بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الحوار السوري يكسر الحواجز النفسية
  11/07/2011

الحوار السوري يكسر الحواجز النفسية

سامي كليب


أهم ما في اللقاء التشاوري للحوار الوطني الذي عقد في سوريا أمس، أنه كسر حواجز نفسية كثيرة. صار معارض كالطيب تيزيني يستطيع أن يطالب بإلغاء الدولة الأمنية بحضور نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع ومستشارة الرئيس الدكــتورة بثينة شعبان. صار مســؤول كردي قادرا على القول إنــنا لن نقبل بعد اليوم بالتهميش. سقط الخوف من الكلام. ارتفع سقف المعارضة إلى حد فاق ما يقوله المعــارضون في خارج البلاد عبر الفضائيات الكثيرة.
هذه سوريا يا رجل، لا سويسرا ولا باريس. هذه البلاد التي كان فيها مجرد المجاهرة بمعارضة بسيطة تكلف صاحبها سنين طويلة من الاختفاء في غياهب السجون أو المنافي أو التشرد. يمكن أن نتخيل فيها مثلا اليوم مسؤولا بعثيا كبيرا (لمَ لا محمد سعيد بخيتان الأمين العام المساعد لحزب البعث) يراقب من منزله التلفزيون الرسمي السوري (نعم الرسمي) ينقل أصوات معارضين على غرار محمد حبش يطالب علانية بإلغاء المادة الدستورية التي تحكم بالإعدام على من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. سيفرك بخيتان عينيه مرات عديدة. قد ينادي زوجته أو أحد الأصدقاء. لن يــصدق ما يحصل. قد يلعن الساعة التي وصلت فيها الأمور إلى حد وضع المعارضين على المنصات. وقد يدرك في قرارة نفسه أن عصر هيمنة حزب البعث على الدولة والمجتمع قد ولى، أو على الأقل أن جيلا جديدا سيصل إلى الحزب، ويكون الحزب جزءا من تعددية حزبية وسياسية تنقل سوريا إلى المستقبل المنشود.
إن مجرد نقل التلــفزيون الرسمي الســوري كلَّ وقائع الجلسة الأولى للقاء التشاوري هو تعبير جيد عن بداية الإصلاح الإعلامي. من يصدق أن هذه التلفزة التي كانت تســتهل نــشراتها بأخــبار رئيــس البلاد والوزراء والمسؤولين البعثيين، صارت تنقل أصوات وصور معارضين يقولون بالفم الملآن إن عصر النــظام الحالي انتهى، ولا بد من نظام جديد تحت سقف الوطن، ولمَ لا تحت سقف بشار الأسد.
يحاول الدكتور فوزي الشعيبي، المؤيد المثقف للنظام، أن يكبح الجماح قليلا. يجاهر برفض المشاريع الدينية والتدخلات الخارجية. يلمح بالرفض إلى جماعة الإخوان المسلمين. لكن الواضح أن عجلة الإصلاح ما عادت تقبل الكوابح، فالشارع ينتظر وكذلك دول كثيرة. يحاول فاروق الشرع أن يحمي صورة الدولة. يقول إن «الحوار ليس منة من أحد على أحد ولا يمكن اعتباره تنازلا من الحكومة للشعب»، لكن الواقع يقول إن الجميع تنازل، فالسلطة استجابت سريعا لمطالب المعارضة، وجزء من هذه المعارضة قبل المجيء إلى حوار تحت سقف السلطة.
لا شك بأن معارضين كثراً سيقولون إنهم لا يثقون بالسلطة وان ما حصل ليس إلا حملة علاقات عامة ومحاولة للتغطية على ما يجري في الشارع وذراً للرماد في عيون تركيا والغرب، ولكن ما حصل أمس كسر حاجزا نفسيا كبيرا لا يمكن العودة بعده إلى الوراء.
لقد حصل شيء يذكّر بما عاشته جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام التمييز العنصري. عقدت في جوهانسبورغ اجتماعات كثيرة لـ«لجان الحقيقة والمصالحة». تم التنفيس عن الاحتقان العنصري. قرر نيلسون مانديلا الصفح عن جلاديه الســابقين ليبني دولة حديثة ومتسامحة. وحصل الشيء ذاته لاحقا في الممــلكة المغربية. سعى الملك محمد السادس لطي الصفحة السوداء لوالده الحــسن الثاني التي تميزت بالسجون والموت في المعتقلات من المرض والجوع والعذاب. أقام لجانا مماثلة لتلك التي عرفتها جنوب أفريقيا. صفحت الضحايا عن جلاديها وتم إنصاف من بقي على قيد الحياة والتعويض عليهم.
قد يقول الغرب إن ما تشهده سوريا ليس كافيا. قد يكون الغرب على حق لو صدقت النيات. فسوريا لا تزال في بداية طريق المصالحة والمصارحة والحوار، ولكن هل شاهد العالم يوما حوارا علنيا بين «جبهة تحرير كورسيكا» والسلطات الفرنسية. ألم تتبنَّ الجبهة 24 هجوماً على مصالح حكومية فرنسية فقط في العام 2009؟ هل شاهد العالم حوارا علنيا بين السلطات الاسبانية ومنظمة «ايتا» الانفصالية؟ هل تمتعنا يوما بحوار علني بين السلطات البريطانية والجيش الجمهوري الايرلندي الذي لا تزال تفاصيل صفقة المصالحة بين الجانبين حتى اليوم غامضة؟
انكسر حاجز نفسي كبير أمس في سوريا. تخطى كلام تيزيني وحبش سقف ما يقوله برهان غليون وهيثم المناع وحسين العودات وهيثم المالح. دخل اوكسيجين كثير إلى الجسد السوري المرهق بفعل الخوف التاريخي ودخان اقتتال الحاضر.
الوعود كثيرة والآمال أكثر. لم يسبق السيف العزل بعد. ربما الثقة بحاجة إلى مزيد من المؤتمرات واللقاءات. ربما المعارضة في الداخل والخارج بحاجة لأن تصدق أن النظام متجه فعلا لتطبيق إصلاحاته، لكن الأكيد أن كثيرا من البعثيين، لا بل من الطائفة العلوية نفسها، سيشعرون بخطر ما حصل أمس على مصيرهم ومستقبلهم أكثر من أي معارض آخر.
قالت معارضة الخارج وعدد من معارضي الداخل إنهم رفضوا الحوار لأن الظروف لم تتوفر بعد. لكنهم على الأرجح فوتوا فرصة ذهبية أمس حيث كان العالم يستمع ويشاهد عبر التلفزيون الرسمي السوري كلاما قاسيا جدا ضد النظام والدولة الأمنية. وهذا بحد ذاته إنجاز كبير.
إن السلطة السورية ستكون أمام امتحان هائل. هل تستغل نجاح اللقاء التشاوري للمضي قدما في الحل الأمني فتقتل الأمل في مهده؟ أم أن الأسد نفسه سيشعر بأن الناس معه في الإصلاح الحقيقي لو مضى قدما حتى ولو اعترض عليه جزء من أهل النظام وحزب البعث والطائفة، فيرفع سقف التغيير ويسرع عجلة تطبيق ما وعد به؟
لا شك بأن الكثير من الغالبية السورية الصامتة، أي تلك الفئة غير المنتمية لا للسلطة ولا للمعارضة، ستميل أكثر صوب الأسد لو استمرت وتيرة الحوار على ما بدأته أمس، فهي خائفة وقلقة ومنكفئة على نفسها، تخشى من النظام بقدر ما تخشى عليه وسط ضبابية البديل وهشاشة المعارضة وشبح المذهبية والتجييش الطائفي وخطابات الشيخ عدنان العرعور.
أما الأهم من هذا وذاك فهي حركة الشارع، كيف ستعبر يوم الجمعة المقبل عن رأيها بهذا الحوار؟ مهم رصدها.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات