بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سورية بانتظار خطاب التنحي
  19/02/2012


سورية بانتظار خطاب التنحي

 سليمان يوسف

تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم( 1559 ), وعلى وقع تداعيات ومفاعيل جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14فبراير 2005 الذي اتهم النظام السوري بالوقوف خلفها,انسحب الجيش السوري بتاريخ25 - 4 -2005 من لبنان,الذي دخله صيف 1976 تحت شعار"وقف الحرب الأهلية بين اللبنانيين". آنذاك,رأى الكثير من المحللين السياسيين في الانسحاب القسري للجيش السوري من لبنان, بداية نهاية "نظام شمولي", أرسى قواعده الرئيس الراحل حافظ الأسد, الذي وصل الى السلطة عبر انقلاب ابيض قاده 1970, واتسم حكمه بالدكتاتورية و"المركزية المطلقة", فضلاً انه كان بارعاً في تصدير أزماته الداخلية وتضليل شعبه والشعوب العربية بالشعارات والمتاجرة بالقضايا القومية.بالفعل, بعد الانسحاب القسري لعسكر سورية من لبنان, بدأ المجتمع السوري يشهد حراكاً, سياسياً وثقافياً وحقوقياً وإعلاميا, معارضاً لحكم الرئيس بشار.وكانت دمشق ومدن سورية أخرى تشهد, من حين لآخر, اعتصامات وإضرابات رمزية لمعارضين ونشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني, تطالب بإنهاء حالة الاستبداد وإحقاق التغير الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة في البلاد. ورغم بطش السلطات وعسفها بناشطي هذا الحراك وزجها بالعشرات منهم لسنوات في السجون, أثمر هذا الحراك عن تأسيس تشكيلات وأطر سياسية جديدة لقوى المعارضة السورية,في الداخل والخارج. أبرزها "اعلان دمشق للتغير الوطني الديمقراطي" و"جبهة الخلاص الوطني", واصدار مئات من المثقفين السوريين واللبنانيين ما عرف ب¯"إعلان بيروت - دمشق" طالبوا فيه بتصحيح العلاقة غير المتوازنة بين (لبنان وسورية). وليس من المبالغة القول, بأن "الانتفاضة الشعبية الباسلة" المناهضة للنظام وحكم الرئيس بشار التي تشهدها مختلف المدن والبلدات السورية منذ مارس الماضي, خرجت من رحم ذلك الحراك السياسي الديمقراطي المعارض.
في مقال لي- نشرته صحيفة (النهار) اللبنانية بتاريخ 4 مايو 2005 - بعنوان" بعد الانسحاب من لبنان.. ماذا لو قرر الرئيس..? " علقت فيه على خطاب الرئيس بشار الأسد,الذي ألقاه أمام أعضاء مجلس الشعب السوري في 5 مارس 2005 وأعلن فيه قرار سحب الجيش السوري من لبنان, تمنيت فيه على بشار "ألا يضيع الفرصة التاريخية على مشروعه الإصلاحي الديمقراطي, وفرصة إنقاذ الوطن من المنزلق الخطير الذي قادته اليه السياسات القديمة لقيادته السياسية والحزبية". لكن للأسف, فإن الرئيس الشاب خيب آمال السوريين الذين وضعوا ثقتهم به وراهنوا عليه في إصلاح الدولة السورية المترهلة وتخليصهم من نظام أمني استبدادي أفقر الشعب وأفسد الدولة.فخلال أحد عشر عاماً من حكم بشار لم يسمع السوريون منه سوى وعود وأحاديث عن الاصلاحات, من غير أن تترجم الى فعل على أرض الواقع.
في لقاء متلفز للرئيس بشار أجراه معه وفد إعلامي أميركي بدمشق (13-5-2004 ) قال: "الانتخابات الحرة في سورية آتية, وأضاف: أنا لا اهتم بمنصبي, فقد أكون خارج وظيفتي في أية دقيقة. لكنني كسوري لدي واجب بلدي. هذه هي الطريقة الوحيدة للحكم من هذا المنصب.وعندما اشعر بأنه لا يمكنني أن أقدم شيئاً لبلدي قد أغادر..". كلام في غاية الأهمية.
لكن ماذا ينتظر بشار ليفي بالوعد الذي قطعه على نفسه?.يبدو أن عقداً ونيف من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والتنموية, وبشار على رأس السلطة مازالت غير كافية لتشعره بأنه فشل في تحقيق برنامجه الإصلاحي, وبأنه غير قادر على تقديم شيئ مفيد لبلده.
ويبدو أن أنهر الدماء التي سالت وتسال وأفواج المهجرين والنازحين السوريين داخل وخارج الحدود والخراب الذي لحق بالبلاد, أشياء لا تستحق التوقف عندها (من منظور الأسد) وهي غير كافية ليقدم استقالته والتنحي عن السلطة.
قرأنا الكثير عن دكتاتورية الرئيس السوري الأسبق (أديب الشيشكلي), لكن رغم دكتاتوريته لم يتردد في التنحي عن السلطة, عندما شعر بأن بقاءه في موقع الرئاسة قد يفجر الداخل السوري ويجر الويلات على البلاد.وهنا أورد بعض ما جاء في بيان استقالة الشيشكلي الذي أصدره في 25 فبراير 1954: "رغبة مني في تجنب سفك دماء الشعب الذي أحب والجيش الذي ضحيت بكل غال من أجله, والأمة العربية التي حاولت خدمتها بإخلاص وصدق, أتقدم باستقالتي من رئاسة الجمهورية إلى الشعب السوري المحبوب الذي انتخبني والذي أولاني ثقته".
بغض النظر عن الظروف والأوضاع السياسية, التي دفعت الشيشكلي على الاستقالة, يجب تثمين هذا الموقف الأخلاقي له وإدراكه لمسؤولياته الوطنية والتاريخية تجاه وطنه وأمته العربية.طبعاً,من غير أن نشكك بوطنية الرئيس بشار أو التقليل من حسه الوطني وشعوره بحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه في هذه الظروف الحرجة, لا أعتقد بأن ثمة مبرراً أو حاجة لبقاء بشار في موقع الرئاسة بعد أن وصلت البلاد الى هذا لمنحدر الخطير في ظل قيادته .حتى لو صحت روايات أهل الحكم بأن بشار مازال يحتفظ بشعبية و تأييد غالبية الشعب السوري,هذا لا يبرر تمسكه بالحكم. فقضية تنحي بشار لم تعد ترتبط بشرعية أو عدم شرعية حكمه وسلطته, بقدر ما أضحت "قضية أخلاقية",أكثر من كونها سياسية. فمن غير المعقول أن تُسترخَص دماء السوريين الى هذه الدرجة على رئيس شاب وطبيب لأجل بضع سنوات أخرى في الحكم, خاصة, واعتقد, بأن بشار, الذي ورث الحكم عن والده في يوليو 2000, ليس هو الحاكم الفعلي لسورية ولا يمارس صلاحياته وسلطاته الكاملة كرئيس.وإن هو أكد في كل خطاباته أنه يمارس كامل صلاحياته ومسؤولياته كرئيس للبلاد.إذ,وكما يبدو لي على الأقل, أن مهمة ووظيفة بشار في موقع الرئاسة تكاد تقتصر هذه الأيام على توفير "الغطاء السياسي" لعنف الدولة بحق متظاهرين مسالمين خرجوا يطالبون بالديمقراطية وبحقهم في العيش بحرية وكرامة.
يخطئ الرئيس بشار وفريق حكمه اذا كانوا يعتقدون بأن باستطاعتهم إعادة عقارب الساعة الى الوراء ووقف عجلات التاريخ السوري والمراهنة على القوة العسكرية في سحق انتفاضة "شعب" حطم حاجز الخوف, وقرر صناعة مستقبله وتقرير مصيره, مهما كلفه ذلك من دماء وتضحيات. فحملات البطش والعنف الوحشي بحق المتظاهرين المحتجين زادتهم اصراراً على المضي في انتفاضتهم حتى تبلغ غايتها وتحقق كامل أهدافها. لا ننفي وجود مجموعات مسلحة(من عسكريين منشقين ومدنيين) تحمل السلاح في وجه الدولة وتقاوم سلطتها, لكن هؤلاء المسلحين هم نتاج عنف ممنهج مارسته الدولة نفسها بحق متظاهرين مسالمين. قطعاً,لستُ ولن أكون مع "تسليح المعارضة" و "عسكرة الانتفاضة", تحت أي عنوان وفي أي ظرف. لأن حمل السلاح من قبل المعارضين سيحرف الانتفاضة عن مسارها وعن أهدافها الوطنية.إذ سيفتح الباب أمام التدخلات العسكرية الخارجية في الأزمة السورية,فضلاً عن أنه سيعطي للنظام المبرر والذريعة اللذين يبحث عنهما لاستخدام مزيد العنف والقوة العسكرية ضد المتظاهرين.
أخيراً: ما ينتظره السوريون من رئيسهم بشار, في هذه المرحلة العصيبة والمفصلية التي تمر بها بلادهم, ليس دستوراً جديداً, ولا قانون أحزاب, ولا قانون إعلام, ولا مؤتمراً لحزب(البعث) تكلس وترهل ولم يعد صالحاً ليحكم السوريين الجدد,وإنما خطاب جديد يعلن فيه تنحيه عن الحكم والاعتذار للشعب السوري عن المآسي والويلات التي لحقت به في عهده, وتحديد فترة انتقالية لنقل السلطة الى هيئة وطنية مؤقتة.أعتقد بأن هذه الخطوة المنتظرة من بشار باتت ممراً أو معبراً سياسياً إجبارياً لإنقاذ سورية وتجنيبها خطر الحرب الأهلية , وربما التقسيم.

                   طباعة المقال                   
التعقيبات