بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
نقاش أوّلي وعام في «إعلان حول الجمهوريّة»: الثورة تصنع سوريا
  21/01/2012

نقاش أوّلي وعام في «إعلان حول الجمهوريّة»: الثورة تصنع سوريا
محمد دحنون


لا يكاد السوريّ، خلال مراحل مختلفة من تاريخ البلد، قد عرف أو تعرّف على مفاهيم كهذه. لم تكن «الثقافة الجمهوريّة» من أولويات نخبه السياسيّة والثقافيّة. يفسّر الأمر بعوامل عديدة، لا تبدأ «بملابسات» نشأة البلد ككيان سياسي في العقود الأولى من القرن الماضي، ولا تنتهي بنمط الحكم الاستبدادي «الفريد» الذي خضع له طوال أكثر من أربع عقود. هذا فضلاً عن فائض أيديولوجي، لا يشكّل المفهوم الجمهوري أحد مرتكزاته، تطوّعت أحزاب سوريّة مختلفة لإغراق الحياة السياسية للبلد فيه.
منذ عشرة أشهر، يهتف سوريون للحريّة. وكانوا قد استهدفوا في هتافات أخرى لهم رموز الفساد والنهب في البلد «الحراميّة». وأشاعت الثوّرة المستمرة في صفوف المنتفضين إحساساً بالوطنيّة عمّق «سوريّتهم» التي طالما أزاحتها أيديولوجية النظام «البعثيّة العروبيّة» إلى خلفية المشهد. في المحصلة، يتطلع السوريون المنتفضون اليوم للحريّة والعدالة والمواطنة.
على هذه الخلفيّة، أصدرت لجان التنسيق المحليّة ما أسمته «إعلان حول الجمهوريّة» (راجع الإطار)، منطلقة من أنّ توريث الحكم «والثروة» الذي وقع في سوريا مطلع القرن الحالي هو المحدّد الأوّل لعملية تحويل البلد، الذي أُعلن «جمهوريّة» منذ عهد الاستقلال، إلى مملكة. ويُدرج الإعلان نضال الشعب السوري اليوم في سياق ثورات شعوب عربيّة تمثّلت أهدافها في إزاحة أنظمة طغيان عاتيّة واسترداد حقوقها الأساسيّة.
هنا نقاش أوّلي وعام بين شباب سوريين منخرطين في الثوّرة حول «إعلان حول الجمهوريّة»، يسعى إلى تقييمه وتلّمس مدى راهنيّته وضرورته كحاجة تفرضها اللحظة السوريّة، فضلاً عن احتمال صدوره عن «همّ ثقافي» قد لا يجدّ في السياق السوري الحالي، السياسي والميداني أوّلاّ وقبل كلّ شيء، صدى له.

التقييم والضرورة!

لا يخفي حازم ما يمكن اعتباره صدمة سببّها له «الإعلان». يصوّب أوّلا على ما يسميها «العقليّة التي صدر عنها»، واصفاً إيّاها بأنّها رومانسية طليعية، تعيد إنتاج خطاب البعث على المستوى المفاهيمي وإن بدرجة أقل. «على مستوى الشكل، إن كلمات كـ«إعلان حول الجمهورية» تستدعي في مخيلتي البيان الشيوعي ومنطقه القائم على تغيير العالم بذلك النفس النضالي وتلك الروح الطليعية». يوّضح حازم ما يعنيه بالرومانسيّة الطليعية، يقول: «أرى الرومانسية الطليعية في الإصرار على مفهوم الواجب وغياب مفهوم الحق الذي يستحق الأسبقية برأيي، الإعلان مليء بالواجبات ولا مساحة تذكر للحقوق بشكل واضح، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يعاد تكريس تلك الرومانسية عبر ربط مفهوم الجمهورية بالتنمية والثورة الثقافية، ولا أعتقد أن هذا الربط نجح تاريخيا...». جدير بالذكر أنّ نصّ الإعلان لا يتضمن سوى إشارة واحدة إلى «الواجب» وهي تأتي في سياق دعوة السوريين «أن يهتموا بشأنهم المشترك وأن يتعاضدوا لمقاومة الاستبداد والعسف...»!
من جهته، يؤكّد أوس على راهنيّة الإعلان وضرورته، ويرى أنّه يتقاطع «مع رؤى ومشاريع العديد من البنى السياسية والقوى الشبابية الفاعلة على الأرض، لكن هناك ميزتين لإعلان لجان التنسيق حول الجمهورية تتمثلان أولاً بعدم ادّعاء لجان التنسيق أنها ناطقة باسم الشعب السوري رغم فاعليتها في العمل الميداني للثورة، والأمر الآخر هي سعة أفق الإعلان ليشمل معظم الجوانب المتعلقة بأسس الجمهورية. وهما أمران يجعلاننا نلحظ البعد الأخلاقي متمّثلاً في الابتعاد عن شمولية الخطاب وتسخير الإمكانات لخدمة الجمهورية السورية القادمة».
أمّا حازم، فيسحب تقييمه للإعلان على جوابه بخصوص الراهنيّة والضرورة، فهو يعتقد «إنّ السياق التاريخي والحامل السياسي للإعلان غير مدروسين، إعلان كهذا يمكنني تخيل صدوره من قبل غاندي أو جمال عبد الناصر، في زمنيهما، وعلى أساس حدث تاريخي مؤسس لعصر جديد. في لحظتنا الراهنة فإن حدث الانتفاضات العربية موجود ويستحق بياناً تأسيسياً له، ولكن هذا الحدث كان له العديد من الأبعاد الجديدة، من بينها غياب الزعامات الوطنية والقوى السياسية الحاملة لمشروع يستلهم اليوتوبيا، الأمر الذي من شأنّه أن يحيل الإعلان إلى ورقة سياسية أخرى في أرشيفنا السياسي».
ثقافي أم سياسي!
قبل حديثه عن اعتبار الإعلان صادر عن همّ ثقافي من عدمه، يرى حازم «أنّ في الإعلان تبسيط كبير عبر اختزال الانتفاضات إلى ردة فعل على مشاريع التوريث، في حين أرى أنها انتفاضات استعادة الإرادة الشعبيّة والاحتفاء بالفرد والفاعلية الحضارية»، ويضيف: «ببساطة الإعلان يغفل البعد الليبرالي العميق للانتفاضات العربية؛ ولادة الشعب وانعتاق الفرد المنفتح والمتفاعل مع العالم. اعتقد أن الإعلان صادر عن قوة سياسية لا زالت تفكر بعقلية القوى السياسية العربية العتيقة التي كانت تطمح إلى اختزال الثقافة والسياسة والايدولوجيا في منشوراتها، وهو ما لم أكن أتوقعه من قوة سياسية واعدة مثل لجان التنسيق المحلية التي كنت أرى فيها تعبيرا شبابيا ربما يشكل نموذجا يحتذى بالنسبة للتعبيرات الشبابية».
من جهته، يعيد أوس أمر الإجابة عن السؤال إلى العلاقة بين السياسي والثقافي، يقول: «طرح سؤال كهذا يتعلق برؤية كل منا لارتباط الثقافة بالسياسة، بالنسبة لي لا يمكن الفصل بينهما، أما إذا كان هدف طرح السؤال معرفة مدى تطلعات الجهة التي أصدرت الإعلان للعب دور سياسي، فليس خافياً على أحد أنها كانت من المشاركين في تأسيس المجلس الوطني وتشغل بضعة من كراسيه».
يختم حازم الحديث بالقول: «أعتقد أن المنتفضين يولدون اليوم كأفراد، وأن أهدافهم لم تتبلور بعد، وأن السياق الثوري الذي يشعلونه كفيل ببلورتها. عندما تتبلور هذه الأهداف لا أعتقد أنها ستغفل مسألة إغلاق الأبواب في وجه عودة الديكتاتورية. أعتقد أن الجمهورية بمعناها التقليدي أمست من المكتسبات التي لا يمكن للشعب السوري وسائر الشعوب العربية التراجع عنها، قد لا تبدو هدفاً بحد ذاتها في المرحلة الانتقالية أو قد تتصالح مع بعض المفاهيم التراثية، ولكنها هدنة في سياق ثوري طويل أراهن على تقدميته».
سوريا.. الجديدة
نشأت سوريا كجمهورية منذ أيام الانتداب الفرنسي. وفي سابقة عربية حوّلها حافظ الأسد إلى مملكة وراثية في أسرته. ويبدو أن وريثه، السيد بشار الأسد، يسير على هذا النهج الملوكي نفسه. وما كان للتوريث أن يتحقق لولا أن الحاكم صار مالكاً، في عين نفسه وفي الواقع، يتصرف في البلاد ومواردها وأهلها بمشيئته غير المقيدة.
لقد ثار السوريون اعتراضاً على ردهم إلى رعايا مملوكين للأسرة الحاكمة المالكة. ومثلهم، وقبلهم، ثار التوانسة والمصريون والليبيون واليمنيون والبحرانيون، اعتراضاً على الشيء نفسه.
إن لجان التنسيق المحلية تعلن أن هذا مرفوض، وأن سوريا لن تحكم من قبل حاكم يورّث منصبه لنسله، ولن تكون هناك مناصب عامة وراثية في سوريا الجديدة.
وأن سوريا الجديدة التي يثور الشعب من أجلها وتتطلع إليها لجان التنسيق المحلية، جمهورية، السيادة فيها للشعب وليس لفرد أو حزب أو جماعة خاصة.
وأن رأس السلطة التنفيذية منتخب ويحكم لأمد محدود دستورياً.
وأن الرؤية الموجهة للدستور هي كيفية بناء الحواجز السياسية والقانونية والمؤسسية التي تحول دون الطغيان، وليس كيفية ضمان سلطة غير محدودة للحاكم.
وأن الجمهورية قائمة على حكم القانون، وليس على التعسف والهوى والتعميمات الإدارية.
وأن السوريين، نساءً ورجالاً، متساوون حقوقياً، لا تنظر السلطة القضائية المستقلة إلى أصولهم وفصولهم، وأحسابهم وأنسابهم، وأديانهم ومذاهبهم وعشائرهم.
وأن السوريين متساوون سياسياً، يشكلون المنظمات والأحزاب والجمعيات التي يرون أنها كفيلة بإسماع أصواتهم في المجال العام وتنظيم قواهم، والتأثير على عملية صنع القرارات العامة.
وأن من واجب السوريين أن يهتموا بشأنهم المشترك وأن يتعاضدوا لمقاومة الاستبداد والعسف، وأن يكافحوا من أجل الحرية والمساواة والكرامة.
وأنهم لا يصونون حرياتهم وحقوقهم من دون مقاومة السلطة النازعة بطبيعتها إلى الاستبداد.
وأن الجمهورية تعتبر الفقر مرضاً اجتماعياً ووطنياً خطيراً، وهي ملزمة بمكافحته، وتدعو المواطنين، والفقراء بخاصة، إلى مقاومة الأوضاع التي تتسبب بفقرهم.
وأن المساواة الاجتماعية هي الشرط الأمثل للمواطنة.
وأن محو الأمية واجب أساسي من واجبات الجمهورية، وأن الدولة السورية ملزمة بتحقيقه قبل عام 2025.
وأن عليها نشر المعارف والثقافة وتسهيل وصول عموم السكان إلى المعلومات الموثوقة.
وأن شاغلي الوظائف العامة لا يشكرون إذا أحسنوا في أداء واجبهم، ويُلامون إذا قصروا، خلافاً للوضع الحالي الذي أسس للمحسوبيات والفساد والاعتباط في كل مجالات الحياة العامة.
وأنه لن يسمى أي مكان عام باسم سياسي حي قائم على منصبه.
(دمشق)

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات