بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الواقع وأطيافه في الثورة السورية
  01/02/2012

الواقع وأطيافه في الثورة السورية
عبد الحكيم أجهر

الثورة السورية واقعية جداً، واقعية في أسبابها، وفي ضرورتها، واقعية في واقع لم يعد يُحتمل. ولكن رغم كل واقعيتها فقد قطعت هذه الثورة الواقع عن نفسه وجعلته يفارق ذاته.
الثورة السورية واقعية إلا أنها ملأت الفضاء بالأطياف التي لم يعد الواقع نفسه قادراً على محوها وإزالتها، بل إن الواقع سيصير بعد برهة أسير هذه الأطياف التي أنتجها. الفعل الثوري السوري هو فعل قطع في أحد معانيه، ولأنه كذلك فقد صنع هذا الفعل طيفاً يفوق حقيقة الواقع ذاته.
كان خروج العرب في ثوراتهم حدث استثنائي في تاريخهم الحديث، إذ لم يحصل أن تدخل الشعب كعنصر حاسم في صناعة المصير. في الماضي كان الشعب يفوض عن نفسه مندوبين يمتلكون قوة، مثل العسكر أحياناً أو زعماء المناطق وشيوخها، أو حتى حكامهم. ولكن الشعب كإرادة جماعية وقوة فيزيائية تخرج إلى الشارع وتصبح العنصر الصانع للواقع فهذا شيء يضعنا مباشرة أمام حدث تاريخي استثنائي مُطّيف.
مهما كانت مآلات الثورة السورية فأطيافها صارت جزءاً متجذراً في التاريخ ونقطة فارقة قسمت العالم إلى مستويين واقع وأطياف، ولعل أهم دور ستلعبه هذه الأطياف لقرون طويلة، أنها أصبحت مرجعية الأجيال القادمة، وأصبحت رواية تتحدث عن كل شيء يملأ وجدان الإنسان كلما خار هذا الوجدان أو أصابه فراغ.
هذه الأطياف سيتداولها المتعلمون والمثقفون في كتاباتهم وقراءاتهم، وسيتداولها الناس في سهراتهم وأحلامهم، وسترويها الأمهات لأطفالها، فقد صار هناك عدد لا ينتهي من الحكايات عن أمثلة وشواهد وأفراد.
ستتحدث الأجيال القادمة عن إبداعات الشباب في الترتيب لمظاهرة في وقت يتعادل فيه التظاهر والموت، ويتحدثون عن أشعار قيلت وأغنيات صدحت، سيتحدثون عن أفعال طفل وعن قوة رجل عجوز، عن اللجوء إلى التظاهر بالليل، وهو أمر غريب في تاريخ الثورات، عن استخدام الأزقة والشوارع الجانبية ليتجنبوا الموت الذي ينتظرهم، سيتحدثون بالتفصيل عن كيفية ترتيب مظاهرة في أشد الأحياء حضورا للموت، وعن رمزية صبغ البحيرات باللون الأحمر وعن ملىء الهواء بأغنيات ضد حاكم صار حاكماً بالوراثة. وسيتحدثون عن شباب فتحوا صدورهم للموت وهي خالية إلا من قلب ممتلىء بالحلم، وعن قبضات ُترفع للسماء بغضب مكبوت من عشرات السنين وهي فارغة إلا من أصابع اليد، وسيتحدثون عن الشعارت التي تؤرخ وحدها لحقبة الإرادة، عن شعب صرخ فجأة بقوة صامة للآذان مثل بوق اسرافيل في عالم قريب من سكون الموت. هذه الأطياف التي انغرزت في وجدان كل سوري واستردت له كرامة ضائعة ستكون الحاضر الغائب الدائم في تاريخ سورية القادم.
ومما لاشك فيه أن السلطة ستكون حاضرة في هذه الأطياف لأن المخيلة لا تستطيع استرجاع طيفها دونها، ولكنه طيف يفسر كل الحكايات ويشرح موضوع التمرد كله. السلطة المرادفة لهذا الوحش الذي يتربص بحياة الناس كتنين ظن الجميع بالعجز اتجاهه، سلطة اشتهرت بقدرة فائقة على القتل وباستهتار نادر بالحياة، سلطة تجد متعتها في الذبح وقد انحدر سلوك أفرادها إلى مستويات يصعب تصنيفها بين الكائنات الحية. استرجاع طيف السلطة لا يحتاج إلى مخيلة لتزيد عليه، لأنه تجاوز كل تهويمات الخيال.
أطياف الثورة صارت مرجعية التاريخ القادم، إذ صار أحدهم قادراً أن ينظر إلى المرآة، وأن يردد في نفسه أنه قادر على الفعل، وأنه يستطيع تقرير شأن يومه وغده، وأن الله أعطاه إرادته.
مرجعية الأطياف هي لحظة مفارقة لن تغرق بأي واقع بعد اليوم، وستبقى مستند العقل السوري حتى بعد سقوط النظام. ستتعالى هذه اللحظة بأطيافها على كل واقع، بل ستتحول إلى حاكم على كل واقع، فكل واقع تعتريه النواقص والعيوب سيكون محل مقارنة مع طيف الثورة، وكل واقع سياسي سيبقى موقوفاً على ذمة أحكام الطيف. سيصبح الطيف هو اللحظة الاستثنائية المتعالية التي سيجهد كل واقع سياسي أن يسترضيها وهي تأبى أن تمنح بركتها إليه. هذا الطيف هو الآخر الموجود دائماً، وهو أهم إنجاز للثورة السورية التي خلقت للواقع بُعداً آخراً، بعد أن كان الواقع يطابق ذاته مطابقة تامة ويستمر في وجوده الساكن الرتيب زمناً لانعرف متى ينتهي.
هذا الطيف المفارق والمتعالي سيكون مصدر التقدم والتغيير، لأن تصالح الواقع مع ذاته انتهى إلى غير رجعة، ولم يعد من الممكن لهذا الواقع أن يستريح، فهو دائماً أمام محكمة الطيف التي تطالبه برفع أدائه لمقاربته.
من الممكن تعطيل الطيف بالعنف لوقت قصير ولكن من المستحيل قتله، فقد صار خالداً وحاضراً أبداً رغم ما يوحي به أحياناً أنه مختف ومختبىء في مكان ما. بعد الثورة السورية لم يعد من الممكن اغتيال هذا الطيف الذي أصبح جيناً في الروح تتناقله الأجيال واحداً بعد الآخر.

' أستاذ جامعي وباحث سوري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات