بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
المعارضون في سورية : من التعارض ... إلى المعارضة
  28/11/2011


المعارضون في سورية : من التعارض ... إلى المعارضة

- حبيب عيسى
( 1 )
أعترف أنني ترددت كثيراً قبل التطرق إلى هذا الموضوع ، رغم كل ما وجه إلي من انتقادات واجهني فيها أصدقاء وأخوة وأعزاء ، ولم تنفع دفوعي بأنني إما أن أكون في تحالف شامل بين المعارضين جميعاً أو لا أكون لإن المرحلة التاريخية تتطلب ذلك ، وقد فسرً البعض موقفي بأنني أقف على الرصيف فيما الشارع يموج بمعارضين مناضلين نفض عنهم الربيع العربي غبار سنوات القمع والاستلاب والتهميش ، كما أغرى الكثيرين ممن لا سابقة ، ولا أعراض معارضة ظهرت عليهم في السابق من الأيام ، بالنزول إلى الشارع ، ليجرب الجميع حناجرهم التي اعتلاها الصدأ ، وكتم حفيف أعصابها عصر الظلام والقهر ، عصر المخبرين والجواسيس والبصاصين والقتلة والمجرمين والمتوحشين والفاسدين والمفسدين والأنذال ، عصر الوضاعة والرضوخ حيث لا رأس مرفوع ولا صوت عال ، حيث الشهامة جريمة ، حيث النبل تخلف ، حيث المرؤوة جهل ، حيث الصدق غباء ، حيث الكذب شطارة ، حيث الخداع ذكاء ، حيث النفاق عقيدة ، حيث الانتهاز حكمة ، حيث العقائد تجارة ، حيث الفردية "أنا ومن بعدي الطوفان" عقيدة ، حيث اتهام الآخر تكفيره وتخوينه وانتهاك حقوقه وخصوصياته شجاعة ، حيث ديانات السماء السمحة التوحيدية عصبيات جاهلية وجهالة تفتقد حتى جماليات بعض الآلهة الأصنام في العصور السابقة عليها ، وحيث العقائد النبيلة الأرضية يلتهمها التوحش والاستبداد ، فعقائد الاشتراكية النبيلة بين البشر حجب أنوارها الاستبداد ليتحول الاشتراكيون إلى مدارس لتفريخ الطغاة والمستبدين ، وعقائد الحرية الفردية الضامنة لإنسانية الإنسان حجب أنوارها التوحش والاستغلال الاحتكاري الرأسمالي ليتحول الليبراليون إلى مدارس لتبرير الاحتكار والظلم والاستغلال بين البشر ....
صدقوني أنني لا أقول ذلك لتوصيف هذا الليل العربي الطويل الذي استهلك جل أعمارنا ، فأنا أعرف أن مفردات اللغة العربية في الهجاء لم يمر عليها عبر تاريخها الطويل مثل ما مر بنا في العقود القليلة المنصرمة ، وبالتالي قد نحتاج ، وربما أجيال عربية قادمة ، لإبداع مفردات جديدة تليق بالذين صنعوا هذا الليل العربي الطويل .... فقط أردت من ذلك أن أجد أعذاراً لنا ولجيلنا كله ، وقبل ذلك أن نعذر بعضنا بعضاً بالكف عن القسوة على الآخر ، بأن يكف كل واحد منا عن تبرير سلوكه وادعاء الحكمة والعصمة بالتهجم على الآخر وإلغائه ...، أن ننهي هذا التزرر ، وأن نرتق النسيج الاجتماعي الذي تهتك بفعل الاستبداد الذي يتغذى على تفكيك الوحدة الاجتماعية وتفعيل الصراعات بين مكونات المجتمع كافة ، لتتجه الأجزاء للاستقواء بسلطات الاستبداد على بعضها بعضاً ، فيستقوي الاستبداد بذلك وتنصاع له الأطراف كلها بينما تتنمرد على بعضها بعضاً مما يؤدي إلى إضعاف المجتمع بجميع مكوناته ، فيرتد إلى علاقات وجحور ما قبل المواطنة ... لهذا قلنا ، ونقول أن أول زهرة ستتفتح في هذا الربيع العربي لن تنبت إلا من إعادة التجانس للتربة الوطنية مجبولة بمياه نقية تتخللها بحرية رياح الربيع وأشعة الشمس وتعكس أنوار الحرية لتعود هذه الأرض الطهور مطهرة من العفن والعسس والطحالب والعصبيات ومستنقعات الجهالة والطغاة والمنافقين التي راكمتها عصور الاستبداد المديد ... وبالتالي فأن الف باء مشروع النهوض يبدأ من إعلاء قيم المواطنة الحقة كحاضنة لجميع مكونات المجتمع ...
( 2 )
كان لابد من هذا المدخل المختصر للولوج إلى ما يسمونه أزمة "المعارضة" في سورية ذلك أنه لابد من تحديد ماهية تلك "المعارضة" قبل الحديث عن أزمتها ...
يكاد الباحثين في طبائع الاستبداد يجمعون على السمة الأساسية المشتركة بين النظم الاستبدادية ، وهي تدمير النسيج الاجتماعي للمجتمعات البشرية ، وإذا كانت المهمات الأساسية للدولة الحديثة إيجاد حلول لمشكلات الصراع الاجتماعي ، فإن السمة الأساسية للاستبداد هي تأجيج مشكلات الصراع الاجتماعي ، فالاستبداد لا يكتفي عادة بإلغاء الحياة السياسية وقمع المعارضة وتدمير المؤسسات الحزبية ، وإنما يدمر الحاضنة الاجتماعية للمؤسسات السياسية الحزبية ، بحيث تتحول الأحزاب إلى أطر شكلية بدون مضمون ، فيتحول النضال السياسي الوطني إلى ضرب من ضروب المغامرة الاجتماعية يقمعها الطغاة بوحشية لا حدود لها ، في الوقت الذي يتحاشاها المجتمع خوفاً أو جبناً أو يأساً أو استلاباً بأن مقدرة هؤلاء الطغاة تقترب من مقدرة الآلهة ، وأنهم مؤبدين وبالتالي فإن عدم الانقياد لهم يؤدي إلى التهلكة ، هذا يؤدي من حيث النتيجة إلى مجتمع بكتلته الكبيرة عازف عن السياسة وإلى مناضلين أفراد لا يقدّر المجتمع نضالهم وتضحياتهم ، لا يستمع لما يقولونه ، ولا يقرأ ما يكتبوه ، ويتجنب الاقتراب منهم لأنهم شبهة ، وبقدر ما تتحقق هذه المعادلة بقدر ما يستقر الاستبداد الذي يشيع أن هذا الاستقرار مرتبط باستقرار المستبدين ، وأن أي تهديد للمستبدين سيؤدي إلى انفلات مكونانت المجتمع تفتك ببعضها البعض تقتيلا وتهجيراً وقمعاً ، وبالتالي على المقموعين التمسك بالاستبداد لإن البدائل أخطر ، وعلى القامعين التمسك بالمستبد ، لأن زواله سيؤدي إلى انفلات المقموعين عليهم ، والثأر منهم وتحميلهم جرائم الطاغية المخلوع ...
هكذا كان حال المعارضين في الوطن العربي على امتداد النصف قرن الأخير ، حيث تم تشتيت قواهم بعد تدمير مؤسساتهم الحزبية تماماً ، وتحولوا إلى أفراد معارضين ، وفي أحسن الأحوال إلى جماعات صغيرة معزولة تأتلف حول زعيم أو مناضل أو ... فلم يعد كافياً أن تقول فلان الفلاني شيوعي أو ناصري أو بعثي أو إخواني أو ليبرالي أوقومي عربي أوسوري ... ولكن يجب أن تلحق ذلك بأنه من جماعة فلان ... وهكذا ...، المهم أن هذا الشتات المعارض الذي قمعه الاستبداد ، وأسرف في التوحش اتجاهه ، فهجّر بعضه إلى خارج البلاد ، وكمّم أفواه من بقي ...هذا الشتات بات خارج المقدرة على الفعل ، وإن احتفظ بصلابة أفراده النضالية ن فلم ينضم إلى جوقة المنافقين ، يجهر بمواقفه في الحدود الممكنة ، وإن كان ذلك يكلفه سنوات إضافية في أقبية التعذيب وسجون الطغاة ، هؤلاء المعارضين على اختلاف أروماتهم ينتمون في الغالب إلى جيل بات على أبواب الرحيل ، فمنهم من رحل حزيناً مكسور الفؤاد ، ومنهم من ينتظر ، هؤلاء الذين ينتظرون ، ونحن منهم ، فوجئنا كما غيرنا بثورة تهبّ رياحها من المغرب العربي ، وتبشرّ بربيع عربي ، أو كما هتف لي شيخنا الجليل ، منذ أيام ، الشيخ جودت سعيد امد الله بعمره ، ليقول لي : "بل هذه بوادر ربيع للإنسانية جمعاء" ، نعم يا شيخنا ، هذه الأمة وعبر تاريخها لا تحتكر الربيع ، وإنما تنشره على العالم أجمع ، ألا ترى أن الثوار في نيويورك يهتفون بالعربية : الشعب يريد إسقاط وول ستريت ، ألا ترى أن السلطات في الصين منعت استعمال كلمة "ياسمين" على شبكات التواصل ...
( 3 )
المهم أن هؤلاء المعارضين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في النور على السطح بعد عقود من سراديب الظلام ، وجدوا أنفسهم أيضاً أمام استحقاق الكلام بعد عقود من الصمت ، حيث كانت الكلمات تختنق في حلوقهم ، والأكثر من ذلك ، مطلوب منهم ، الآن ، أن يعبرّوا عن هذا الربيع المفاجيء ، وأن يفاوضوا باسمه ، وأن يحددّوا موقفاً مما يجري ، ومن ما يجب ، وما لا يجب أن يكون ، حصل ارتباك ، نعم ، اختلفت الرؤى ، نعم ، تداخلت المواقف ، نعم ، برزت الخلافات الشخصية التي راكمتها سنوات القهر والفشل ، نعم ، ففي سنوات العجز عن الفعل الموضوعي في الواقع تنتفخ الذات الشخصية في اندفاع تعويضي رغم الرضوض السيكولوجية ، فيلتحق الموضوعي بالذاتي ، ليوظف الموضوعي في خدمة الذاتي ، وليس العكس ، لكن هذا كله بدأ ينزوي مع رياح الربيع العربي ، حيث جيل شاب لم يدخل ميدان السياسة يوماً ، بل كان مُحرّماً عليه ، أكثر من ذلك ، كان ُمستلب الإرادة منذ الطفولة ، حيث تم تمريره قسراً في نفق "طلائع البعث" ، وكان عليه أن يُردّد صباح مساء : قائدنا للأبد ...، والتصفيق الطلائعي ، ويتعهد بالطاعة للأمين العام ، ثم ، وتحت ذات الشعارات يدخل نفق "شبيبة الثورة" ، وفي المرحلة الثانوية يجد نفسه عضواً في الحزب الذي يقوده القائد للأبد ، الحزب الذي يحتكر تحت طائلة المسؤولية منفرداً تنظيم الطلاب... من كان يتخيل ، مجرد خيال ، أن هذا الجيل سيخترق ذلك الحصار الثلاثي المحكم ، من الأسرة التي ترتعد خوفاً ، ومن المدرسة التي تحرّم عليه مجرد اللفظ إلا بسيرة قائد المسيرة ، ومن المجتمع الذي يُحّذر من الخروج على ولي الأمر والنهي ... من كان يتخيل أن يخرج من هذا الجيل "الطلائعي" من يهتف : الشعب يريد ... ويتحدى ويفتح الصدر للرصاص ، ويغني للحرية ... لقد أدى هذا إلى مأزق الحاكم من الداخل ، وإلى تأزيم المتحكمين من الخارج ، لكنه ، وفي الوقت ذاته أدى إلى وضع المعارضين في مأزق أيضاً ، لكنه مأزق إيجابي فرض وسيفرض عليهم الارتقاء إلى مستوى هذا التموج الثوري ... وهم بالفعل محكومون بالارتقاء بإساليبهم ونضالاتهم ، لكن المهمة ليست يسيرة ، وهناك ركام هائل يجب إزالته ...
( 4 )
وإذا كانت المعارضة ، بالمعنى الحقوقي ن هي شبكة من المؤسسات الحزبية ذات هيكلية واضحة تلتزم لوائح تنظيمية ، وتلتزم برامج تتقدم بها ن فيقرر الشعب عبر صناديق الاقتراع ، إما نقلها إلى مقاعد السلطة ، أو تركها في مقاعد المعارضة ، وبناء على ذلك تقيم التحالفات ، أو تخوض الصراعات السياسية ، فإن المعارضة بهذا المعنى المؤسساتي غير موجودة في سورية ، وغير موجودة في الوطن العربي عموماً حيث النظم الاستبدادية قمعت المؤسسات الحزبية وشتتها في الداخل والمهاجر ، وتحولت المعارضة إلى معارضين أفراد ، أو إلى تنظيمات محدودة الانتشار والمقدرة ، ورغم ذلك ، فأنه مع انطلاقة الثورة كانت الرؤى شبه موحدة بين المعارضين ، وبالعودة إلى البيانات التي صدرت عن المعارضين في الأسابيع الأولى للثورة نلاحظ شبه تطابق بينها فجميعها تحث على الانتقال إلى دولة ديموقراطية تعددية مدنية ، يتم فيها تداول السلطة ، وعلى انتخاب مؤسسة تشريعية لوضع دستور جديد ، وإطلاق سراح المعتقلين ، وتفكيك السلطة الأمنية و ... ومع تطور الثورة انحصر الاختلاف بمسألتين ، هما التدخل الخارجي ، والتفاوض مع السلطة ، ولو تمعّنا في هاتين المسألتين لوجدنا ان الاختلاف هنا شبه وهمي ، ذلك أن المعارضين بإطرافهم كافة لايملكون القرار في المسألتين ، فالسلطة هي التي تقرر التفاوض ، وهي منطقياً لن تفاوض على إسقاط نفسها ، والخارج هو الذي يقرر التدخل من عدمه وفق أجندته ، ويبدو التدخل في الظروف الرهنة بعيد الاحتمال ، وبالتالي ، فإن الاختلاف حول هاتين المسألتين يبدو مفتعلاً ، ثم ، حتى ، وفي حال اقتراب حدوث أحد الأمرين ، فإن تداول الأمر بين أطراف المعارضين قد يؤدي إلى مواقف متقاربة وفق الظروف المستجدة ، وبالتالي لاداعي لافتعال هذا الاختلاف راهناً ...
( 5 )
نقول ذلك للاقتراب من فهم الواقع الموضوعي ، وتحديد وسائل وأساليب التعامل معه بدون تهويل أوتهوين ، ونحن ندرك أن هيكلة مؤسسات للمعارضة يحتاج إلى مزيد من الوقت بينما الحراك على الأرض لا يحتمل التريث ، وهذا يُحّتم على المعارضين مرحلياً بناء تحالفات مؤقتة تتعلق بمرحلة انتقالية إلى الدولة المدنية اليمقراطية ، وندّعي أن الاتفاق ممكن بين مختلف أطراف المعارضين على القضايا المطروحة ، وهذا مطلوب وُملحّ على مختلف الأصعدة الداخلية والعربية والدولية ، وهذا يبدأ من وقف جميع حملات التخوين والتشكيك في الحال بين جميع الأطراف التي تحتاج للاستماع لبعضها بعضاً ، والتفاعل للانتقال إلى وطن حر ومواطنين أحرار لا إقصاء ولاتمييز ، بل مساواة وعدالة ، وحقوق مصانة للجميع ، الجيش لتحرير المحتل من أرض الوطن ، وحماية المجال الوطني ، وأجهزة الأمن تنضبط في إطار الضابطة العدلية ، وفصل تام للسلطات ورئيس الجمهورية يمارس مهامه في ضوء الدستور والقوانين ، ويعود مواطناً بعد انقضاء ولايته ، لقد آن الأوان أن نرى بيننا رئيس جمهورية سابق يعيش باحترام ُيقدّر الشعب خدماته ، ومواقفه ، ويقدم هو النصح لمن ياتي بعده ، يجب أن ينتهي من حياتنا ذلك العصر الذي يكون فيه الحاكم إما قاتلاً أو مقتولاً ، إما خالعاً أو مخلوعاً ، إما مهرباً أو هارباً ...
لقد خلفت المرحلة الماضية أعداداً هائلة من المناضلين الأفذاذ ، ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الحرية ، والحلم يقترب من التحقيق فليحافظوا على هذه السيرة العطرة بصيانتها من التشويه ، وليعذروا بعضهم بعضاً ، وليقدّر المجتمع تضحياتهم ويشاركهم المسؤولية ، فميادين الحرية تنادي الجميع ، وهي رحبة تتسع لهم جميعاً . فليأخذ كل مكانه ، والعمل قسمة .....
 

المحامي الأستاذ حبيب عيسى هو عضو مسجل في نقابة المحامين بدمشق منذ عام 1988 وساهم بتأسيس جمعية حقوق الإنسان في سوريا عام 2001 وشفل منصب الناطق الرسمي لمنتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات