بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
أما الآن
  29/02/2012

أما الآن
رائف زريق


لا شيء سوى الانحناء لأرواح الشهداء الذين يسقطون برصاص الأمن السوري، أولئك الذين يصرون على مواجهة الرصاص بالصدور العارية. أولئك الذين يحطمون أسطورة الشرق والغرب، الغرب الحرّ والشرق المستبد، ويثبتون يوما بعد يوم بإصرارهم العنيد، أنّ الحرية هي قيمة الإنسان الأولى وجوهر كينونته ولتذهب النظريات الاستشراقية إلى الجحيم وأولئك الذين ينفضون عنا عارًا من الذلّ والاستكانة امتد أربعة قرون من الزمن، وعبروا حاجز الخوف من بوابته الكبيرة ومرشحون لإعادة العرب إلى مسرح التاريخ الحديث.
قد تنجح الثورة وقد تفشل. قد تقود إلى نقيضها وقد يأتي من بعدها استبداد أسوأ وألعن، لا احد يعلم كيف ستؤول وما الذي يخبئه المستقبل. أما الآن فلا شيء سوى الانحناء أمام شجاعة قلّ نظيرها في التاريخ المعاصر وسوى الانفعال من هذا الإصرار على رفض الذلّ والمهانة والاستكانة. سيقولون لنا الصورة معقدة ومركبة ولا يكفي النظر للحاضر، يجب النظر إلى المستقبل، وليس إلى سوريا إنما للمنطقة وليس للفعل بل لآثاره المترتبة، هذا صحيح.
أما الآن؛
فانا أريد التمعن في الحاضر وأن أعود إلى البسيط من الكلام، إلى صور الأطفال المشوهين والى أجساد مبتورة الأعضاء والى حناجر تم قطعها لأنها صدحت بمديح الحرية والى جرائم وحشية يرتكبها نظام يحتمي بفكرة الممانعة، ويلتمس حصانة في فكرة المقاومة، وبهذا وبذاك يسيء إلى سمعتها ويلوّث التراث التحرري المقاوم، ويقيم تزاوجا قسريا بين الاستبداد والمقاومة.
الغد مليء بالمخاطر وشبح الحرب الأهلية يخيم على المشهد، وخطر اختطاف الثورة خطر حقيقي … أعداؤها أكثر من أصدقائها بكثير، كل هذا صحيح، لكن كل هذا لا يغير من الحقيقية الأساسية الراسخة: الشعب السوري يناضل من أجل حريته
هناك من يعتقد انه يرى «الصورة الأكبر» وأنه ينظر إلى الموضوع «بشموليته»، وهو واثق من أنّ الثورة ستنتهي في غير مصلحة الشعب السوري وأنه سيتم توظيفها في خدمة الامبريالية الجديدة.. قد يكون هؤلاء مصيبين.. لا يقين لديّ بأنهم مخطئون.. وأرجو ألا يكون لديهم يقين بأنهم معصومون عن الخطأ، لأنّ أحدا لا يعلم ما الذي يخبئه المستقبل وكيف ستؤول الأمور وأين ستنتهي.
أما هنا والآن، فإنّ الأمور واضحة أكثر. نظام مستبدّ يفتك بشعبه كوحش مجرم، وشعب يقاوم بإصرار مسلح بالحقد والأمل معا، وفي مزجه بين الحقد والأمل يعطي للكرامة الإنسانية معنى جديدا وعميقا، لأنّ الكرامة لا تعني فقط ألا تقبل تحكم الآخرين فيك وبحياتك وبأن يخضعوك لأهدافهم ومشاريعهم وأهوائهم، إنما الكرامة أيضا أن لا تقبل إخضاع نفسك أنت إلى مشاريعك إلى حد تتحول أنت نفسك أداة بيدك أنت؛ الكرامة تعني ألا تقبل أن تحّول نفسك لحجر شطرنج بيديك أنت وأن تصر على غضبك وحقدك وحقك في الأمل وأن تخرج عن قبضة التاريخ المحكمة.
الغد مليء بالمخاطر وشبح الحرب الأهلية يخيم على المشهد، وخطر اختطاف الثورة من أمريكا وأعوانها في الخليج هو خطر حقيقي، والثورة تتحرك في حقل من الألغام. أعداؤها أكثر من أصدقائها بكثير، كلّ هذا صحيح؛ لكنّ كل هذا لا يغير من الحقيقة الأساسية الراسخة: الشعب السوري يناضل من أجل حريته، ويدفع ثمنها يوما بعد يوم، ويرفع منسوب كرامة الأمة العربية ويقنعنا بأن الحرية وإن كانت سرابا فهي حقيقية.
أما الآن فلا شيء سوى الانحناء إجلالا لأرواح الشهداء.



 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات