بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
نجل الرئيس السوري السابق نور الدين الأتاسي يكتب: سوريا تستيقظ بعد 40 ع
  27/06/2011

نجل الرئيس السوري السابق نور الدين الأتاسي يكتب: سوريا تستيقظ بعد 40 عاما من الاستبداد

بيروت، نيويورك- - نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا للكاتب والصحافي السوري محمد علي الأتاسي، نجل الرئيس السوري السابق نور الدين الأتاسي، عن "سوريا المنسية" منذ عقود من الزمن كما يقول، مضيفاً ان "شذى عطر الحرية قد انتشر أخيراً ولا يمكن ان تطغى عليه رائحة الدماء". وهذا نص المقال: "عام 2009، نشرت مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" مقالا عن سوريا أعده موفد خاص هو دون بيلت، كان قد أجرى مقابلة مع الرئيس بشار الأسد. عام 2000، بعيد جنازة والده حافظ الأسد، دخل الابن مكتب والده للمرة الثانية فقط في حياته. كانت الزيارة الأولى له إلى المكتب في سن السابعة، حين "ركض مسرعا ليخبر والده عن أول درس للفرنسية"، يتذكر الرئيس "رؤية زجاجة عطر في خزانة قرب مكتب والده، وفوجئ بأنها ما تزال هناك بعد 27 عاما، ولم تكد تمس".
يمكن أن تعتبر زجاجة العطر رمزا لسوريا نفسها – سوريا التي ابتعدت عن الأنظار خلال أربعين عاما من حكم عائلة الأسد، دولة وطموحاتها وضعت على الرف ونسيت لعقود تحت شعار الاستقرار.
الآن تبدأ سوريا الأخرى بالظهور أمام أعيننا لتذكرنا بأنها لا يمكن أن تبقى على الهامش إلى الأبد، وان شعبها لم يمض العقود تحت حكم الأسد نائما، وانه يطمح، مثل كل الشعوب، إلى العيش بحرية وكرامة.
أتذكر والدي، نور الدين الاتاسي، الذي كان هو نفسه رئيسا لسوريا قبل أن يسجن عام 1970 نتيجة انقلاب الفريق حافظ الأسد ضد رفاقه في حزب البعث. كنت في الثالثة من عمري وقتها، واستغرق الامر مني وقتا لأفهم أن السجن لم يكن للمجرمين فقط، لكن أيضا لسجناء الضمير. قضى والدي 22 عاما في زنزانة صغيرة في سجن المزة، من دون توجيه أي اتهامات اليه وبلا محاكمة. كنا نعد الأيام بوتيرة زياراتنا إليه: ساعة واحدة كل أسبوعين. وفي نهاية صراعه مع مرض السرطان، الذي حرم من تلقي العلاج له، تم الإفراج عنه أخيرا. وقد توفي في باريس في كانون الأول (ديسمبر) عام 1992، بعد أسبوع من وصوله إليها على نقالة.
بالنسبة إلى الغالبية العظمى من السوريين، سوريا المنسية تعني دولة بوليسية، دولة تحكمها قبضة حديدية. إنها تعني جهدا دوليا مكثفا للإبقاء على نظام دكتاتوري في السلطة تحت ذريعة الاستقرار الاقليمي –الحفاظ على أمن إسرائيل والسلام البارد في هضبة الجولان، مثل الثلج الذي يغطي جبل الشيخ.
سوريا المنسية تعني آلاف المعتقلين السياسيين الذي بقوا لعقود داخل ظلام السجون ومراكز الاعتقال. وتعني المفقودين الذين تركوا عائلات من دون شهادة وفاة، ودموع الأمهات والزوجات اللواتي ينتظرن منذ الثمانينات عودة أبنائهن وأزواجهن، حتى وإن كانوا ملفوفين بالأكفان. انها تعني الإذلال اليومي، والصمت المطبق وسيطرة الخوف. وشبكات الفساد والمحسوبية، ونظاما بيروقراطيا مهترئاً، وأجهزة أمنية تعمل من دون حساب أو مسؤولية. إنها تعني تهميش السياسة، وترويض القضاء، واختناق المجتمع المدني، وقمع أي معارضة.
ان شعاراً مرعباً يقول "قائدنا للأبد الرئيس حافظ الأسد"، مرفوع في مدخل كل مدينة وعلى المباني العامة، يخبر السوريين أن التاريخ توقف عند حدود بلادهم.
التاريخ لم يتوقف بالطبع، وكان يطل أحيانا على الحياة السورية. لكن النظام دفن رأسه في الرمال، ليعيش وهم انه يمكن أن يبقي التاريخ بالخارج – فقط لو قمع النظام الشعب بالدرجة الكافية. حدث ذلك في ثمانينات القرن العشرين، حين وقعت مجازر حماة الدامية. وحدث في أوائل تسعينات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بينما ابقى النظام السوري الدولة تحت حكم الحزب الواحد. كما حدث عام 2000، بعد موت حافظ الأسد وانتقال الحكم عن طريق التوريث – كما لو كان يمكن للنظام ان يهزم حتى حتمية الموت. وحدث في العام التالي، حين تم دفن ربيع دمشق حيا، وتم اعتقال أبرز ناشطيه بعد أن دعوا سوريا ورئيسها الجديد لفتح صفحة جديدة والتقدم نحو الديموقراطية.
وخلال العقود الاربعة السابقة، رفض النظام إدخال أي إصلاحات سياسية جادة. ولكن خلال تلك الفترة شهدت سوريا تحولات سكانية واقتصادية واجتماعية كبيرة. وأصبح عدد السكان أكبر وغدوا أصغر سنا، فاليوم نجد أكثر من نصف السكان تحت 20 عاما من العمر. وحدثت هجرات داخلية من الريف إلى المدن ما أدى إلى انفجار سكاني على مشارف دمشق وحلب. ومع انتشار البطالة، أصبحت الثروة متركزة بقوة أكبر في ايدي طبقة صغيرة من أفراد النظام وأعوانهم.
وأعرب دبلوماسيون غربيون ومعلقون كثيرون عن شكوكهم في أن الشعب السوري قد يثور يوما ما للمطالبة بحقوقه وحرياته. لكن اولئك المشككين قللوا باستمرار من عمق المقاومة والمعارضة. ولم تكن مفاجأة أن السوريين فتحوا، في ساعة الحقيقة، قلوبهم وعقولهم لرياح الربيع العربي- الرياح التي حطمت الجدار الذي وقف بين العرب والديموقراطية، وفرض خيارات زائفة بين الاستقرار والفوضى أو الدكتاتورية والتطرف الإسلامي.
ولم يترك التاريخ وراءه سوريا الاخرى، الحقيقية. اذ تعود سوريا اليوم للمطالبة بحقوقها المسلوبة، واسترداد ديونها المستحقة الدفع منذ زمن. ومقارنة بالثورات العربية، كانت انتفاضة سوريا هي الأصعب، نظرا لقسوة النظام ومخاوف الحرب الاهلية. وفي الوقت نفسه، فإن وحدة الشعب وتصميمه على سلمية تحركه سيمكناه حتما من الفوز بحريته وبناء تجربته الديموقراطية الخاصة. ويدرك شعبنا ذو الشجاعة الخارقة، بصدور أبنائه العارية لرصاص القناصة، معنى هذه الحرية، وقد كلفته بالفعل ثمنا باهظا، من حياة أبنائه وبناته.
لم يقل بشار الأسد خلال مقابلته مع مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" ما فعله بزجاجة العطر الكبيرة. إنها نقطة شكلية. فردُّ النظام وخطابات الأسد الثلاثة الأخيرة تشير إلى أنه لا يوجد احد في القصر الجمهوري، ولا حتى الرئيس نفسه، يستطيع تحريك زجاجة الاستبداد التي جعلت مستقبل سوريا أسيرا.
لقد حكم والدي سوريا لمدة أربع سنوات، لكني لم ارث منه لا السلطة ولا الثروة. ما ورثته هو حقيبة سفر صغيرة، ارسلوها إلينا من السجن بعد وفاته. واحتفظت بها دون ممتلكاته الأخرى التي بقيت له بعد 22 عاما من الاعتقال. وكل ما اتذكره من تلك الحقيبة اليوم هو رائحة رطوبة السجن التي تفوح من ملابسه عندما أفتح الحقيبة.
في المرة القادمة التي سأزور فيها قبر والدي، سأخبره أن الحرية قد انبعثت من جديد في سوريا. سأطمئنه الى أن الشعب السوري نجح اخيرا في كسر زجاجة العطر الكبيرة، وأن رائحة الحرية قد انتشرت أخيرا، وأن احدا لن يتمكن من إخمادها من خلال نشر رائحة الدم.
لقد حاول الاسد خنق التاريخ، لكن التاريخ لن يبقى حبيس قارورة".

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات