منظمة الدول المصدرة للنفط" سوف تعوّض عن أي "نقص في الإمداد"، وهو تعبير ربما لا يخفف من صدمة الأسعار.
إن الأحداث في ليبيا هي مثال قوي على التوق نحو قدر أكبر من الحرية عبر أنحاء العالم العربي، ومن المرجح أن تشجع على قيام اضطرابات في أماكن أخرى. وفي الواقع، تأثرت بذلك بالفعل دول شمال إفريقيا المجاورة وهي الجزائر والمغرب. لكن يجب على واشنطن أن تضع في اعتبارها أن هذه العمليات لا تنتهي بالضرورة خلال أيام قليلة حتى عندما يرحل الطغاة وسط تهليل المحتجين.
سايمون هندرسون هو زميل بيكر ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن. ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسات العربية.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات