بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
هل هناك حقاً استثناء سوري؟
  23/07/2011

هل هناك حقاً استثناء سوري؟
ميشيل كيلو - السفير


تبدو النظرة الرسمية على الحدث السوري محكومة بفكرتين :
ـ ترى أولاهما فيه مؤامرة محبوكة بدقة يصعب على المواطن العادي تصور درجة تنظيمها وبراعة المشرفين عليها، الأمر الذي يفسر صعوبة التصدي لها طوال المدة التي سيتطلبها القضاء عليها. ويظهر دهاء من خططوا لها من اختيار لحظة تفجيرها، التي جعلتها تبدو كجزء تكويني من جو عربي يشهد ثورات متعاقبة، يضفي اندماج الحدث السوري فيه طابعا بريئا، مجتمعيا وشعبيا، عليه ـ في الظاهر فقط ـ يجعله يبدو كغيره من الأحداث العربية، بوسعه بالتالي تضليل وبلبلة قطاعات واسعة ومتنوعة من عرب الداخل الوطني والخارج القومي، ما يحجب خطورة الحدث ويموه طابعه الحقيقي، ويوهم - في العمق - بأنه ثورة، مع أنه مجرد مؤامرة خارجية تورط فيها قطاع واسع من السوريين يجهل حقيقة ما يفعله ومراميه الفعلية، وينساق وراء شعارات تضليلية يظنها أهدافه أو متفقة مع أهدافه، بينما يسيره في الحقيقة عدد قليل من المتآمرين المدربين: من الإخوان المسلمين والسلفيين، الذين اندسوا في صفوف الشعب وعرفوا كيف يمتطون صهوة مطالبه، التي هي حق يراد به باطل، دون علم قطاعات واسعة منه، بطبيعة الحال.
ـ وترى الثانية في ما يجري اليوم تكرارا لما جرى بين عامي 1978 و1982، مع ما يمليه الفارق الزمني من تعديلات في خطط المتآمرين من جهة والحكومة من جهة مقابلة. لكن جوهر الأمر يبقى واحدا: هناك جماعة إسلامية تضخم أخطاء نظام الحكم كي تؤلب الشعب ضده. وهي تستخدم السلاح لإسقاطه، فلا بد من نزع الغطاء الشعبي عنها وكشفها والقضاء عليها بالسلاح، بما أن الحل السياسي لا يجدي مع حملته المتآمرين.
هذا هو الاستثناء السوري بالنسبة إلى النظرة الرسمية: إنه ظهور المؤامرة بمظهر ثورة شعبية محقة المطالب تشبه غيرها من ثورات العرب، بينما الأمر على حقيقته نقيض ذلك تماما. هذا الجانب من النظرة الرسمية السورية ليس استثنائيا، لكونه يكرر حرفيا على وجه التقريب ما قيل بين عامي 78 و82، وقالته حكومات عربية أخرى واجهت تمرد شعوبها، بما في ذلك حكومة حسني مبارك، التي اتهمت المتظاهرين في ميدان التحرير بالعمالة لأميركا، وقالت إن سفارة واشنطن في القاهرة توزع عليهم وجبات دجاج كانتاكي الساخنة، وإن لديها أدلة على صلتهم بإسرائيل، وختمت بأنهم إسلاميون متطرفون، في حين تحدثت الحكومة الليبية عن إمارات إسلامية ستقيمها القاعدة بزعامة الظواهري وبن لادن ـ قبل مقتله ـ، وادعى علي عبد الله صالح في اليمن أن القاعدة تقف وراء التمرد الشعبي ضده، وقبله ألمح زين العابدين إلى وجود علاقات غربية مع المتظاهرين / المتآمرين، تريد إسقاط نظامه «التونسي». أصرت الحكومات على الحديث عن مؤامرة إسلامية، رغم إعلانات الدول الغربية الصريحة والمتكررة أن هذه « الفزاعة « فقدت مفعولها وتأثيرها، بعد أن تبين لهذه الدول أن بديل النظم الراهنة ليس إسلاميا بالضرورة، كما أوهمتها طيلة عقود، وأن ذهابها لا يعني إطلاقا حتمية سقوط الدول والمجتمعات العربية في أيدي منظمات إسلامية متطرفة وأصولية، وأن الاحتمال الأرجح هو وصول خلطة ليبرالية جديدة / قديمة، تقدمية / إسلامية إلى الحكم، توفر فرصة جدية لتبلور تيار ليبرالي / مدني واسع، له حوامل مجتمعية قوية ومتشعبة، يرجح كثيرا أن يلعب دورا مهما في مستقبل البلدان العربية، ما دام حامله سيتكون من فئات شعبية متنوعة تمثل قطاعات كبيرة من طبقة وسطى حديثة تعلمت درس الاستبداد وحفظته جيدا، وتريد استبداله بنظم مدنية / تمثيلية قاعدتها وحاملها شعب حر وسيد، يريد اللحاق بالعالم، ليس قط على صعيد التنمية والتحديث، بل كذلك على صعيد بنية دوله ومجتمعاته، والقيم الناظمة لوجوده.
ليس ما سبق ما أسميته الاستثناء السوري، الذي يكمن في أمرين :

ـ اعتبار ما يجري اليوم تكرارا معدلا ومحسنا لما جرى بين عامي 1978 و1982 في حماه وحلب.
ـ طبيعة الحدث السوري الراهن، الذي يختلف في جوانب جوهرية عن الحدث السابق، تنبع أساسا من كون حامله ليس حزبا أو نخبة أو طليعة أو قلة أو جماعة، بل هو قطاع واسع ولا يني يتسع من الشعب السوري، الذي يأخذ كثيرون، منهم نظامه القائم، على حراكه، أنه لم يبلور بعد قيادات تمثله ـ لا يلاحظ هؤلاء التناقض بين حديثهم عن المؤامرة المنظمة والرهيبة القيادة وحديثهم المقابل عن افتقارها إلى تمثيل، ما يجعلها مؤامرة بلا قيادة ـ. بين 1978 و1982، كان هناك بالفعل تنظيم مسلح يقاتل النظام، تجسد في بؤرتين قاد إحداهما مروان حديد في حماه، والثانية عبد الفتاح أبوغدة في حلب (البؤرة الأصغر)، انضم إليهما خلال الصراع بضعة آلاف تركوا تنظيم الأخوان المسلمين وانضموا إلى «الثورة». أما اليوم فليس الحدث السوري من صنع تنظيم، مسلحا كان أم غير مسلح، بل هو أقرب إلى تمرد شعبي يختلف عن أحداث 78 – 82 بما يلي :
1- مشاركة مختلف القوى الاجتماعية فيه. لسنا اليوم أمام تنظيم يستغل موقفا عدائيا من النظام ويخترق أوساطا هي الأكثر تأخرا في طبقة وسطى مدينية حرمت من التنمية وحجر عليها سياسيا، تمردت في حماه وجزئيا في حلب. اليوم، تشارك قطاعات كبيرة من العلمانيين والمتدينين في تمرد تجمعهما شعارات ومطالب تبدو أقرب إلى العلمانية ومأخوذة من قاموسها كالمواطنة والحرية الفردية والدولة الديموقراطية / المدنية والفرد الحر والمجتمع المدني... الخ، بينما كانت في الحدث السابق دينية صرفة، نفرت المجتمع العلماني واستفزته ووضعته منذ البداية في صف النظام أو حيدته، خاصة بعد أن تبنت مقولات وشعارات طائفية هددت بإشعال حرب أهلية كان السوريون وما زالوا في أغلبيتهم ضدها. هكذا، في الماضي، أخذ التمرد طابعا جعله يبدو كتمرد ضد الدولة والمجتمع، أما اليوم، فالتمرد في جوهره هو تمرد باسم المجتمع ضد سلطة ظلمته وقوضت دولته، التي يريد استعادتها والرضوخ لها كدولة حق وقانون. ثمة إذاً تبدل جذري في كل ما له علاقة بالحدثين، واختلاف في مفرداتهما جميعها: البشرية والمجتمعية والسياسية والقيمية. بما أن الأول كان مسلَّحا وعنيفا، فقد كان من المفهوم أن يجابه بالسلاح والعنف، وإن كان استخدامهما الرسمي مفرطا جعل عدد ضحاياهما كبيرا إلى حد تجاوز كثيرا قمع النواة المسلحة ذاتها إلى قمع المجتمع، الذي ضرب دون تمييز، حتى بدا أن لا هدف للعنف غير سحقه.
2- مشاركة الريف بقسم وازن من النشاط الاحتجاجي، بينما كان الريف معاديا في الحدث الأول، وكان المجتمع الأهلي مشاركا بجزء محدود من قوته في المدينتين، ومحايدا تماما في معظم المدن والبلدات السورية. اليوم، المجتمع الأهلي، مجتمع الريف المديني أوالمدن الريفية، هو حامل الاحتجاج الحقيقي في كل مكان من أرض سوريا. يفسر هذا اتساعه وحدّته وانخراط قطاعات متزايدة الحجم من السكان المهمشين فيه. بارتباط المجتمع المدني الحديث ممثلا في مئات آلاف الشبان والشابات، وعشرات آلاف المثقفين من مختلف المهن والاختصاصات، مع المجتمع الأهلي، الذي تبنى مقولاتهم وأهدافهم السياسية الحديثة. تغير طابع المعركة، فلم تعد بين «سلطة تقدمية وقطاعات اجتماعية محافظة أو رجعية»، كما كان يقال عن معركة 78-82، وإنما صارت بين مجتمع علماني / ديني / مدني / أهلي وسلطة فقدت تواصلها معه وتمثيلها له، اكتسبت طابعا محافظا معاديا لطموحاته، بدافع من رغبتها في الحفاظ على نظام سلطوي أنتج مجتمعه انطلاقا من مصالحه، لا هم له غير منع مجتمعه من كسر الطوق السياسي الشديد الضيق الذي كبله بقيوده، رغم ما عرفه من نمو في جسده الخاص، وعاشه من تحديث جدي وحقيقي في أبنيته ووعيه، خلال نيف وأربعين عاما من عمر النظام. منطقيا، لا يحتاج المجتمع اليوم إلى استخدام العنف، ما دام لن يهزم سلميا، ويرفض أن ينقسم على نفسه، لأن الانقسام يؤذيه ويضعف قضيته وقدراته وقد يفضي إلى هزيمته، خاصة بعد أن بدأ يتبلور تيار داخل النظام يريد ملاقاة مطالبه في منتصف الطريق، تبنى مؤخرا لغة قريبة من لغة معارضي الأمر القائم وخصومه، وبدأ يتحدث عن الانتقال إلى الدولة الديموقراطية المدنية، والتعددية والــنظام التمثيلي وكأنها لم تعد لغة لكسب الوقت، بل هي لغة قناعات راسخة، أملاها عليهم الاقتناع بضرورة تلبية مطالب الشعب في نظام بديل للنظام الحالي، الذي فقد مرجعيته بالنسبة إلى كثير من أنصاره، وغدا من الواضح أن التمرد الاحتجاجي الواسع لن يتوقف دون إجراء تغيير جدي فيه. لا يحتاج المجتمع إلى العنف، ولديه أدلة على قوة النزعة السلــمية وقدرتها تزوده بها تجارب راهنة في تونس ومصر واليمن، بلد الشعب المسلح حتى الأنياب، الذي يرفض الرد بالنار على النار، مع أن بنادقه في متناول يده، التي على الزناد. بينما تعلمه تجربة ليبيا أن النظام هو الذي يلجأ إلى العنف، كي يسد أبواب الحلول السياسية، ويبقي على السلطة.
لسنا في أعوام 78- 82 مكررة ومعدلة. هذا هوالواقع السوري الراهن، الذي حاولت رصد أهم ملامحه بإيجاز، لأصل إلى نتيجة ترى أن تكرار الحل القمعي الذي مورس في الماضي على الحال الراهنة كان هو، وليس المؤامرة، الاستثناء السوري، فلا عجب أنه كان محكوما بالفشل حتى قبل أن يبدأ، وأن ما أدخل عليه من تعديلات تراعي الوضع الحالي لن يجدي نفعا، ما دام يعالج وضعا لا يملك أدوات علاجه، ويعتمد نهجا لا يرد على أسئلته، ويقدم حلا لمشاكله وأزماته يزيدها تعقيدا وتأزما.
عند بدء الأحداث، كان هناك رأي يقول بإعادة إنتاج السياسة انطلاقا من الواقع الجديد، على أن يلتقي في مشروع كهذا جزء من أهل النظام مع المعارضة والشباب والمجتمع الأهلي، فيتم عزل الفتنة ودعاتها والقضاء على أي مؤامرة قد تنشأ أو تكون موجودة. لكن الأحداث سارت في اتجاه معاكس، جعل السلطة ترى في حملة الواقع الجديد العدو الذي يجب القضاء عليه، بالقوة. بذلك دخلنا في الاستثناء السوري، الذي يجعل أسلوب إدارة الأزمة أشد مكوناتها خطورة وتعقيدا، ويأخذنا جميعا، يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، إلى كارثة لم يعد باستطاعة أحد إنكار وقوعها، وربما منعه!.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات