بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
أٌمَّاهُ! لا تَغْسِلِي حِذائِي..
  01/06/2011

أٌمَّاهُ! لا تَغْسِلِي حِذائِي..
د. خالد تركي - حيفا

كانت الذِّكرى الثَّالِثة والسِّتِّين لنكبة شعبنا العربيِّ الفلسطينيِّ، في الخامس عشر من أيَّار من هذه السَّنة يوم لقاء الإنسان بالأرض، تلك الأرض التي عشقها فتيَّمتهُ وهيَّمتهُ سمعًا، فكانت آذانُ أبناءِ شعبِنا، الذين لم يعيشوا كارثة البلاد ولَم يحظوا برؤيتها، عاشقةً قبل أعينهم فالأذن تعشق قبل العين..، فكان يومًا شاهِدًا على حتميَّة حقِّ العودة ومشهودًا لأهل المسكونة الشُّرفاء، أنَّ الأرض هي العرض وهي الحِمَى والوطن، والوطن "يا بني عرض البني آدم" كما قال الشَّاعر العربيُّ السُّوريُّ عمر الفرَّا ويُتابع:
الوَطَنُ عِزَّةٌ وَكَرامَةٌ وَصَحْوَةُ الوِجْدانِ
الوَطَنُ صَبْرٌ وَعَزِيمَةٌ وَقُوَّةُ الإيِمانِ

وكما قال آخر:" هَذَا الوَطَنُ حَقٌّ لَهُ أَنْ يُفْتَدَى بِالدِّمَاءِ وَالمُهَجِ"
لقد بعث هذا اليوم، في نفوسنا وفي نفوس الأشقَّاء العرب على أطراف المناطق المتاخمة لشمال بلادنا، العزمَ على النِّضال والمثابرة على المطالبة بحقِّ العودة والعمل على انتزاع شرعيَّته، من بين أنياب الوحوش، ومن أجل تحقيقهِ بوحدة عربيَّة وعروبيَّة، فكما هو بديهيٌّ ما نعرف أنَّه لا يُمكن للجبل أنْ يلتقي بجبلٍ، كذلك جبل الشَّيخ وجبل عامل وجبال الجليل الشَّماليَّة لا يُمكنها أن تلامس بعضها الآخر، إلا أنَّ جماهير شبابنا على أطراف الأسلاك الشَّائكة على قمم هذه الجبال الشَّمَّاء، جمعت بعضها ببعض في مارون الرَّاس ومجدل شمس والجليل، لتُأكِّد وحدة الحال في المسار والمصير وفي مسيرة العودة، بحرٌ من البشر جَمَعَ أشلاءَ الوطن المقطَّع والمقَسَّم..
عاش الشَّباب أيَّام عودة، وكاد حلمهم أنْ يتحقَّق، فشابٌّ عاد إلى يافا وآخر إلى القدس، وإن كان مؤقَّتًا، عادا إلى مدينتهما اللتان نشآ وترعرعا مترنِّميْن وحزينيْن على أنغام ذكرهما وناما على حكايات أهلهما منذ أن كانا مقمَّطيْن في السَّرير، وآخر رفضَ أن تغسل والدتُه الحِذاءَ، لأنَّه يحملُ تراب الوطن الغالي وعبقه، وآخرين اعتُقِلوا بتهمة التَّسلُّل، فهؤلاء كما غيرهم من أبناء جيل الشَّتات واللجوء، يُنشدون العودة، مهما كانت التَّضحيات..
وما كان لهذا النًّصر أن يكونَ أكيدًا، لولا دعم الأشقَّاء على طرفي خطِّ الهدنة، أو على طرفي الأسلاك الشَّائكة، فكان استقبالُ الوافدين من العائدين في مجدل شمس المحتلَّة، حارًّا لدرجة أنَّه صَهَر الألغام القاتلة والحاقدة المزروعة في ثرى الجولان المحتل، وأبطلَ حسَّها لأقدامهم، وسقى المغتصبين شرابًا من ماءٍ حميمٍ بعد أن غصُّوا في ريقهم، وبعد أن صقلت إرادتهم الفولاذ وصنعوا بتصميمهم ما كان مستحيلاً، دخلوا بلادهم واعتلوا بعزَّة وإباء وشرف تمثال السُّلطان العربيِّ الأبيِّ، سلطان باشا الأطرش، ورفعوا فوقه الأعلام الفلسطينيَّة (وهي أيضًا أعلام الوحدة العربيَّة) والأعلام السُّوريَّة، ذلك البطل الذي تعهَّد في وصيَّته بعد أن علَّمنا أن نسير على خُطاه:
"إِنَّ كَأْسَ الحَنْظَلِ بِالعِزِّ أَشْهَى مِنْ ماءِ الحَيَاةِ بِالذُّلِّ"
.
وقد أحسَنَ أهلُنا في الجولان المحتل وفادة العائدين، كما يُتقنُها أقحاح العرب، من بني معروف، من ضيافة وحماية الأشقَّاء والذَّود والدِّفاع عنهم واشترطوا تحريرهم بعدم مسِّهم بأيِّ سوء، فكان لهم ما أرادوا ونِعْمَ الإرادة والموقف، يا أحرار الجولان. كذلك كان موقف الأهل في منطقة مارون الرَّاس (كما باقي مناطق الجنوب اللبناني) الأبيَّة والمعروفة بمواقفها البطوليَّة المشرِّفة، فَحَمَى الشَّبابَ وقدَّمَ لهم الغالي والنَّفيس من أجل نجاح إحياء هذا اليوم، ليكون عبرةً لأيَّام آتية، عبرة لأهل الأرض الأصليِّين ولمغتصبيها ولمن ساوموا وراهنوا على النِّسيان، ضاربين بعرض الحائط أنَّنا نملك ذاكرةً تُضاهي "ذاكرةَ الأفيالِ"، وصبرَ الجمالِ في صحاري النَّقب أو يزيد، وإباءً وعزَّةَ نفسٍ كما تعلَّمنا من قصيدة عنترة العبسيِّ:
لا تَسْقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ بَلْ اسْقِني بِالعِزِّ كَأْسَ الحَنْظَلِ
ماءُ الحَيَاةِ بِذِلَّةٍ كَجُنَهَّمٍ وَجَهَنَّمُ بِالعِزِّ أَفْضَلُ مَنْزِلِ

ودماء شهداء العودة التي أثرت ثرى الوطن، تنظر من منافذ سماء الخلود وتنتظرُ إنزال العقاب بالمحتلِّين وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه (كما جاء في الحديث).
شكرًا لأبطال شعبنا في الجولان، وشكرًا لأحرار الجنوب اللبناني، على هذا الحضن الدَّافئ والحامي والدِّرع الواقي وهذه هي شِيَمُ أهلِ بلادِ الشَّام الأشاوس، وقد جاء في الحديث الشَّريف: بارَكَ اللهُ لَنا فِي شامِنا..
والشَّام الله حاميها..

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات