بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
فلسطين وسوريّة...من قضيّتنا تُشتقّ المواقف
  17/08/2011

 

فلسطين وسوريّة...من قضيّتنا تُشتقّ المواقف

قال الفيلسوف الساخر برنارد تشو: "لم تبلغ بي السخريّة حدّا أن أزور الولايات المتحدة الأميركيّة لأرى تمثال الحريّة"، ولا أعتقد أن السذاجة يمكن أن تبلغ حدّا عند أحد أن يصدّق أن "الملوك والأمراء والشيوخ" وفضائياتهم ومنظريها قلقون فعلا على حريّة الشعب السوريّ وعلى الدماء السوريّة التي تُسفك، وكذا الناتو وعلى رأسه صاحبة تمثال الحريّة.
الأمر الطبيعي أن يُشغلنا نحن الفلسطينيين في كل مكان وفي ال-48 ما هو حاصل في العالم العربيّ ليس فقط من منطلق انتمائنا لهذه الأمّة، فقضيّتنا هي المحور ومن هذا المحور تُشتق المواقف والتحرّكات في تشابك وتقاطع مصالح وعريّ شائك يتيه فيه الضالعون في الأمور فكم بالحري بسطاء الناس.
عودة إلى هذا المحور وانطلاق منه يوصلانا ودون عناء إلى سبر غور ما يبدو مجهولا أو عصيّا على فهمنا وبالذات في هذا الالتقاء الغربيّ- إسرائيلي، التركيّ، العربيّ- ملوكي، الأصولي، وبعض "المعارضيّ" السوريّ وبعض "اللبراليّ" من دعاة حريّة الشعوب ودون أن يرى هذان الأخيران في هذا الالتقاء غضاضة.
هنا تحضرني حكاية من تراثنا الشعبيّ أنّ: بلدة سادها إجماع رغم تناقضاتها اللهم إلا شقيّا من سكانها عكّر صفو هذا الإجماع، فقرروا بعد يأس من إصلاحه ومشاورات مضنية أن يدفنوه حيّا. ألقى "قبضاياتهم" القبض عليه وربطوه على المحمل وساروا فيه بجنازة قلّت مثيلاتها لم يتأخر أحد منهم عن المشاركة فيها.
مرّوا أمام شرفة زعيم البلد القاعد فيها يتشمّس ولا علم له براحل في البلد، فصاح فيهم مستغربا مستنكرا تجاهله طبعا: "من المرحوم؟". رفع "المرحوم" رأسه صائحا معتقدا أنها فُرجت:"يا سيدي بدهم يدفنوني حيّ!". فما كان من الزعيم إلا أن أجابه: "تريدني أن أصدقك وأكذّب كل هؤلاء؟!".
طبعا لا تخلو جعبة المعارضين ولا اللبراليين من حجج لا تعدّ ولا تُحصى تميط اللثام عن هذه الغضاضة في الالتقاء وإذا أخذنا هذه الحجج مستقلّة لا قبلها ولا بعدها فهي في غالبيتها محقّة، ولكني وبكل تواضع كما الكثيرين غيري لا يستطيعون أن يكونوا جزء من هذا الالتقاء ولو "الصّدفي" وعلى الأقل ندّعي أن نقطة أساسيّة في انطلاقنا هو المحور، القضيّة الفلسطينيّة.
عام 1852 كتب السياسي البريطاني هولنغورت في كتابه اليهود في فلسطين "إن إقامة دولة يهوديّة في فلسطين هي ضمان حماية طريق الهند". وعام 1853 كتب الكولونيل شارلز هنري تشرتشل في كتابه جبل لبنان: "إذا كنّا نريد الإسراع في تقدّم المدنيّة وأردنا توطيد سيادة انجلترا في الشرق فعلينا أن نعمل أن تكون سوريّة الكبرى تحت سيطرتنا بشكل ما".
من أشهر أقوال حاييم فايتسمان رئيس المنظمة الصهيونيّة حينها والرئيس الأول لدولة إسرائيل لاحقا: "إن بريطانيا كانت ستخلق الصهيونيّة لو لم تكن قائمة". وفي المؤتمر الصهيونيّ السادس في بازل عام 1903 قال ماكس نوردو بحضور بلفور ولويد جورج، "نعرف ما تتوقعون منّا، أن نكون حراس طريقكم إلى الهند (إقرأ: مصالحكم) عبر الشرق الأدنى. نحن على استعداد لتنفيذ هذه الخدمة العسكريّة ولكن من الضروري تمكيننا أن نصبح قوة حتى نتمكّن من القيام بهذه المهمّة".
هنا مربط الفرس، فعندما نتكلّم عن المفروغ منه، مصالح الغرب ومطاياهم في الشرق يجب ألا يغيب عن البال أنّ لهذه المصالح قاعدة وهذه القاعدة ليست التي يستضيفها أمراء قطر والبحرين، هذه المصالح تُختزل كلّها في وجود القاعدة الأماميّة الثابتة، إسرائيل. وإسرائيل قائمة على أنقاضنا ومن هنا يجب ضرب كل من يحاول رفع أو حتى نفض هذه الأنقاض ولو قولا وكلّ ما عدا ذلك من حريّة وحقوق إنسان وكلام جميل يُشتقّ من هذا المربط.
لقد كشف العماد أميل لحّود الرئيس السابق للبنان في مقابلة مطوّلة خفايا لم تجر العادة أن يكشف مثلها من كانوا في مواقع مسئوليّة، وتكفي الإشارة إلى ما كشف عن أن مبادرة الملك السعودي عبدالله والتي صارت المبادرة العربيّة بيروت 2002 خلت من أي إشارة إلى حقّ اللاجئين الفلسطينيين، علما أن طيّب الذكر أبو عمّار كان محاصرا في المقاطعة ولم يحضر مؤتمر القمّة، لولا إصرار الرئيس اللبناني رئيس القمّة، مدعوما من الرئيس السوريّ على وضع هذا الحق من أسسها، هذا هو معنى للممانعة والمقاومة فمقتل إسرائيل هو حقوق اللاجئين والقدس والحدود وغيرها مقدور عليها. وماتت المبادرة " البوشيّة- العبداللاتيّة" وعلى هذا وعلى غيره "شالوها" للنظام السوريّ ولكن هذه هي نقطة البداية.
وإذا عطفنا هذا على خطط إعادة تأهيل الجيش الإسرائيلي في "تدريبات نقاط التحوّل" السنويّة، فيها يتدرّب على حرب جبهاتها لبنان وسوريّة وإيران وحتى العراق وغزّة والضفة وحتى فلسطينيي ال-48 "مواطني" دولة إسرائيل، يحقّ لنا أن نسأل وأن نتساءل: هل فعلا حريّة الشعب السوريّ ودماؤه هي القاضّة مضاجع كلينتون وآشتون وآل سعود وآل ثاني وآل خليفة وآل الصُّباح؟!.
ويحقّ لنا أن نتساءل ونسأل اللّبراليين: لماذا يغيب عن البال ونقلل من دوافع ومعاني هذا التأهيل الذي تقوم به إسرائيل لجيشها، عند الحديث عن سوريّة؟!
النظام البعثيّ في سوريّة ليس بريئا "براءة حمام مكّة المكرّمة" ولكن ليست هذه القضيّة في سياقنا، ومن بابين: باب البحرين وحدّث فيه ولا حرج، وباب الإصلاحات السوريّة. قانون الأحزاب مثلا الذي أصدره الرئيس الأسد وأقرته الحكومة السوريّة وصادق عليه مجلس الشعب أكثر تطورا من قانون "المدلّلة" "أم الديموقراطيّات" إسرائيل بكثير، وعلى المدى البعيد القريب سيحدث في سوريّة تغييرا جوهريّا في النظام. فلماذا لا يريد هؤلاء ليس فقط التعامل معه حتى أن يقرؤوه لا يريدون؟!
يزداد التساؤل والسؤال قوة من هذا عندما نرى علو الصراخ والتزامن بينه والصادر دفعة واحدة من البيت الأبيض (وما فيه) وبيوت الملوك والأمراء والشيوخ في الخليج (وما فيها)، يرافقه "تقويل" الجامعة العربيّة وتركيّا ومفتي الأزهر على ال-BBC والجزيرة والعربيّة والقنوات الإسرائيليّة معا وتزامنا ما لم يقولوا تماما؟!
عندما بدأت تتساقط أوراقهم على الساحة السوريّة الواحدة تلو الأخرى وقارب الأسد أن يحسم المعركة ضدّ أدواتهم أمنيّا ولصالح المتظاهرين سلميّا إصلاحيّا علا صراخ "الجوقة"، وتراثنا علّمنا أن "الصراخ على قدر الوجع"، ويذكّر هذا الصراخ ولا تشبيه إلا بالفكرة، بما جرى مع السيّد المسيح (ع) "يُصلب يُصلب".
عطفا على ما جاء، لن يدع هؤلاء الأمر ينتهي في سوريّة إن استطاعوا، ولن يستطيعوا، مثلما يريد شرفاء سوريّة في المعارضة وفي النظام وفي الشعب السوري، لأن سوريّة في الأزمة حصانة للقاعدة- إسرائيل وسوريّة في اشتداد الأزمة حصانة أكبر للقاعدة- إسرائيل وسوريّة في عراق ثانيّة كلّ الحصانة للقاعدة- إسرائيل (هذه هي البدائل) وستوفر هذه حينها بعض المصروفات في إعادة تأهيل جيشها وإسكان شبابها والعناية بعجزتها، وستُشقّ الطريق للمبادرة "المؤامرة" العربيّة بعد تنظيفها ممّا "علق" فيها في بيروت!
قضيّتنا هي المحور ومن قضيّتنا تُشتق المواقف كانت وما زالت وستبقى!
النائب المحامي سعيد نفاع
أوائل آب 2011
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات