بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سوريا والإعلام والمعضلات الصعبة
  12/04/2011

سوريا والإعلام والمعضلات الصعبة / ياسمين ضاهر
أراهن أن قتلى درعا جميعهم كانوا يدعمون المقاومة. لقد كان مطلبهم اقل من إسقاط الرئيس واكثر من الانتظار حتى تُحل ازمة المنطقة. هم ايضا يريدون ديمقراطية وحرية وعدالة اجتماعية. فلماذا يقع صمت الاعلام على صدورنا هكذا، قويًا، مدويًا مدججً
ا؟*

متظاهرات في درعا. لماذا ينضمّ الإعلام للنظام في إخماد صوتهنّ؟


موقع الجولان/  ياسمين ضاهر

حتى الجزيرة!
مذيعها سأل شاهد العيان، كما يفعل عادة…
الشاهد: قتلى ومختطفون كثر.
المذيع: بماذا هتفتم؟
الشاهد: نريد الحرية، المساواة ومعاقبة المجرمين.
حتى مذيع الجزيرة قال: ولكن الرئيس بشار الاسد وعد بمحاسبتهم، وعد بإزالة نظام الطوارئ وسيتحدث الى الشعب قريبا.
الشاهد: ولكن…
المذيع: شكرا لك، نشكرك على إطلاعنا على آخر المستجدات
ما هذا؟ وماذا نسميه؟ قال المفكر الفرنسي رولان بارت يومًا وهو يتحدث عن الصور والتصوير: “إن عدم قدرتك على تسمية الاشياء هي علامة جيدة على الاضطراب”. قضيتُ أياما وانا احاول ان أستخرج وامتص أخبارا حول ما يجري في سوريا، ولا شيء تقريبا! ما الذي حصل للاعلام المحلي؟ العربي؟

دعونا من الكلام الفارغ والذي يحاول تلخيص العالم (وبهذا تخليص للبشر من التفكير) في محورين: الخير والشر. ثم التساؤل: اين تقع الجزيرة؟ دون تردد: إن لها الدور الاهم في ثورات العالم العربي، دور وطني وفاعل في غنى عن التعريف. ولكن، الأجمل هو الأعقد، والأكثر اضطرابا وما يشكل معضلة اصعب، مثل الحوار أعلاه. وهو عندما تعرف أنك لست امام محور مثلا بل إنسان. هل بامكاننا ان نصنف البشر كاتباع محاور او منشقين عنها؟ المذيع؟ جثث اهالي درعا؟ الموت؟

هذا المذيع غارق حتى روحه (هو الآن إشارة أكثر منه شخص) في تغطية الثورات العربية منذ أول هذا العام (الذي سمي بالربيع المبكر) في العالم العربي. سبق الخبر عن سوريا، ليبيا ودماء شهدائها التي لا تفارق احلامنا، ولحق الخبر (كأخيه الأكبر) اليمن… نحن على وشك اقترابنا (حتى وجه المذيع يصلي) لسقوط علي عبد الله صالح. وبين هذا وذاك، تغيّر وجه المذيع وإنسانيته، تغير وجهه، شحُب سؤاله وتهكم صوته.

لم ينسَ، أعرف هذا جيدا: ان مبارك وعد بتحقيق “مع القتلى”، وان بن علي وعد بحريات، وان قذافي الدم وزّع خيرات ورفع معاشات واتهم “قوات اجنبية”، وان صالح أكد ان يمن القبائل المفتتة لن تحيا دونه ولن تعرف معنى الاستقرار. ماذا لم يقل هؤلاء؟ (واللاحقون) ماذا لم يقولوا ليبقوا؟ ولكن أحدا لم يصدقهم، ولم يخف على الديمقراطية من قبائل اليمن ومن مسلحي ليبيا. أجمل صورة برأيي (وان كان مفارقة في الحديث عن جمالٍ في ما يدور الان في ليبيا) هي تلك التي كتب عليها المتظاهرون “القذافي يكذب الان في بث حي”. كنت سأكتب بتغيير للمعنى والكلمات ان “المذيع يمنع عنا الحقيقة (وعن نفسه)، الآن”. بوعي مطلق (الكاميرا) وبالصورة الكاملة (وهو يصنعها تاريخا).

حسناً، حتى لا نكون ساذجين.. وكأن سوريا وحالها لا يختلف: نعم إنها تختلف. نعرف ذلك جيدا، “محور المقاومة”. ونعرف المنطقة الحساسة، ونعرف من يجلس على حدود سوريا يحرسها! ونعرف تاريخها. ولكن نعرف أيضًا ان البشر يُمتحنون (اخلاقهم اولا) في الارقام الصعبة وليست السهلة. كل من سقطوا حتى الآن، كانوا ارقاما سهلة في معادلة الثورات. مصر لم تكن تحديًا للمثقف العربي، الثوري والمناضل. فمبارك والقذافي وزين العابدين كانوا جميعًا في أصغر جيبة لامريكا واسرائيل. ولكن ألم تخرج ثورات الشعوب على حكامها لأسباب اخرى، وليس لعلاقتها مع اسرائيل؟ ألم يُقل لنا ان الديمقراطية على المحك وليس الخبز او العلاقات الدولية؟ ألم يكتب المصريون بدمائهم انهم كرهوا الفساد والطغيان؟ وماذا عن سوريا؟ أهي تختلف في أيّ من هذه المطالب؟ لماذا يقع صمت الاعلام على صدورنا هكذا، قويًا، مدويًا مدججًا؟ منذ ثلاثة ايام وانا ابحث عن تحليل في المواقع التي أعهدها عمّا يحصل في سوريا… لا شيء على الاطلاق! اعترف، واعرف انني لست خبيرة بالشؤون العربية او السورية، وما دفعني ان اكتب هو هذا السؤال بالضبط: لماذا لا تكتبون؟
حتى وإن كانت كتابة بدافع الامساك بطرف الخيط، أكتبوا. فعقولنا ما زالت قادرة على فهم واحتواء التناقضات والتعامل معها، ولكنها ترفض ان تساق او تُحتوى.
نعم، انها درعا، لا أعرف عنها حتى الان سوى صور القتلى المشوشة (اين الكاميرات؟) وأراهن ان جميعهم يدعمون المقاومة، لقد كان مطلبهم اقل من اسقاط الرئيس واكثر من الانتظار حتى تُحل ازمة المنطقة. هم ايضا يريدون ديمقراطية وحرية وعدالة اجتماعية. لماذا لا تخفق قلوبنا معهم؟ هل نحرم “محور المقاومة” منها؟ نعم، نحن لا نقف في طريقها، ولكننا نغض الطرف عنها ونحن نعلم كل العلم ان ما جعل كل المظاهرات الأخرى في العالم العربي تستمر وتقوى هو “البث الحي والمباشر” والضغط. فالفرق شاسع بين من يموت ويخلّد وتهتف له القلوب العربية، ومن يموت ويقال له: شكرًا على معلوماتك! “أقل ما فيها”، ان يتوخى الانسان الموضوعية وأن لا يصبح المذيع والمثقف مدافعًا عن النظام فيما شعبه يتظاهر ضده. فأبواق الانظمة كثيرة… دعوها تذكر بالماضي ونحن ننظر في ثلاجات الموتى في طرف والمستقبل في طرف آخر.
اذا ما لم يتغيّر النظام (او نوعه او شكله) في سوريا كما يشاء الشعب، فهذه المرة ستكون المسؤولية أوسع من نطاق الضمير والتفاعل السوري. وإن كانت مرة الهتافات الفلسطينية حول “الصمت العربي” تسمع لها دويًا وتهرب من الكليشيه والجمود الى الحراك والمعنى، فما أروع من المعنى وهو يصنع وما أجمل أن نراها ونحن لا نرى سوريا اليوم.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات