بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
كان لا بد من سورية
  06/03/2012

كان لا بد من سورية
الياس خوري

الفتاة الصغيرة التي حملت وعاء كي تلتقط به الماء، ووقفت تحت الثلج المنهمر في حمص، قالت انها تعرف السر، وانها لن تخبرنا سر المدينة الا عندما يسقط الوحش عن عرشه الدموي.
نقف معها تحت ثلج السماء، ووسط حمم القصف الوحشي، نرتجف برداً، وتحترق اجسادنا بنيران القذائف، ونقاوم العطش بالصبر وبحبات الثلج المنهمرة!
وقفت الفتاة وحيدة، في عينيها يلتمع كل الكلام الذي لا يقال، و كانت تصدّ الخوف، وتقاوم العطش باصابعها التي رسم عليها البرد لونه الأزرق.
لا اعرف اسم هذه الفتاة الحمصية، التي وقفت في حي باب السباع وحيدة، ترتسم براءة الطفولة على وجهها الجميل، ولا تنتظر مساعدة احد. تعلمت الفتاة الحمصية حقيقة انها وحدها، لا احد سيأتي الى نجدتها، وحدها تنتظر الماء، تعطش وهي تعرف ان لا شيء يروي عطشها.
فتاة تتشح ببهاء الضوء الذي يشع من عينيها، تنظر الى افق مغطى بالدخان، وتدعونا الى تواضع الخجل. نخجل من الماء الذي نشربه، ومن الطعام الذي نأكله، نخجل من عجز كلماتنا عن ان تبلسم جرحا، وتدفىء روحاً.
فتاة صغيرة تقول كل الأسى ولا تنتظر شيئاً، تعلمت انها ابنة المدن المستباحة، وان حقها من الحق لم يأتِ بعد.
قادني صمت هذه الفتاة التي لا اعرف اسمها، الى بيوت بابا عمرو المهدمة، رأيت بعينيها الصغيرتين الجميلتين مخيم جنين يئن تحت الركام، وتذكرت اطفال ارنا، وشاهدت كيف تتشكّل نكبتنا من خلال تناوب الاستبداد والاحتلال على سحق ارادة الحياة فينا.
ومثلما كان اطفال جنين وحدهم، كان اطفال حمص وحدهم.
ومثلما صنع اطفال جنين الأمل من الألم، ينسج اطفال حمص من الثلج المنهمر تاجاً ابيض اسمه الحرية.
تعرف الفتاة الحمصية الصغيرة انها في وحدتها تجسّد الألم السوري الذي ينتشر في كل انحاء البلاد التي صارت اليوم جرحاً مفتوحاً. منذ احد عشر شهراً والدم ينهمر في مدن سورية وقراها، ومنذ احد عشر شهراً، والعالم يتفرج على موت السوريات والسوريين، ولا يقدّم لهم سوى كلام العجز الذي صار اشدّ بؤساً من العجز نفسه.
كان لا بدّ من سورية كي يفهم العرب ان ربيع ثوراتهم يصطبغ بدم الضحايا، وان اربعة عقود من الاستبداد جعلت غلاظ الرقاب يتحكمون بالناس. رجال صُنعوا من التشوهات التي تركتها الوحشية على ارواحهم، بحيث صاروا آلات صماء لا تكتفي بالقتل بل تتلذذ به.
كان لا بد من سورية كي نفهم معنى الانتفاضات العربية بصفتها عودة الروح الى مجتمعات تجمدت فيها الحياة، وان استعادة الكرامة المهدورة تعيد المعنى الى المعنى، وتعيد للانسان انسانيته المفقودة.
كان لا بد من سورية كي نعرف ان على المشرق العربي ان يواجه لعبة الدول الكبرى التي تسعى الى تحويل بلادنا الى ساحة خلفية لحرب باردة جديدة.
كان لا بد من سورية كي نقرأ من خلال الدم المسفوح ان الاستبداد يهرب من مواجهة شعبه الى الارتماء في احضان الحماية الاجنبية.
كان لا بد من سورية كي نعرف ان الدول التي اغمضت عيونها عن جرائم الاحتلال الاسرائيلي وغطته، لا تقدم لنا سوى الوهم والتشكيك، لأنها حريصة على امن دولة الاحتلال وتفوقها، وامن الدولة الصهيونية الذي ضمنه الديكتاتور طويلا لن يعود مضمونا اذا حكم الشعب نفسه بنفسه، لأن لا احد يقبل بتغييب واقع احتلال الجولان، الا من كان هذا التغييب احد حججه للبقاء في السلطة.
كان لا بد من سورية، كي نقرأ اللغة الكولونيالية القديمة تستعاد من قبل امبراطورية روسية لم تعد تملك من الامبراطورية سوى وهمها.
كان لا بد من سورية كي نكتشف ان ربيع العرب لا يصنعه سوى العرب، وان مواجهة آلة القمع الرهيبة، هي الاسم الآخر لمواجهة القوى الخارجية الطامعة في بلادنا، ووقف التفكك الاجتماعي، ووأد اللغة الطائفية التي خرجت من مصانع الاستبداد.
الفتاة الحمصية الجميلة غطت رأسها بقبعة من الصوف الذي يمتزج فيه اللونان الأبيض والزهري، ومدت يديها البيضاوين حاملة صينية من الالمنيوم، وقفت تحت الثلج المنهمر لأن عطشها صار شبيها بعطش الأرض، لأنها تعلم ان عطش القاتل الى الدم لا يوقفه سوى عطش الأرض الى الماء.
دم في كل مكان، دم يعلن ان نهاية زمن الاستبداد صار شرطا للوجود العربي. الحرية ليست خيارا، انها الاسم الآخر للحق في الحياة، وهي لذلك تخوض معركتها الأخيرة في مواجهة المدافع التي تقصف المدن.
المستبد يشبه المستعمر، اسألوا الجنرال ساراي الذي قصفت مدفعيته دمشق، اسألوه عن هذا الذي قصف حمص ولا يزال يقصفها، اسألوه عن قتلة الأطفال في درعا، اسألوه عن تدمير حماة منذ ثلاثين عاما، فسيبتسم ويقول ان هذا هو منطق الاحتلال.
الاستبداد يصير اشبه بقوة احتلال خارجية، يتمملك على الشعب، رغم انه لا يحمل من ارث المماليك الذين طردوا الفرنجة سوى نقيضه. يتمملك لأنه لم يدافع عن الوطن، وترك ارضه محتلة اربعين عاما من دون مقاومة. يتملك ويصير اليوم آلة صماء للقتل والتشبيح والخراب.
كان لا بد من سورية، كي يرى العرب واقعهم في مرايا الدم المراق، وكي يقفوا مع الفتاة الحمصية ويلتقطوا منها ثلج الأمل.


 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات