بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
حكمة التاريخ: الطغيان جلاد نهايته..
  05/09/2011

حكمة التاريخ: الطغيان جلاد نهايته..
مطاع صفدي


الواقع السياسي العربي دَخَلَ حقبة التغيير الجذري الذي يفرض تطوراته على أنصاره ودعاته، ومعهم أعدائه وخصومه كذلك، داخلاً وخارجاً في وقت واحد.
فهناك إرادات جماعية متناقضة ومتنوعة تستجيب لهذه التطورات وتساعدها في إنتاج وعودها الإيجابية، كما أنّ هناك إرادات أخرى تكون مستهدفة من عنف التغيرات المرتقبة أو الحادثة، ولا يمكنها أن تقف محايدة إزاء أخطارها. كأنما لم يعد في هذا الواقع ما هو ثابت أو جامد، إلا وهو معرّض لاهتزاز مِنْ تحت جذوره عينها. فالتغيير أصبح كالخضم الهائج، وما يسمَّى بالثورة لا تختصره، إنها أشبه بسفينة ماخرة عباب الهيجان الأعظم تحتها ومن حولها. قد لا تعني الثورة أكثر من مصطلح إجرائي لبعض ظواهره. إنها مجرّد قوة تدميرية تحتاج إلى أسماء وأوصاف لغوية كيما تجعلها معقولة مفهومة من قِبَل المتنطعين لحمل أعبائها. وتمارس حقيقتها التدميرية منتصرة أو منكسرة، في العنف الدموي الذي يتطلّبه قمعها، كما في حال انهزام القامعين وممارسة الثأر الدموي ضد رموزهم وأدواتهم.
كل الثورات الكبرى في التاريخ كانت غارقة في مفاعيل القمع والثأر والانتقام. قلّما تحلّق 'المبادئ' فوق ركام الجثث من دون أن تلحق بأطرافها روائحُ النتن الإنساني الحزين. لكن الثورة العربية تجهد كيما تستثني ذاتها من هذه القاعدة المشؤومة. إنها في مجمل وقائعها الراهنة، لا تزال تدلّل على انحيازها إلى معسكر الضحايا المسالمين، ضداً على إيديولوجيا الشر وحدَها، محاصَرَةً في معسكر الجلادين الدمويين. هذا لا يُعفي الثورة من عقابيل الثارات الفوضوية المصاحبة أحياناً لوقائع انتصارات عسكرية. ذلك أن الثورة الليبية قد أجبرها عنف الطاغية المجنون، على التحوّل العسكري والتحالف مع 'الناتو'، وهو الأمر عينه قد ينتظر بعض ثوار سورية إن لم يرتدع النظام عن مجازره اليومية في الشوارع والمعتقلات.
طيلة الأشهر الستة الماضية كان الشارع السوري يُناضل ضد عنف السلطة لدى جلاديه، وضد العنف الآخر المكبوت في عمق النفوس طلباً للثأر والانتقام. لقد تحصّن الشباب الثائر بشجاعة النضال السلمي وحده، قاوموا، فضحوا كل أفخاخ الإنجرار إلى الإقتتال الأهلوي، التي تفنَّن عباقرةُ الطغيان (القوموي) في اختراع مزالقها ونَصْب شباكها. فإن أَشْأم منزلق للثورة العربية في سورية هو سقوطها من مستوى ثورة الشعب الواحد ضد المغتصب الفئوي، إلى مجرد رد فعل فئوي من جنسه. ما يتمناه الطغيان، هو تجريد الثورة من أبسط دوافعها، في استرداد الناس لحقوقهم الطبيعية من مغتصبي الحرية والكرامة، والهبوط بالكفاح الشعبي إلى سوية الإرهاب الأهلوي المتبادل ما بين أطياف المجتمع الواحد. ما حدث خلال مسلسل العنف اليومي، هو الإيغال المجنون في ارتكاب المقتلات الجماعية والفردية. فقد انحلت 'ثقافة' النظام كلها في شعار الحقد الأعمى، إلى درجة أنه لم يعد لأهل النظام ثمّة من مصير خارج ثنائية الذات المتجبّرة التي لا توجد إلا بالقضاء المبرم على 'الآخر '. هذا المأزق الكارثي يصنعه الطغيان بيده منذ أن افترض أن الشعب سيكون هو عدوه الأول، مادام هو مصرّاً على ارتكاب آثامه المطلقة قسراً عن كل رقابة أو حساب.
لذلك كان الهدف الحقيقي من اختراع وفرض نظام الأنظمة العربية الواحد، على مجمل الوطن الأكبر، هو إلغاء 'الآخر' من محيط السلطة الكليانية، أي ما يعادل اعتقالَ كل مجتمع بين قضبان نظامه الحاكم؛ فكان انفجار الثورة هو المفاجأة الكبرى لحرّاس أنظمة الاعتقال الجماعي هذه. وبالتالي كان لا بدّ من انقلاب السلطة على شعبها بأسلوب الأقصى من كل وسائل الإرهاب والتعذيب والقتل، وهو الحل الأوحد الذي لم يتبقَّ للسلطة من وسيلة سواه، بل في الإمعان بتخطّي كلّ محرّماته الإنسانية والدولية. ومع ذلك فالشعوب ليست خائفة من قادتها القتلة، بقدر ما هي مذهولة من مشاهد الفظائع القديمة والمستحدثة. إذ تظل كل فظاعة مذهلةً، مهما تقادمت أخبارُها وتكرّرت أحداثها، فكيف الأمر إن أصبحت الفظاعات بأنواعها هي المنتوج السلطوي الوحيد مع توالي أيام الثورة الراهنة.
غير أن أرباب القمع يعتقدون أنهم قادرون على استعادة طاعة الشعب لسلطانهم مهما تلطّخت أيديهم بدماء هذا الشعب الذي كان مطواعاً، ثم أمسى مخيفاً أكثر من كونه خائفاً مستكيناً. فإذا ما صمتتْ الشوارع يوماً ما، هل هذا يعني أن السلطة كسبتْ المعركة مجدداً، وأنه يمكنها أن تعيد ترتيب الولاءات لمقاماتها على ضوء الخسائر والمكاسب، بحيث لن يُنازعَ قبطانَ الباخرة أيُّ متمرد بعد اليوم، ذلك هو الوهم الأكبر الذي يُداعب مخيال السلاطين الناجين موقتاً من اختبارات النهاية الرهيبة. وهو وهم يشدُّ، مثلاً، من عزم البقايا القذّافية في قاع الصحراء الليبية، كما أنه يغذي بقايا أعمدة النظام السوري المتهالك، وإن لم يتهاوَ بنيانه كاملاً بعد، فما زال مراهناً على انقسامية طبقية موهومة، قد تؤجل إلى حين موعد الوحدة الشعبية وراء الثورة.
البورجوازية السورية في دمشق وحلب تفضّل التعامل مع نظام منهك مازال قائماً على آخر متداعٍ نهائياً. فارتباط الزبّونية بالسلطة الديكتاتورية مسألة عضوية، ذلك أن الزبّونية ليست في أصلها ظاهرة اقتصادية إنتاجية، إذ أن رأسمالها هو النفوذ السياسي الرأسي المنصبّ على المشاريع الخاصة والعامة؛ بحيث يحقّق الاستبداد وظيفة الحماية غير المشروعة أساساً لفعاليات الزبّونية المنخرطة في تنمية اقتصاد الفساد وحده. مركّب الاستبداد/الفساد ضالع في إنتاج بطانته المجتمعية الخاصة به، هكذا يقتطع شريحة من رموزه وأعوانهم كيما يؤلفوا عشيرة طفيلية جديدة تحت مصطلح رجال الأعمال. فليست هي على علاقة بمفهوم البورجوازية أو بممثليها القُدامى من أعيان المدن الشامية. لكنها ستصنع من ذاتها آلة لجني الثروات الفلكية بأسهل الطرق وأسرعها.
فالنظام السوري كان منذ نشأته على يد مؤسسه حافظ الأسد، يتبع خطة تفصيلية لكيفية اختراع مجتمع بديل كلّياً يخصّ السلطة و(شعبها) وحدهما؛ ويمكن لهذا المجتمع البديل أن يقوم بوظائف النخبة المحتكرة لمختلف مفاصل الحراك الاجتماعي العام؛ وقد جعل الأمن البوليسي والعسكري هو القيّم وحده على تكوين هذا المجتمع البديل، والضامن لنمو سلطانه ضداً على المجتمع الأصلي، وبمعزل تام عن همومه وإرادته غير المعترف بها منذ تحقّق الانقلاب الأسدي، فكان حزب البعث هو الستار الأيديولوجي لعملية ازدواج الشعب القديم المقهور بالشعب المختار الصاعد على حطام الأول. لكن مركّب الاستبداد/الفساد الذي انخرط فيه كلّياً العهد الأسدي الثاني، الراهن، لم ينجح في استكمال الرهان على حصان المجتمع البديل، فقد وُلِــد كسيحاً، سلطوياً بكليته، فاقداً لأسطورة التحديث وفقَ شعارات الانفتاح الاقتصادي، تحت وطأة تصحير متماد للحدود الدنيا من أسباب المعيشة الكريمة لغالبية الشعب، مصحوباً بفراغ سياسي مفتقر لأولويات حرية فردية أو جماعية في أي شأن إصلاحي حقيقي، ما جعل مركّب الاستبداد/الفساد يتعرّى من آخر مسوِّغات وجوده، بادّعائه أنه بات يمثّل الضرورة القصوى المانعة للإنهيار العظيم من بعده.
لكن الثورة قامت لتثّبت العكس وهو أن الفاعل الأكبر لأسباب الإنهيار لا يمكنه أن يتحوّل إلى صيغة وجود الضرورة القصوى لمنعه. لم يعد مقبولاً، منطقياً وواقعياً، أن تظلّ أداة الفساد هي أداة الإصلاح. هذه البديهية يرفضها عقل النظام. خلال عشر أو أحد عشر سنة من عهد الأسد الثاني كانت ألفاظَ التحديث بضاعةَ الدعاية الرسمية للدولة وبعض سلاطينها الظاهرين. لكن خلال بضعة أعوام تضاعفت عشيرة السلطة بعشيرة المال الفلكي. داهمت الشامَ انقساميةٌ طبقيةٌ هائلة لم تعرفها في تاريخها الإستقلالي وما قبله. لم تنجح نظرية الاستغناء عن المجتمع القديم التقليدي وإبداله بمجتمع الانفتاح الاقتصادي، مع الإبقاء على الإنغلاق السياسي والإعلامي. فلقد تقهقر هذا الانفتاح ليقتصر على تعميق مبدأ التفاوت القطعي بين سلطان الحُكْم المطلق والمحكوم الأبدي، ومضاعفته بالحقّ المغتصب للحاكم وطُغْمَته، في التملّك من ثروات الدولة والوطن معاً. أمسى مركّب الاستبداد/الفساد خاضعاً كلّياً لقطبه الثاني، أي الفساد، آمراً وحدانياً على فاعليه السياسيين وضحاياهم معاً. لكن دولة الفساد هي المحتاجة أكثر من غيرها، وحتى أكثر من نموذج دولة الإيديولوجيا، إلى تظهير آلة العنف، كتعويض إجرامي بحتْ، عن كل مشروعية، قانونية أو أخلاقية.
ما يُدهش الرأيَ العام في سلوك الديكتاتوريات العربية، كميّةُ الحقد الهائل الذي تُقابل به أبسطَ مواقف الاعتراض أو حتى النقد العفوي، ما يبرهن أن الديكتاتورية تفترض أن الشعب هو عدوها، وأن أية بادرة منه توحي ببعض الخروج عن آمرية الطاعة، قد توجب ما يتخطى كل عقوبة، وهو استئصال الآخر المختلف مادياً وليس معنوياً فقط. ذلك أن الديكتاتورية العربية بخاصة، تدرك أنها هي العدو الفعلي للشعب. فلا تسمح له باكتشاف هذه الحقيقة، مادامت قادرة دائماً على استلاب هذا الشعب أهم ما تبقَّى له من شخصيته الإنسانية وهي إرادة الرفض. لكن هذه الإرادة هي العائق الأخير في وجه الإرهاب السلطوي. هذه الإرادة هي صانعة الثورة، وهي الضامنة لديمومة رصيدها من إنسانية الشعب، حين يعجز مسلسل القمع الهمجي عن استنفاد مقاومتها.. إلى أن يقع الطغيان في شرّ أفعاله كلّها. عندما تطبق الحلقة الجهنمية على مفتعليها، يُدرك الطغيان متأخراً أنه كان العدو الأول لذاته.
والربيع العربي هو العصر الذي نجح أخيراً في جعل فظاعات جلاّدي الشعوب العربية ترتدّ إلى نحرهم، فذلك ليس سحراً غيبياً، إنه الظاهرة الأوضح في تاريخ الحرية الإنسانية، فقد لا تنتصر الحرية دائماً، لكن الطغيان لا بد أن ينهزم. جدلية الحرية والطغيان يتم عبْرها تدوينُ الحضارات لأمجادها كما لأخطائها. ولعلّ وباء الطغيان قد لازم منعطفات الحضارة العربية والإسلامية في مختلف عصورها الزاهية قليلاً، والمظلمة غالباً. إلا أن هذه الحضارة لم تعش طغياناً في سيرتها، أشدّ هولاً وأعمق تجذراً مما تلاقيه من أعراضه في حقبتها الإستقلالية المعاصرة. وقد يكون 'الربيع العربي' افتتح بالمقابل قصة المواجهة الشمولية مع دولة الطغيان المتمثّلة في نظام الأنظمة الحاكم لمجموع الأمة. إنها المواجهة الأولى مع القشرة الشوكية لشجرة الطغيان المتجذّرة في بنية المؤسسة المجتمعية عينها. فقد شكّل نظامُ الأنظمة ولَعِب وظيفةَ الدرع الحديدية الحامية لشجرة الشرور البنيوية. وإن مصارعتها، والاشتباك مع غابات أشواكها كان له الربيع العربي بمثابة المدخل التاريخي لمستقبل نهضوي آخر، لا زلنا نتعثّر.. ونكتب بعض عناوينه العريضة.

' مفكر عربي مقيم في باريس


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات