بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
خطة بشار الأسد: إما أنا ونظامي وإما سوريا إلى التقسيم!
  24/11/2011

خطة بشار الأسد: إما أنا ونظامي وإما سوريا إلى التقسيم!

هدى الحسيني / الشرق الاوسط


من عاش الحرب في لبنان، أو عرف تاريخها، ورافق الأساليب والوسائل السورية التي مورست حتى الوصول إلى جعله تحت «الوصاية السورية»، يعرف جيدا ما تتطلع إليه القيادة السورية الحالية من تعاملها مع كل الوسطاء، العرب والدوليين، لكن في هذه المرة التي ستدفع الثمن الباهظ هي سوريا.
كان لبنان «الجائزة الكبرى» التي حققها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ومع الأسد الابن تبددت تلك الجائزة وعلى وشك الوصول إلى «اللحم الحي»، أي إلى النظام.
النظام، كنظام أمني لا يعرف التعامل إلا بالقوة والبطش والقتل، سقط في درعا في شهر مارس (آذار) الماضي. المشكلة الآن في «قناعات» الرئيس السوري الشاب. قراءة متعمقة لحديثه إلى صحيفة الـ«صنداي تايمز» تكشف الكثير من الأمور. يسأل الرئيس الصحافية هالة جابر عن صحة زوجها (المريض)، وينصحها بألا تفقد الأمل. وكأنه يحدث نفسه. تسأله عن مشاعره تجاه الأطفال الذين يقتلون، وهو الأب لثلاثة، يرد بكليشيهات رتيبة، ثم يتذكر أنه الرئيس وعليه إنقاذ سوريا.
تكتب الصحافية، من يرى الأسد في بدلته الأنيقة وتصرفاته مع معاونيه يعتقد بأنه أمام رجل أعمال، ثم يبدأ الحديث الجدي، فإذا بنا أمام شخصية يعتقد القارئ أنها تشبه «دكتور جيكل ومستر هايد».
الرئيس يصر على وجود مسلحين وعصابات مسلحة، وأن الضحايا المدنيين سقطوا بتبادل إطلاق نار بين الجيش وقوى الأمن وتلك العصابات. إذا راقبنا المظاهرات الليلية في الأحياء السورية، نلاحظ الناس يصفقون، يغنون ويقفزون، وكأنهم سعداء، رغم المستقبل الغامض، لأنهم تغلبوا على الخوف وخرجوا إلى الشوارع.
ما لا يدركه الرئيس السوري، أنه في مواجهة القمع والوحشية، عندما يسقط قتيل فإنه لا يزرع الخوف في قلوب الآخرين، بل على العكس، الأنا تصبح نحن.
بعد قراءته لعدة مقابلات أعطاها الرئيس السوري في هذه الأزمة، سألت سياسيا كبيرا رأيه فذكر أمرين: قصيدة للشاعر السوري الكبير نزار قباني يقول فيها: «كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهاني ضميري. (...) كلما فكرت أن أتركهم، فاضت دموعي كغمامة، وتوكلت على الله وقررت أن أركب الشعب».
والأمر الثاني: بيان استقالة أديب الشيشكلي في 25 فبراير (شباط) 1954 وقد جاء فيها: «رغبة مني في تجنب سفك دماء الشعب الذي أحب والجيش الذي ضحيت بكل غال من أجله، والأمة العربية التي حاولت خدمتها بإخلاص وصدق، أتقدم باستقالتي من رئاسة الجمهورية إلى الشعب السوري المحبوب الذي انتخبني والذي أولاني ثقته (...)».
لا شك أن هذه السنوات تختلف عن تلك، لكن المخيف الآن، ما أبلغه الرئيس السوري شخصيا لعدد من الشخصيات، اللبنانية بالتحديد، التي يثق بها، وبعضها قريب من شقيقه ماهر الأسد، وهو أنه لن يسمح بسقوط النظام. «عليكم المحافظة علي وعلى نظامي أو أن سوريا ستتقسم». أوجد الأسد حالة نفسية عند الطائفة العلوية: «إما نحن أو السلفيون». وترك هذا آثارا مخيفة الآن في مدينة حمص، حيث بدأ القتل على الهوية، المعارضة فيها لم تستطع أن تسيطر، وقد تكون الأمور فلتت، سقط قتلى من العلويين، ومن السنة ومن المسيحيين والشيعة أيضا. يقول لي سياسي عربي: «كلما تأخر الحل ذهبنا إلى الجحيم».
حاولت دمشق تسويق نظرية تقارب الأقليات ضد التطرف السلفي. لكن هذه الأقليات مهما كبر حجمها، لن تؤثر شيئا إذا تحول البحر السني إلى بحر سلفي، الهدف من هذه النظرية خدمة مخطط تقسيم سوريا.
جاء من يلفت نظر روسيا وفرنسا إلى هذا المخطط، فانطلق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحذر، بطريقة غير مباشرة من التقسيم، ويطلب تسوية مع بشار الأسد. لكن كما قال الرئيس التركي عبد الله غل مساء الاثنين الماضي في لندن: إن التغيير الجذري المطلوب في سوريا أبعد من إزالة بشار الأسد، إنه النظام، وحزب البعث بكل هيكليته.
وعندما نصح أحدهم وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه بألا يقطع الاتصال مع بشار الأسد، كان رده: «هو الذي قطع، اجتاز مرحلة عدم القطع معه». وصل الجميع إلى قناعة بأن سوريا ستحترق قبل الوصول إلى... التقسيم!
وعندما يتحدث الرئيس السوري عن «زلزال» سيصيب المنطقة، إذا ما تعرض نظامه للخطر، يعرف جيدا ما يقول وعلى ماذا يراهن. وهو غير متراجع عن قراره. قد يدوم الوضع أشهرا وسنوات، خصوصا أن حكم الحزب الواحد، والعائلة الواحدة والطائفة الواحدة، لا يستطيعون الإقدام على أي انفتاح أو تعددية. هذا مستحيل. يتطلع إلى انسحاب الأميركيين من العراق، فتصبح إيران على حدوده. من هنا، فإن مراهنته أيضا على إيران كعامل مركزي إلى جانبه، ثم، وكما قال وليد المعلم وزير الخارجية السوري، إن فرنسا وأميركا مقبلتان على انتخابات رئاسية العام المقبل.
دولتان يجب أن تشعرا بالقلق من التحذير بـ«الزلزال» هما لبنان وتركيا.
البعض في لبنان يعتقد بأن سقوط الأسد آت خلال أيام، وتنتهي كل المشاكل. هذا ما نتلقاه من أحاديث بعض السياسيين وحواراتهم، لكن على الأرض الحالة مقلقة جدا، لأن التوتر الحاصل في سوريا سينعكس في لبنان توترا شيعيا - سنيا.
بعض الحكماء في لبنان يتطلعون إلى صوت علوي من داخل سوريا يرفض ما يقوم به ويسوقه بشار الأسد، والمعارضة السورية لن تستطيع فعل أي شيء إلا بوجود مثقفين علويين بينها، يرفضون لعبة النظام: السني ضد العلوي.
أما تركيا، فإن تصريحات رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لا تساعد، لأنها ليست انطلاقا من مبدأ، بل لأهداف، لكن يمكن أن نبررها على أساس مخاوف تركيا من أن الحرب الأهلية لا مفر منها في سوريا وما يمكن أن تسببه هذه الحرب لحدود غير مستقرة بالفعل في جنوب تركيا.
يضاف إلى ذلك، أنه مع كثرة اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يتنافسون لاستغلال المشاكل الداخلية السورية، فإن المشاكل الداخلية التركية قد تصبح قريبا معرضة لاستغلال قوى خارجية.
التهور التركي قد يكون ثمنه كبيرا على تركيا. فتركيا هددت مرة بحشد قواتها إذا لم تطرد سوريا عبد الله أوجلان (حزب العمال الكردستاني) من أراضيها. هي اليوم تدعم العقيد المنشق رياض الأسعد قائد جيش سوريا الحر، (ناطقة باسم المعارضة السورية في لندن شجبت عمليات هذا الجيش داخل سوريا). وهي بمواجهتها سوريا وضعت نفسها على خلاف مع حليف سوريا، إيران التي تحتاج إلى تعاونها للتعامل مع حزب العمال الكردستاني. لكن، أدركت إيران وحزب العمال الكردستاني، أنه مع تغيير الخريطة السياسية في الشرق الأوسط، فإنهما يحتاجان لبعضهما البعض، وحسب مصدر مطلع، فإن الاضطرابات في سوريا، دفعتهما لإقامة محور جديد انفتح بموجبه ممر جديد بين إيران وسوريا عبر كردستان العراق.
أيضا، خطأ آخر ارتكبه وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو عندما طلب من جوبيه المزيد من الضغط على سوريا، على ألا يكون من جانب واحد «وعلى الدول المعنية أن تعمل معا». ظن «الإخوان المسلمون» في سوريا، أن عليهم أن يعطوا الغطاء لتركيا، إذا كانت بقية الدول مترددة، فزاد هذا الأمر تعقيدا وتخويفا، إذ طلب زعيم الجماعة السورية محمد رياض شقفة التدخل العسكري التركي «والشعب السوري سيقبل هذا التدخل».
قد تكون نتائج انتخابات تونس، وإعلان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون استعداد بلادها للتعامل مع «الإخوان المسلمين»، أفقدت هذه الجماعات، إن كان في سوريا، أو في مصر، صفة الصبر. وفي خضم هذه الفوضى العارمة التي تجتاح العالم العربي، يجب ألا نستخف بالدور الإيراني، فإيران تكهنت بأن الثورات العربية ستكون مشابهة لثورتها، فإذا بـ«إخوان سوريا» يطلبون الغطاء التركي، وبـ«إخوان مصر» يريدون التخلص من الجيش على خطى أردوغان تركيا.
ومع تصاعد أحداث العنف في سوريا، وقراءة تفكير رئيسها وقناعاته، فإن سوريا قد تكون مقبلة على حرب أهلية دموية وانقسامات مخيفة.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات