بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
3 أسباب للحراك الشعبي: أمني وسياسي واقتصادي تصرفات الأمن لم تعد تطاق ف
  08/05/2011

3 أسباب للحراك الشعبي: أمني وسياسي واقتصادي تصرفات الأمن لم تعد تطاق في المجتمع السوري

دمشق – غسان سعود (القبس)

حسم النظام السوري أمر هروبه إلى الأمام. في هذا التحقيق استعراض لعبثية الإجراءات الاحترازية في قمع المطالبين بالحرية والإصلاح الاقتصادي الذين لديهم من المبررات ما يدفعهم إلى تجاوز كل الخطوط الحمر والمغامرة بكل شيء: فتصرفات الأمن لم تعد تطاق، وأجهزته تتتدخل في كل صغيرة وكبيرة تخص شؤون المواطن، حتى أنها هي من يعين رؤساء الجماعات المدنية. فتوظيف صحافي- على سبيل المثال- في وسائل الإعلام يجب أن يمر عبر مسؤول أمني يصبح هو المرجعية الأولى والأخيرة لهذا الصحافي!
هكذا، لم يعد من خيار سوى: الحرية أو الموت.. وهذا جهاد جديد.
المدينة جديدة، شام الياسمين: للحمام شرفات في حائط الجامع الأموي، وصالونات وغرف نوم. للمؤذن في تعبدّ.ه ألف شعور «حُبُكَ يا حبيبي… لك القلب… لك العين يا محمد». أربعون عاماً ودمشق تشغل نفسها بأخبار العالم عن نفسها، لتستيقظ أخيراً على اسمها مادة أساسية لعناوين الصحف. وفي قلب الحدث، يتشارك التاجر وسائق الأجرة والمثقف برسم مشهد تحول المواطن العادي إلى جهادي سياسي، فيهتف العلماني قبل الإسلامي، فيقول الناشط اليساري إيهاب عبد الحميد «عالجنة رايحين.. شهداء بالملايين».
إجراءات احترازية
خلافاً لمصر وتونس واليمن، لم يُبق. النظام السوري حركة نقابية أو عمالية أو طلابية مستقلة. وبرغم تخلي النظام عن مبدأ الاشتراكية، يتوجب على كل جمعية أو تجمع ينويان العمل في سوريا تعهد الالتزام بالسعي لتحقيق أهداف حزب البعث: الوحدة والحرية والاشتراكية. وليس في سوريا إعلام مستقل ولا صحافيون بالمعنى التقليدي للكلمة، لأن وصول الصحافي إلى وسيلة إعلام يمر غالباً بمسؤول أمني يصبح هو مرجعية الصحافي الأولى والأخيرة. كما ليس في سوريا أحزاب أو حركات إسلامية مستقلة. فبعد اختصار القوى الوطنية، التي أفرغت من مضمونها الشعبي، في الجبهة الوطنية التقدمية عام 1972، حظر الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وباتت غالبية القوى الحزبية والإسلامية تدور في فلك النظام. وليس في سوريا أيضاً زعماء عشائر بالمعنى التقليدي للكلمة ولا رجال دين نافذون. فقد عمد رجال الأمن إلى اختزال معظم هذه المواقع بالمقربين منهم، فبات أمر تعيين المطران والشيخ ورئيس العشيرة يأتي من فرع الأمن مباشرة. أما المؤسسة العسكرية التي تتفرع منها أجهزة الأمن والاستخبارات فأولتها السلطة اهتماماً مطلقاً لتقضي على أي احتمال من شأنه أن يفضي الى بروز حركة اعتراضية أو انفصالية داخل هذه المؤسسة، التي تعتبر الأقوى على الإطلاق وعلى مختلف المستويات في سوريا. وبالتالي، لم تكتف السلطات السورية باقتلاع الجذور التقليدية لأي شكل من أشكال الاحتجاج، فحاصرت المواطن بالخوف.
لكن كل ما سبق لم يحل دون استنفار السلطة السورية لتمتين حصن النظام، حين بدأت شرارة بو عزيزي بالانتقال من عاصمة عربية إلى أخرى. فسارعت الى التنسيق مع الفعاليات الكردية وكتابة مسودة اتفاق يعطي أكراد سوريا ما يطالبون به منذ أكثر من أربعة عقود، واهتمت بتعزيز عملية التواصل مع جمعيات إسلامية عدة، تحظى بدعم السلطات السورية في عملها وسط المجتمع السوري منذ عدة سنوات، رتبت بيتها الأمني جيداً عبر إمساك أكثر الموثوق بهم المفاصل الاستخباراتية والعسكرية الأساسية. وحاولت عبر الإعلام الرسمي السوري التخفيف من عظمة ما يحصل في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها من الدول (لم يصدر عن السلطات الرسمية السورية موقف يهلل لسقوط النظام المصري رغم بلوغ التوتر بين القيادتين السورية الحالية والمصرية السابقة حد العداء). وبدأت حملة تسويقية للرئيس بشار الأسد باعتباره إصلاحياً لا تفصله جدران قصوره عن الشعب، ولا تخيفه الثورات الافتراضية، بدليل إعلان السلطات السورية فك قيودها على المواقع الإلكترونية التفاعلية، ولا سيما «الفيسبوك»، في 17 يناير الماضي. وبموازاة هذه الخطوات الاستباقية، عممت السلطات على الشرطة وجوب الابتعاد عن العنف العلني أياً كان السبب، وعلى الأمن وجوب فتح العيون والآذان جيداً لقمع أي ثورة في المهد.
لكن كل ما سبق لم ينفع. فبعد إخماد النظام أكثر من فتيل (كان أهمها ما حصل في سوق الحميدية عندما اختلف شرطي مع أحد التجار ما اضطر وزير الداخلية سعيد سمور للتدخل وفض الحشد الذي كان يهتف «الشعب السوري ما بينذل»)، وقعت واقعة درعا.
هوية المنتفضين
تنظيمياً، لم تستطع السلطة السورية تحديد عدوّها المفترض. فبعد إفراغ هذه السلطة للنقابات والأحزاب والعشائر من المسؤولين الجدد لجأ المصرون على الحرية والإصلاح الاقتصادي والإداري إلى التحرك خارج الأطر التقليدية.
لكن اليوم بدأت تتضح معالم المنتفضين: الأحزاب، التقليدية في معارضتها لحزب البعث، تلعب دوراً كبيراً في مختلف المناطق. ووفق المعارض السوري المحامي حسن عبدالعظيم (اعتقل يوم السبت الماضي) فان العلاقة المميزة التي تربط بين تنظيمه الناصري (الحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي)، والإسلاميين، تسمح للإسلاميين غير المنظمين بالاستفادة من خبرات تنظيمه، الذي يتولى منصب الأمين العام فيه.
ويضيف عبدالعظيم إن تنظيمه الصغير شعبياً لعب دوراً كبيراً في إطلاق التحرك ومواكبته على مختلف المستويات، مع العلم بأن القوى الناصرية واليسارية التي حافظت على الحد الأدنى من الوجود بعد خمسة عقود من حكم البعث، استفادت كثيراً من تدهور البنية التنظيمية لحزب البعث نفسه الذي فقد، خصوصا خلال السنوات العشر الأخيرة، الديناميكية الحزبية وتحول إلى ما يشبه الهيكل المترهل.
وعلى صعيد الإسلاميين، يشرح أحد هؤلاء -وهو الباحث الحلبي أحمد الدقس- أن السلطة السورية حاولت استيعاب الإسلاميين عبر جمعيات إسلامية شجع النظام على إنشائها. لكن الوعي الإسلامي دفع كثيرين إلى الانتساب إلى هذه الجمعيات واستغلالها لتوفير مكان آمن للاجتماع والتنظيم. واليوم، يؤكد الدقس أن تلك الجمعيات، التي أنشأها النظام بنفسه، تلعب دوراً أساسياً في حركة الاحتجاج على ظلم هذا النظام.
ومن وسط المحتجين، يقول دقس «هناك بعض الشباب الذين تلاقوا في الخليج ولبنان ضمن التجمعات المناطقية التقليدية بالنسبة للعمال. وقد عاد هؤلاء إلى سوريا بعد الأزمة اللبنانية– السورية والأزمة المالية الدولية، لكن الروابط التي نشأت بينهم في الاغتراب، لم تنقطع».
السجن لا يخرّج مؤيدين
أول أسباب الحراك السوري، أمنيّ. فحيث لا سلطة إدارية أو عسكرية تعلو سلطة ضابط الأمن. فهذا الأخير يأمر وينهى، ويستدعي أو يخطف كل من لا يعجبه سواء كان عاطلاً عن العمل أو مهندساً أو حتى عسكرياً أو عضواً في مجلس الشعب، كما حصل مع أحد ممثلي محافظة دير الزور في مجلس الشعب. وبحكم انشغال الأمنيين بابتكار فنون تعذيب لمواطنيهم عن المهام الأمنية الأساسية- مثل إهمالهم لمهمة الكشف عن من رتب اغتيال قائد «حزب الله» العسكري عماد مغنية- لم يعد لأجهزة الأمن الكثير من الأصدقاء في المجتمع السوري. وبلغة بسيطة جداً، يقول عبدالحميد «تصرفات الأمن لم تعد تطاق. ولا يمكن لأحد أن يدافع عنها». ويشرح، حسام، وهو ناشط ميداني في التظاهرات الاحتجاجية الأسبوعية التي يشهدها حي الميدان الدمشقي منذ أسابيع، كيف أن مرور فرد على الأقل من كل عائلة بـ«الفرع»، خلال الأربعين عاماً الماضية، «يصعب على المندسين السابقين أمر هضم الروايات المتداولة اليوم عن المندسين الحاليين، وفي الوقت نفسه يضيق الخناق الشعبي على رواية النظام يوماً تلو الآخر».
ويسمح لحسام وأصدقائه بتوسيع رقعة تحركهم، مع العلم بأن السجن، كما تثبت تجربة المعتقل الشيوعي السابق عبدالعزيز الخيّر الذي ينشط اليوم، لا يخرّج مؤيدين للنظام.
شخصنة المواقع.. كارثة
ثاني أسباب الحراك: سياسيّ. يتحدث المعارض لؤي حسين عن شباب يطمحون إلى لعب دور في الحياة العامة، يريدون اختيار رئيس بلديتهم والمحافظ ومسؤول الأمن في منطقتهم. ويودون أن يكون ممثلهم في مجلس الشعب ممثلاً للشعب لا للمسؤول الأمني. وقد ملّ هؤلاء الشباب من التعامل الفوقي معهم و«استهبالهم» والإصرار على تهميشهم. ويشرح حسين أن حزب البعث أصرّ بداية على احتكار السلطة والحياة السياسية فاجتهد لتفتيت القوى السياسية الأخرى أو إفراغها. ولاحقاً بدأ الجهاز الأمني إفراغ حزب البعث نفسه من مقوماته المؤسساتية الحزبية، فلم يعد هناك اليوم أي تنظيم حزبي جدي في سوريا.
ثالث الأسباب اقتصاديّ. فعيون السلطة السورية انشغلت بالازدهار الذي حققه الانفتاح الاقتصادي لمجموعة من السوريين، فلم تلحظ اتساع رقعة الفقر السوري لتشمل في نهاية عام 2009 أكثر من %40 من الشعب السوري، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ويشرح أكرم الحوراني (أستاذ في جامعة دمشق)، المؤيد للنظام، أن الخطة الاقتصادية دعت في السنوات القليلة الماضية إلى دعم الاستهلاك على حساب دعم الإنتاج، ما أدى إلى تدهور أوضاع القطاعات الأساسية في المجتمع السوري. وفي مجتمع يعيش أكثر من %60 من أهله على الزراعة، تراجعت مساهمة الزراعة في الناتج القومي إلى نحو %17 بعد أن كانت %25 عام 2005.
ويشير الحوراني إلى أن الكارثة الجدية كانت في الحد من دعم المحروقات، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وخاصة الزراعي. لينتهي الباحث الجامعي المؤيد للنظام إلى تأكيد أن «شروط المنافسة الكاملة في السوق السورية غير مستوفاة وهناك قلة احتكارية تسيطر على السوق»، معتبراً أن كارثة الإدارة تكمن في «شخصنة المواقع بغض النظر عن الكفاءة والنزاهة». وهنا أيضاً لم يعد يمكن للنظام التعويل على الوعود، فالمحتج الذي يغامر بحياته اليوم لن يعود إلى منزله بلا وظيفة.
أداء النظام
لا يرى النظام في المتظاهرين إلا «مندسين». ولا يسمع مؤيدوه من هتافاتهم إلا «العلوي عا التابوت والمسيحي عا بيروت». وبينما يحاول النظام تظهير انقسامه بين وجهتي نظر؛ واحدة تؤيد محاورة المنتفضين والثانية تدعو إلى اجتثاثهم، يتضح يوماً بعد الآخر أن الخيار الثاني هو الراجح. ففي سوريا اليوم هناك من يسعى ليثبت لا مصداقية الرحابنة عندما قالوا إن ما من «سجن يتسع لكل الناس». ووفق مسؤولين فاعلين في السلطة، فإن الأخيرة مطمئنة الى استمرارها طالما يقتصر التضامن مع درعا- بعد حصارها ومداهمة الأمن لغالبية منازلها- على مجموعات متفرقة هنا وهناك، وطالما أن المحتجين لم يتمكنوا بعد من تثبيت اعتصام جدي في ساحة إحدى المدن السورية، ولم تسقط السلطة دماً في دمشق وحلب– البوابتين الفعليتين لإسقاط النظام السوري.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات