بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سورية ليست للسوريين وحدهم
  10/10/2011

سورية ليست للسوريين وحدهم
د. عصام نعمان


يفاخر السوريون ، ويشاطرهم الرأي عرب كثيرون ، بأن سورية هي قلب العروبة النابض . مؤدى هذا الكلام الإنتماءُ الى الأمة وجوداً وهوية ، والمشاركة في الدفاع عن كرامتها وحقوقها ومصالحها عندما تتعرض ، في زمان ومكان ، لعدوان او انتقاص .
قلب العروبة يعاني اليوم أزمةً مستعصية . من الطبيعي ، والضروري ، ان تتداعى سائر أعضاء الجسم العربي الى رعايته ومعالجته . فسورية ليست للسوريين وحدهم . إنها لشعبها ولكل العرب ، وخصوصاً للعرب الاقربين في بلاد الشام وبلاد الرافدين بين المتوسط والخليج. خيرها يفيض عليهم خيراً ، والشر الذي يستهدفها ينعكس عليهم شراً. من هنا ينبع حق العرب اجمعين ، ولاسيما الأقربين من مستفيدين ومتضررين ، بأن يشاركوا السوريين سعيهم الحثيث للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ شهور سبعة .
ثمة طرفان يتصارعان اليوم في سورية : المعارضة والنظام . المعارضة ، بجناحها الداخلي ، تنادي بالحرية والكرامة والديمقراطية ، وتسعى الى تغيير النظام لا الى اصلاحه . غير ان ثمة فوارق بارزة بين جناحي المعارضة الداخلي والخارجي في نهج العمل والوسائل . فريق من المعارضة الداخلية متمثلٌ في 'هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي' (منسّقها حسن عبد العظيم) يرفع شعارات اربعة : لا للعنف ، لا للطائفية ، لا للتدخل الخارجي ، ولا للنظام الإستبدادي الأمني . فريقٌ آخر متمثلٌ في 'الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير' (منسّقها قدري جميل) يشاطر الفريق الاول شعاراته ، إنما يتشدد اكثر منه في رفض التدخل الخارجي .
المعارضة الخارجية المتمثلة بـِ 'المجلس الوطني السوري' الذي جرى تأسيسه في اسطنبول اخيراً لا يمانع في التدخل الخارجي لإسقاط النظام 'شريطة ان يتمّ ذلك بالتفاهم والتعاون معنا' . المراقب العام للاخوان المسلمين السوريين محمد رياض الشقفة كشف في حفل الاعلان عن المجلس المذكور انه 'اذا استمر النظام في قتل شعبه ، فهناك وسائل كثيرة لردعه ، مثل حظـر الطيران' .أضاف انه اذا ما إستمر النظام في القصف بالمدفعية والدبابات ، فإنه سيسمح 'بأن يتدخل الطيران لإسكات مصادر القصف' . ألا يذكّرنا هذا السيناريو بمهزلة دعوة 'الناتو' الى 'حماية' المدنيين الليبيين؟
النظام يقرّ ، من جهته ، بالمطالب الديمقراطية والاصلاحية التي ترفعها التظاهرات الإحتجاجية ، ويؤكد انه شرّع قوانين جديدة للاحزاب والإنتخابات والإعلام والمجالس المحلية ، وانه وضع روزنامة لتنفيذها بدءاًَ بالانتخابات المحلية في النصف الاول من كانون الاول/ديسمبر القادم .
لماذا تستمر الازمة ، اذاً ؟
لأن ثمة طرفاً ثالثاً لجأ الى العنف ودخل في صراع مسلح مع قوى النظام ما ادى ويؤدي الى سقوط عشرات الضحايا من المدنيين والعسكريين في مناطق عدة من البلاد . المجموعات المسلحة وسّعت اخيراً دائرة هجماتها على قوى الامن والجيش ، وقد إتضح انها تتلقى اسلحةً خفيفة وثقيلة وذخائر عبر حدود سورية مع الدول المجاورة .
لا علاقة للمجموعات المسلحة بالمعارضة الداخلية التي لا تتوانى عن ادانة اللجوء الى العنف . غير ان فريقاً من المعارضة يتهم السلطة بلسان حسن عبد العظيم بأنها 'غير جادة في الحوار لأنها لا تعترف بالآخر ، خاصةً في ظل إصرارها على الخيار الأمني' .
يردُّ اهل النظام التهمة على المعارضة بالقول إنها هي غير الجادة في الحوار لأنها تضع لمباشرته شروطاً شبه تعجيزية . فهي تطالب بأن يصار اولاً الى اطلاق سراح جميع المعتقلين ، ومحاكمة المسؤولين عن إراقة الدماء امام محكمة خاصة ، وسحب الجيش وقوى الامن من الشوارع والساحات العامة لتمكين المتظاهرين من الحركة بحرية . ويقول اهل النظام إنه يمكن التفاهم مع المعارضة على الشرطين الاول والثاني ، لكن لا يمكن سحب الجيش الى ثكناته طالما هناك عمليات دموية وحشية تقوم بها مجموعات مسلحة ثبتت علاقتها بجهات خارجية .
لا غلو في القول إن المعارضة مخطئة في مسألة ، والنظام مخطيء في اخرى . المعارضة مخطئة في إصرارها على عدم الإقرار بوجود مخطط تدخل خارجي قيد التنفيذ ، وأن الولايات المتحدة وفرنسا ودول الحلف الاطلسي لا تهمها البتة مطالب المتظاهرين وانما تركب موجة الإحتجاجات لأغراض اخرى خبيثة ، وتلجأ الى استعمال مجموعات محلية مسلحة لإضعاف النظام بغية تغيير سياسته وحمله على قبول إملاءاتها تحت طائلة إزاحته ، اذا أمكنها ذلك .
أهل النظام مخطئوون في عدم الإعتراف مبكراً بالمعارضة ومطالبها المحقة ولاسيما تعليق المادة الثامنة من الدستور التي تكرّس حزب البعث قائداً للمجتمع والدولة ، وفي إعطاء الاولوية للحل الأمني .
ما المخرج من الأزمة المستعصية ؟
ثمة حقائق خمس يقتضي ، بادىء الامر ، استيعابها :
أولاها ، إقرار أهل المعارضة كما اهل النظام بأن استمرار الأزمة وصفة خبيثة لإستمرار النزف ، بشرياً واجتماعياً واقتصادياً ، وان دفع سورية الى الحرب الاهلية والفوضى والتفكك هو خيار مجزٍ للغرب الاطلسي واسرائيل وبديل من خيار إسقاط النظام الذي يبدو متعذراً ، وان اخراج سورية من تحالفها مع ايران وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين خطوةٌ تمهيدية لإخراجها من حومة الصراع العربي الصهيوني ومقدمة لإعادة ترتيب المنطقة على نحوٍ مؤاتٍ للولايات المتحدة واسرائيل .
ثانيتها ، ان المعارضة عاجزة بالتظاهرات او بالعمل المسلح ، وحتى بالتدخل الخارجي ، عن إسقاط النظام . كما ان النظام عاجز بالخيار الأمني وحده عن تعطيل المعارضة وانهاء الحركة الإحتجاجية والإضطرابات.
ثالثتها ، ان الحوار الوطني اضحى مطلباً شعبياً وقومياً شاملاً ، وانه ضمانة خلاص سورية ، بقواها الذاتية ، من ازمتها المستعصية دونما تنازلات لقوى خارجية طامعة ، والإتجاه تالياً نحو إقامة دولة مدنية ديمقراطية على اساس التعددية وحكم القانون والعدالة والتنمية المستقلة.
رابعتها ، ان جوهر الحوار الوطني ليس إصلاح النظام بل التوافق على تغييره بالوسائل الديمقراطية بما يؤدي ، لا محالة ، الى إسقاط كل القواعد والممارسات غير الدستورية وغير الديمقراطية وغير الإنسانية ، وإعادة ربط سورية واضطلاعها ، شعباً ودولةً ، بالمشروع النهضوي الحضاري العربي .
خامستها ، ان السبيل الاقصر والافعل الى الاعتراف بالحقائق سالفة الذكر وتحقيق متطلباتها ومضامينها انما يكون بالتوافق ، من خلال الحوار الوطني ، على الشروط والمستلزمات والضمانات اللازمة لإجراء إنتخابات ديمقراطية حرة تحت رقابة مؤسسات المجتمع المدني العربي والعالمي . ذلك ان مهام التغيير الديمقراطي المنشود لن تحققها حالياً قوى المعارضة والنظام بل القوى الحية التي ستملأ مقاعد مجلس الشعب (البرلمان) المقبل وتعيد الثقة بالعمل السياسي الوطني الديمقراطي.
في ضوء هذه الحقائق الخمس ، ولأن سورية ليست للسوريين وحدهم ، وان ما يصيب سورية خيراً او شراً ينعكس بالضرورة على ما حولها ، ويؤثر في مجريات الصراع مع العدو الاميركي الصهيوني ، فإن القوى الوطنية والقومية والديمقراطية العربية مدعوة الى التدخل في الأزمة المستعصية وذلك بالتواصل والحوار مع اطراف الصراع ، ولاسيما اهل النظام واهل المعارضة ، من اجل إقناعهم بجدوى الإنتقال ، بلا ابطاء ، الى طاولة الحوار الوطني والتوافق على مخرج آمن من الأزمة يؤدي الى إجراء انتخابات ديمقراطية مطلعَ العام القادم .
ولعل قيادات المؤتمر القومي العربي ، والمؤتمر القومي الإسلامي ، ومؤتمر الاحزاب العربية قادرة على المبادرة بالسرعة الممكنة للتواصل وإطلاق الحوار المنشود وذلك بتأليف وفد من شخصيات وطنية وديمقراطية وازنة لمباشرة المهمة القومية والحضارية المطلوبة دونما ابطاء .
دقّت ساعة العمل القومي والإنساني .

' كاتب لبناني


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات