بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
ما أفلحت دولة تولـّت أمورَها المخابرات
  31/07/2011

ما أفلحت دولة تولـّت أمورَها المخابرات

د. فيصل القاسم

"إن الحرب قضية في غاية الأهمية والخطورة، بحيث يجب أن لا تـُـترك للجنرالات".
ليت الشعوب العربية تعيد قراءة ذلك القول المأثور، فقد تجد فيه الحل للكثير من أزماتها. لقد علمنا التاريخ أن العسكر لا يمكن أن يؤتمنوا حتى على إدارة الحروب، وهي من صلب اختصاصهم، فما بالك أن نأتمنهم على إدارة الدول، كما هو حاصل في معظم الدول العربية؟ لكن من سوء حظ العديد من الشعوب العربية أنها ترزح منذ زمن بعيد ليس فقط تحت ربقة العسكر وأحذيتهم الثقيلة، بل تحت أحد أعتى تجلياتهم، ألا وهو الحكم المخابراتي أو الأمني الذي أمم الحياة وما عليها، وجعل نفسه المرجع الأول والأخير للسياسيين والشعوب على حد سواء، فلا تتحرك نملة إلا بأمر "المكتب الثاني" ولا تمر معاملة مهما تدنى شأنها إلا بإيماءة أمنية.
كل الدول طبعاً تمتلك أجهزة أمنية عملاقة بما فيها الدول الديمقراطية العتيدة، لا بل إن ميزانيات الأجهزة الغربية كوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه) و"وكالة الأمن القومي" (أن أس أي) تصل إلى حدود فلكية، بحيث ربما تزيد عن ميزانيات دول عربية بأكملها.
وأرجو أن لا يظن البعض أن الدول الغربية ليست دولاً بوليسية، فكل دولة مهما كان نوعها دولة بوليسية، وقد زاد الوضع سوءاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لكن الفرق بيننا وبينهم أن أجهزتهم الأخطبوطية الرهيبة التي تستطيع مراقبة دبيب النمل، وربما تعرف عن المواطنين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم بفضل التكنولوجيا الحديثة المرعبة، لها اختصاصات محددة للغاية، ولا يمكن أن تتجاوزها قيد أنملة. فبالرغم من سطوتها العالمية المخيفة إلا أن وكالة الاستخبارات الأمريكية مثلاً ليس من صلاحياتها أن تتدخل في أمر أي مواطن أمريكي في الداخل، وتنحصر مهماتها في العمليات الخارجية فقط. أما الأجهزة الأمنية الغربية المنوطة بحماية الأمن في الداخل فهي مجرد أدوات بيد السلطات السياسية تنفذ المطلوب منها حصراً، ولا تتدخل فيما لا يعنيها، ولا تصنع لنفسها هالة خرافية، بحيث تصبح أهم من رأس السلطة ذاته، لا بل أهم من الحاكم والوطن والشعب.
أما الأجهزة الأمنية في الكثير من الدول العربية فهي الحاكمة بأمرها، وهي الآمر الناهي في كل شيء، وبدلاً من أن تكون مجرد أدوات في أيدي السلطة التنفيذية لتحقيق الأمن والنظام فهي تتحكم بكل السلطات في آن واحد، وليس لها صلاحيات محددة، لا بل إنها فوق القانون بفضل تشريعات دستورية تحميها من الملاحقة القضائية، حتى لو داست العباد، وخربت البلاد، فالبرلمان يخافها شر خوف، والحكومة ترتعد منها أوصالها، والقضاء يرتعب من مجرد ذكر اسم مخبر لديها. وحتى إن بعض الرؤوساء يخشونها. كيف لا وهي مخولة باعتقال حتى القضاة ورجال العدل. إنها نكتة فعلاً أن يودع بعض رجال القضاء السجن، ويتعرضوا لعذاب أليم على أيدي أجهزة الأمن. ولو قلت هذا الكلام لرجل غربي لربما فطس من الضحك، لأنه أغرب من الخيال بمفهوم الحكم الديموقراطي الحديث.
ولا أدري كيف يكون هناك قضاء عادل، أو حكومة صاحبة مبادرة خلاقة، أو برلمان يراقب، ويحاسب، ويشرّع حسب المصلحة العامة إذا كانت كل تلك السلطات مخصية ومشلولة ومصادرة ومدارة من قبل الجهاز الأمني الذي يتلاعب بها كما يحلو له. إنه تخريب مقصود ومتعمد للبلاد بشكل مباشر أو غير مباشر. ويتساءلون لماذا نحن متخلفون عن ركب الحضارة!
وبينما تلتزم أجهزة الأمن الغربية بمهام محددة، كأن يكون هناك فصل تام بين الأجهزة المدنية والعسكرية والداخلية والخارجية، نجد أن الفارق يكاد يكون معدوماً بين صلاحيات ومهام الأجهزة العربية، فكلها في المخابرات شرق. فجهاز أمن "المزابل والمراحيض العامة والصرف الصحي" مثلاً يستطيع أن يفتي في الشؤون السياسية والاقتصادية والعلمية والتجارية والقضائية والتكنولوجية والعلمية والجامعية والطلابية وحتى في ظاهرة الاحتباس الحراري. إن الأجهزة الأمنية في بعض بلادنا العربية مخولة بالتدخل في كل ما لا يعنيها. ليس هناك مجال محدد لها، فالأمن العسكري مثلاً له من الصلاحيات ما يؤهله دس أنفه في أسخف وأتفه القضايا التجارية والطبية. فمن دون موافقته لا يستطيع الناس مثلاً إقامة منشأة صناعية بسيطة لصنع النعال. ولا أدري ما علاقة أمن الجيوش بتصنيع الأحذية، فكل ما يمكن أن يفكر به العقل السليم أن مهنة كتلك بحاجة فقط لموافقة وزارة الصناعة والبيئة على أبعد تقدير. أما أن تكون بحاجة لموافقة العديد من الأجهزة الأمنية التي لا علاقة لها بالموضوع لا من بعيد ولا من قريب، فهذه محاولة مفضوحة لعرقلة شؤون البلاد والعباد وإحباط أي نهضة صناعية أو تجارية من شأنها أن ترتقي بالأوطان إلى مصاف العالم المحترم.
هل تعلمون لماذا بلدياتنا فاسدة؟ هل تعلمون لماذا صناعاتنا بدائية وسخيفة وذات نوعية رديئة؟ هل تعلمون لماذا تجارتنا بائرة؟ هل تعلمون لماذا اقتصادنا مترهل؟ هل تعلمون لماذا مثقفونا منعزلون وحياتنا الثقافية خاوية على عروشها؟ هل تعلمون لماذا مدارسنا سيئة وجامعاتنا في الحضيض؟ هل تعلمون لماذا إعلامنا العربي متخلف وهزيل؟هل تعلمون لماذا ليس لدينا أي روح مبادرة لفعل أي شيء؟ هل تعلمون لماذا تغلب اللامبالاة على عموم الشعب العربي؟ هل تعلمون لماذا يسيطر الفساد على الحياة العربية بمختلف جوانبها؟ هل تعلمون لماذا يتحكم الروتين بكل مفاصل الحياة العربية؟ هل تعلمون لماذا الشرطي في بعض البلدان العربية يثير السخرية والتهكم؟ هل تعلمون لماذا غدونا في مؤخرة الحضارة؟ الجواب بسيط جداً. كل ذلك حدث بسبب الهيمنة الأمنية على الحياة العربية؟
كيف نتوقع أن يكون لدينا مجالس بلدية ودوائر حكومية تخدم المواطنين باحترام وإخلاص، وتخلص معاملاتهم بيسر إذا كان معظم رؤساء البلديات ورؤوساء الدوائر الرسمية في بعض الدول العربية مجرد خدم، إن لم نقل مخبرين أو مستخدمين لدى رجال الأمن الذين عينوهم في مناصبهم؟ بعبارة أخرى فهم مسؤولون أمام الأمن وليس أمام الشعب. هل من العجب أن يمارسوا أبشع أنواع الفساد طالما أنهم محميون من المخابرات؟ إن أبسط وظيفة في بعض الدول العربية بحاجة إلى موافقة ومباركة أمنية حتى لو كانت في مصلحة جمع القمامة وتنظيف دورات المياه وتربية الدواجن وتوزيع الأعلاف. فما بالك أن يتعلق الأمر برئيس بلدية تمنح الرخص وتتوفر على ميزانيات كبيرة؟
كيف نتوقع أن تزدهر صناعتنا إذا كانت أبسط منشأة صناعية تحتاج لموافقة كل فروع الأمن والمخابرات مجتمعة؟ وإذا رفض جهاز واحد من عشرات الأجهزة إعطاء موافقته لصاحب المشروع الصناعي، فهذا يعني أن المشروع أصبح في خبر كان. وغالباً ما تجد أن رؤوساء قطاعات صناعية عديدة لديهم مرجعية أمنية معينة يعودون إليها في كل شاردة وواردة. فحتى الصناعة تدار بعقلية أمنية. وقد اشتكى أحد وزراء التخطيط والصناعة العرب من أنه لم يكن بمقدوره تعيين رئيس شركة بسيطة لأن منصبه لا يخوله ذلك!
ولا يختلف الأمر بالنسبة للتجارة، فبعض غرف التجارة العربية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذا الجهاز الأمني أو ذاك. وليس من الممكن أن يكون هناك تاجر أو تجارة مهمة من دون أن تخضع لجهة أمنية معينة، وإلا لا تكون موجودة أصلاً.
كيف تتوقع أن يكون لديك اقتصاد مواكب للاقتصاد العالمي إذا كان وزير الاقتصاد وكل الاقتصاديين في بلدان عربية عديدة يؤمرون ويوجهون من ضابط أمني يفهم بالاقتصاد كما أفهم أنا بالانشطار النووي العنقودي ما بعد الحداثي؟
كيف تكون لدينا حياة ثقافية نشطة ومثقفون مبدعون إذا كانت الثقافة والمثقفون يقبعون تحت عباءة ضابط أمن يفهم في الثقافة والإبداع كما أفهم أنا بالنظرية النسبية أو الخلايا الجذعية؟ كيف يزدهر الإبداع إذا كان المثقفون يحتاجون إلى عشرات الموافقات الأمنية لتنظيم محاضرة؟ كيف تنتعش الثقافة في العالم العربي إذا كان رئيس اتحاد الكتاب والأدباء يجشم فوق صدر الاتحاد عشرات السنين لمجرد أنه مدعوم أمنياً؟ ألم يشتكي وزير ثقافة عربي قبل فترة من أنه لا يستطيع تعيين "فرّاش" في وزارته؟ ألم يتفاخر مدير عام دور السينما في إحدى الدول العربية بأن ضابطاً أمنياً عينه في منصبه، وليس وزير الثقافة؟
كيف تتوقع أن يكون لدينا إعلام متقدم إذا كان رجل الأمن أو وزير الداخلية هو وزير الإعلام في بعض الدول العربية وإذا كان وزير الإعلام في الحكومة يخاف من أصغر ضابط أمن؟ ألم يتلق أحد رؤساء تحرير الصحف خبر إقالته قبل فترة من ضابط أمني، وليس من وزير الإعلام؟
كيف تتوقع أن يكون لدينا جامعات محترمة إذا كان بعض رؤوساء الجامعات وعمداء الكليات وكبار الأساتذة يخشون على لقمة عيشهم من مخبر حقير لا يساوي كعب حذاء مهترىء؟
إن تقدم الشعوب والمجتمعات يرتبط ارتباطا وثيقاً بمدى قدرتها على المبادرة الخلاقة. كيف تكون شعوبنا مبادرة إذا كان النظام الأمني التخويفي قد أخمد داخلها لا بل قتل أي روح للمبادرة بتسلطه الفظيع وإرهابه المنظم؟
هل بقي أمام الشعوب المغلوبة على أمرها غير اللامبالاة ورفع شعار "بطيخ يكسر بعضه" بسبب التسلط الأمني؟
كيف لا تتوقع أن يكون الفساد سيد الموقف إذا كان باستطاعة أي شخص أن يرتكب كل الموبقات وينجو بجلده لمجرد أنه مسنود أمنياً؟
كيف لا يسود الروتين والمحسوبية والتنكيل الإداري إذا كانت أبسط المعاملات مرتبطة بقرار أمني؟
كيف يكون الشرطي محترماً إذا كانت السلطة قد اغتصبت الدولة، وغدا رجل الأمن أهم وأقوى من ألف شرطي بدليل أن أجهزة الأمن على أنواعها هي التي تتولى إخماد الثورات العربية بوحشية وهمجية عز نظيرهما، وليست قوات مكافحة الشغب؟
وأخيراً كيف يكون لديك سياسات داخلية وخارجية ناجحة وخلاقة إذا كان بعض الزعماء جاء إلى الحكم من وزارة الداخلية، أو كان بالأصل ضابط أمن سفاحاً كبيراً؟ متي يوقنون أن السياسة أهم وأخطر من أن تــُترك لرجال المخابرات؟
متى تدرك الأنظمة العربية إذن أن آفة بلداننا هي الحكم الأمني الذي راح ينوب عن الجميع في إدارة البلاد، ويخصي كل طاقات المجتمع ومكوناته؟ وبعد كل ذلك يا ترى أليس من حقنا أن نتساءل فيما إذا كانت مهمة النظام الأمني الأصلية هي تدمير المجتمعات أو شل حركتها كي تكون لقمة سائغة في فم الأعداء عن قصد؟ متى يدرك حكامنا أن ما أفلحت دولة ولــّت أمورَها المخابرات؟

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات