بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
فـي رثـاء البعـث الـذي لـم يكـن «قــائــد الـدولــة والمجتمــع»
  27/02/2012
דף חדש 4

فـي رثـاء البعـث الـذي لـم يكـن «قــائــد الـدولــة والمجتمــع»

طلال سلمان

أما وقد أعلن النظــام السوري، رسمياً، وعبر استفتاء شعبي على دســـتور جديد، انتهاء المرحلة التي استطالت أكثر مما ينبـــغي والتي كان عنوانها الحكم باســـم حزب البعث العربي الاشتراكي بوصفه «قائـــد الدولة والمجتمع»، فلا بد من كلمة رثاء لهذا الحزب ذي التاريخ العـــريق والذي دفن أمس، في دمشق، ومن دون مشيعين!
وأول ما ينبغي قوله إن هذا الحزب، الذي كانت ولادته «بشارة» بمرحلة جديدة في العمل السياسي العربي، يشيّع الآن وكأنه الأب الشرعي لعصر الدكتاتوريات الحزبية العربية، محملاً المسؤولية الكاملة عما أصاب سوريا، بذاتها، ومن ثم العراق (مروراً بدولة الوحدة) على امتداد خمسة عقود طويلة ومثقلة بالنكسات والهزائم، سياسياً وعسكرياً.
والحقيقة أن هذا الحزب لم يحكم سوريا ولا العراق يوماً كحزب، بعقيدته ومبادئه وطروحاته النظرية، وإن كان كثيرون قد حكموا أو تحكّموا باسمه بالمجتمع والدولة في أكثر من بلد عربي، مكتفين برفع شعاراته في الساحات والمكاتب والدواوين، لتمويه حقيقة السلطة القائمة بالأمر وإضفاء غلالة سياسية ـ فكرية على حكم الرجل الواحد الذي ستضفى عليه لاحقاً هالة من القداسة تجعله يسمو على البشر مندفعاً نحو الخلود إلى الأبد!
قبل سوريا ثم معها، كانت تجربة الحزب القائد في العراق، حيث اختصر صدام حسين الحزب ـ قائد الدولة والمجتمع ـ في شخصه، مندفعاً إلى سلسلة من التصفيات الواسعة «لرفاقه» بداية، ثم لخصومه أو منافسيه المفترضين، ولو كانوا أشقاء وأصهاراً ورفاق عمر وشركاء عقيدة... قبل أن يندفع إلى مسلسل من الحروب غير المبررة التي أدت إلى تدمير العراق ومعه الحزب الذي تحول إلى «حزب القائد»، ثم إلى سقوطه في أيدي الاحتلال الأميركي، بل وإلى تمزيق الروابط بين العرب في مختلف أقطارهم وتحويلهم إلى أعداء متواجهين تتحكّم بهم مجموعة من الأنظمة الدكتاتــورية محتكرة السلطة والثروة والسلاح بما ذهب بالأوطان والـــدول ووحدة الشعب في كل قطر من أقطارها.
.. هذا إذا ما تناسينا المآسي التي أغرقت العراقيين في دمائهم ومزقتهم طوائف ومذاهب وأعراقاً وعناصر، سوف يجيء الاحتلال الأميركي ليجدها جاهزة لاستكمال تدمير العراق عبر الصراع على السلطة جميعاً أو على بعضها في كانتونات طائفية وعنصرية.
ولقد عبّر كثير من المواطنين والمواطنات في سوريا عن رأيهم في الدستور الجديد بما يكشف حقيــقة موقفهــم الذي كبتوه طويلاً طويلاً، من الدستور الـــذي غدا الآن عتــيقاً، و«بائداً» وبات يمكن استــخدامه كمـشجب لتعـليق الخطــايا والأخطاء عليـه.
بل إن هؤلاء الذين أتيحت لهم الفرصة للكلام قالوا ببساطة، وبمعزل عن رأيهم في نصوص الدستور الجديد، إنهم سعيدون بعودة الحياة السياسية إلى البلاد، بعد تعطيل إجباري امتد دهراً... بل إن بعضهم قد اندفع إلى إعلان التحفظ على كثير من نصوص الدستور الجديد، مفترضاً أن العودة إلى السياسة تتيح استدراك النقص أو تعديل المرتجل والمرتبك واستكمال ما سقط سهواً وأسقط عمداً في وقت لاحق، وعبر إعادة النظر في الدستور الجديد عبر الحياة السياسية التي سـوف تستعيد الروح متحررة من «قائد الدولة والمجتمع» وسائر النصوص المكبلة للحريات.. بل واللاغية للسياسة.
قال المواطنون والمواطنات، وعبر أجهزة الإعلام الرسمية، أكثر مما تقوله المجموعات المعارضة من منافيها المرفهة، قريبها والبعيد، ووضعوا أصابعهم على الجرح: لا تعيش دولة من دون حياة سياسية، ولا يقبل شعب بأن يُقاد بالأمر إلى الأبد، ومن طرف رجل فرد قفز إلى السلطة، ذات ليل بانقلاب عسكري، أو من طرف أسرة مالكة استولت على الحكم (والبلاد) بالسيف، وفي ظل رضا المهيمن الأجنبي.
ومن حق المعارضات السورية الموزعة بين عواصم عدة لكل منها أغراضها ومطامعها، أن يتوجه إليها النظام بالشكر، إذ أنها وفرت له خدمات ممتازة بانقساماتها وتطرفها وشبهة ارتباطها تمويلاً ونهجاً سياسياً بجهات عربية ودول خارجية لم ينل منها العرب عموماً، وسوريا خصوصاً، إلا الأذى، عبر مساندة الأنظمة الدكتاتورية التي كانت ـ وما تزال ـ تعــمل في خدمتها ثم تحاضر على شعبها بالسيادة والحرية وحقوق الإنسان.
ولعل أخطر ما ارتكبته هذه المعارضات الجوالة بين العواصم، والمستجدة في العمل السياسي أو العائدة إليه بعد تاريخ مثقل بالخطايا والأخطاء، أنها قد أظهرت النظام وكأنه أحرص على الوحدة الوطنية منها... فهي تفتقد إلى الهوية السياسية الموحدة، ثم أنها حاولت ـ بقصد أو بلا وعي قاد إليه الغرض ـ تفسيخ الهوية الجامعة للشعب السوري، وحرّضت على الخروج على العروبة عبر التوجه إلى الأقليات (طوائف وعناصر) وكأنها قوميات أخرى، بما يتجاوز وحدة الوطن والشعب الذي يضم الأكثرية وسائر العناصر المكونة في بوتقته الجامعة.
إن الضرب على الوتر الطائفي في بلد يكاد يكون الأكثر تحصيناً ضد الطائفية والمذهبية والعنصرية والإقليمية، يتجاوز الخلاف أو حتى الصدام مع النظام القائم إلى تهديد وحدة الوطن وشعبه.
إلى أين سوريا من هنا؟!
يسود الاعتقاد بأن الاستفتاء الذي أجري على دستور تمت صياغته المرتجلة والحافلة بالمتناقضات، تحت ضغط الشارع، لن يبدل كثيراً في طبيعة النظام، ولكنه قد يشكل مخرجاً من الطريق المسدود الذي يأخذ إلى الحرب الأهلية.
إن طبيعة النظام محصنة ضد التغيير، ربما لأن أي توجه نحو التغيير قد يراه النظام مؤامرة لإسقاطه، فيرد عليها «بالإفراط في استخدام القوة».. ومن أين يدخل الأمل بالتغيير طالما أن «الحوار» يتم في شوارع المدن والقصبات، بالرصاص والقذائف والتفجيرات؟!
متى يتوقف الرصاص: ذلك هو السؤال الذي لا يستطيع الدستور الجديد أن يجيب عليه، مع الوعي بأن أول ضحية محتملة للرصاص ـ ابتداءً من اليوم ـ هو الدستور الجديد.. لكي تستمر الدوامة الدموية التي تكاد سوريا تضيع في غياهبها المفتوحة على المجهول!


 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات