بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
خطوة إسلامية مطلوبة في سوريا
  11/03/2012


خطوة إسلامية مطلوبة في سوريا

ميشيل كيلو

قال فيصل المقداد، نائب وزير الخارجية السوري: «إن الهدف من كل ما يجري في سوريا هو إيصال الإسلاميين إلى السلطة». بكلام آخر: يقول الأستاذ المقداد إن إخوته وأبناء عمومته وجيرانه في محافظة حوران، خرجوا يطلبون الموت من أجل إيصال إسلاميين، لا وجود لهم في منطقتهم، إلى سلطة لا يملكونها.
رغم ما في قول المقداد من مجافاة للحقيقة، ومع أن الشعب السوري لم يرفع خلال أشهر ثورته الأولى أي شعار، ولم يطلق أي هتاف إسلامي، ورغم أن أي تنظيم إسلامي أو ديني لم يوزع إلى اليوم ما يشير إلى أنه هو الذي أطلق الثورة أو خطط لها أو قادها، فإن السلطة أطلقت منذ أول يوم أكذوبة الثورة الإسلامية السورية، كي ترفض بتعنت، إيجاد أي حل سياسي للأزمة، واعتمادها حلا امنيا، تحول إلى حل حربي أعمى يطاول المواطنين جميعهم، من الأطفال إلى النساء والشيوخ والشباب، ولم تطلقها، لأن السوريين شهروا مصاحفهم ونزلوا إلى الشوارع يطالبون بحاكمية الله أو الشهادة.
بل إن الإسلاميين كانوا قلة قليلة وغير ملحوظة في الأشهر الأولى للثورة، والسلطة لم تترك للمتظاهرين مكانا ينطلقون منه غير المساجد. وكان دور بعض كبار الشيوخ واضحا أول الأمر، يوم الجمعة من كل أسبوع، سواء في الخطب الدينية التي كانوا يلقونها، أم عبر تعرضهم لبعض قضايا الساعة ودفاعهم عن حق المصلين في دخول المسجد والخروج منه بأمان، وحماية المتظاهرين ضد حشود من كانوا يتربصون بهم ويتوعدونهم بالقتل ويقومون بضربهم واعتقالهم من شبيحة ورجال أمن. بيد أن خروج التظاهرات من المساجد ودور الشيوخ لم يعنيا أن الثورة السورية بدأت دينية، أو أن أهدافها كانت أو صارت مذهبية، وأن المسلمين خرجوا طالبين تطبيق أحكام الشريعة، بينما تؤكد وقائع الحراك أن الناس تموت وهي تهتف للمواطنة والحرية والدولة المدنية والديموقراطية، وأن ثورتها كانت وستبقى مدنية، رغم أن معظمهم من المؤمنين.
لكن وجود الإسلام السياسي ونفوذه تزايدا بمرور الوقت، بفضل عوامل عديدة منها سياسة وضعها النظام تقوم على استخدام العنف إلى الحد الذي لا يترك للمجتمع الأهلي السوري أي خيار آخر غير حمل السلاح، والتخلي عن مطلب الحرية لجميع السوريين، وتبني مواقف متطرفة وأفكار مذهبية وطائفية، ومنها كذلك، قيام تركيا وقطر بحقن رؤى وتوجهات إسلامية من خارج سوريا إلى داخلها، عبر مؤتمرات نظمتها لإظهار هؤلاء بمظهر قوة رئيسة وقائدة للثورة، ومن خلال أموال تدفقت من الخليج وصلات مع المجتمع الأهلي، تعززت عقب قيام الأمن بتركيز قمعه وملاحقاته ورصاصه على القيادة المدنية، المثقفة والمتعلمة، للثورة.
في هذا السياق، كان تشكيل المجلس الوطني السوري خطوة مهمة على طريق وضع قيادات إسلامية على رأس حراك ليس من صنعها، لدفع الأمور في اتجاه مغاير تماما للاتجاه الذي بدأت منه، وإحداث انقلاب تدريجي في أهداف الحراك يحوله من حراك سلمي يطلب الحرية، إلى حراك تستجيب فصائل منه لما عمل النظام على زرعه فيه من نزعات مذهبية تقوض وحدته الوطنية وطابعه السلمي والحر، في رهان أرادت له أن يقلب ثورة الشعب، من جهد مجتمعي يحمل قيم الحرية والعدالة والمساواة، إلى اقتتال أهلي متزايد الوحشية والحدة، يقوض كل ما هو وطني ونبيل في سعي المواطنين السوريين إلى نيل حقوقهم. وللأسف، فقد تبنى بعض المعارضة هذا النهج متوهما أنه نهج مضاد لسياسة النظام، مع ما صحب ذلك من تراجع تدريجي عن خط الثورة الأصيل: خط المواطنة والحرية ووحدة الشعب والمجتمع والسلمية والمدنية.
واليوم، وقد تعقدت الظروف وتشابكت وغدت صعبة ومأساوية، وأفلت زمام القضية أو كاد، من أيدي السوريين، سلطة ومعارضة ومجتمعا، وامتنع العالم عن المسارعة إلى مساعدتهم على حل أزمتهم أو نجدتهم، رغم مطالبة بعض معارضي الخارج بتدخله عسكريا، على غرار ما حدث في حال ليبيا، وبعد أن قوض حل النظام الأمني فرص الحل السياسي الداخلي والعربي، صار من الضروري القيام بمراجعة وطنية الطابع ينجزها بعض إسلاميي المجلس، تجد مسوغاتها في التالي:
1- قيام الأمم المتحدة بتعيين مبعوث خاص يمثل أمينها العام وأمين عام الجامعة العربية، هو السيد كوفي عنان، مهمته إيجاد حل شامل للمسألة السورية يخرجها من الاستعصاء الذي أوصلها إليه الصراع الأميركي/ الروسي على سوريا، ينذر بعواقب بالغة الخطورة على أطراف الصراع الدائر فيها، علما بأن البديل الذي يلوح اليوم في أفق الممكنات، يشير إلى توسع مفتوح للاقتتال الداخلي المدعوم من أطراف عربية وإقليمية ودولية متعارضة، والذي يمكن أن يستمر لأعوام طويلة، لن يزداد خلالها إلا تعقيدا وخطورة، مع احتمال امتداده إلى العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك الخليج وتركيا وإيران ولبنان.
يأتي كوفي عنان بمهمة عامة تتخطى اعتبارات الإغاثة الإنسانية، بينما يشن النظام هجوما عسكريا عاما من أجل تحسين مواقعه في حل يراه آتيا أو يشعر بقدومه، وتقوم روسيا والصين بإطلاق إشارات توحي بتعديل ما في موقفهما، الذي ربما كانتا لا تريدان له أن يذهب نحو مجابهة تتخطى قدراتهما، في منطقة ليست مصالحهما السورية هي الأكبر أو الأكثر أهمية فيها، يمكن أن يؤدي تمسكهما بخط متشدد إلى مواجهة مع عالم عربي/ إسلامي معاد ويستطيع إلحاق ضرر فادح بهما، ضمن رقعة واسعة يقع بعضها في مجالهما السيادي الخاص. بينما ينتظر الغرب عامة وأميركا وإسرائيل خاصة، تبلور وضع يمكنهما التدخل فيه بالطريقة التي يختارانها، بمجرد أن تنضج ظروف تدخل حاسم ونهائي. وإذا كان هناك من يظن أن أميركا مكبلة اليدين اليوم، فإنه يرجح أن تبقى كذلك على المدى الطويل، كما أن إسرائيل حاضرة وتستطيع في أي وقت تسديد الضربات العسكرية المطلوبة إلى جيش سوري منهك ومبعثر فوق مساحات واسعة من الأرض وفي حال انتشار سوقي يحول بينه وبين أن يكون قوة مقاتلة بحق. أخيرا، فإن الخليج وتركيا مرشحان بقوة للانخراط في الصراع المباشر، مع ما يعنيه ذلك من تعاظم مخاطر الاصطدام مع إيران وحزب الله إقليميا ومحليا.
على الجملة، وبينما يبدو أن لا مصلحة دولية أو إقليمية أو عربية في احتدام الصراع واشتداد القتال، تقف أطراف الصراع الداخلية أمام نقطة تحول مفصلي تدفعها نحو مجهول لا يضمن أحد منها أن تأتي نتائجه لصالحه، لذلك من غير المستبعد تماما أن يراجع المتصارعون حساباتهم، إن كان لدى الشرعية الدولية والعربية حلول تريد الوصول إليها، مع ملاحظة أن محاولات النظام الراهنة لتحسين مواقعه ستكون بلا جدوى، ليس فقط لأنها لن تكون حاسمة، بسبب انضواء الوضع السوري في صراع القوى الخارجية، كما تبين منذ الفيتو الروسي في مجلس الأمن، الذي جعل هزيمة المجتمع السوري هزيمة لأميركا وانتصار النظام انتصارا لروسيا، بل كذلك لأن باستطاعة مجموعات صغيرة من المقاتلين خوض حرب عصابات منظمة ضد الجيش المنتشر في كل مكان، مع ما يحمله انتشاره من عناصر سلبية بالنسبة إليه، كتهديد طرق مواصلاته الطويلة والمكشوفة، وقدرته على التزود بالذخائر والوقود، بينما يتمكن رجال العصابات من اختيار أهدافهم بكل عناية، خاصة أن تم تزويدهم بعتاد حديث.
2- تطورات الثورة السورية، التي شهدت انزياحا في مركز قرارها نقل قسما منه في مرحلة أولى، من المجتمع المدني إلى الأهلي، ثم من هذا إلى تيارات إسلامية معينة، وقد ينقل في مستقبل غير بعيد القرار الميداني إلى أيدي متطرفين أصوليين هم النتاج الحتمي والطبيعي لعملية السحق المنظم التي يمارسها النظام في كل مكان من أرض سوريا، مع ما سيعنيه هذا الانزياح من تبدل في طبيعة القتال الذي سيدور من الآن فصاعدا بين السلطة، التي ستتهم من الحضور الأصولي فصاعدا بأنها سلطة أقلية طائفية منظمة ومسلحة تحظى بمساندة طوائف وأقليات أرعبتها من الخطر الأصولي، وبين الأغلبية المسلمة السنية، التي قررت إسقاط النظام بقوة السلاح، بمساندة سنة العالمين العربي والإسلامي، الذين سيسارع كثيرون منهم إلى نجدتها، مثلما سارعوا قبل عقد إلى مساعدة سنة العراق في صراعهم ضد الأميركيين والشيعة.
هذا التطور يكاد يكون حتميا، إذا ما نجح النظام في سحق الجيش السوري الحر وإغراق الانتفاضة السلمية في الدم. هذا التطور تلوح بوادره الأولى اليوم، بالنسبة إلى التحول في مركز قيادة الأعمال المسلحة، أم في انخراط سنة عرب وإسلاميون في القتال داخل سوريا.
بالمناسبة، ربما كان الأميركيون غير متحمسين اليوم للتدخل في سوريا، لأنهم يرون هذا الاحتمال ويريدون له أن يتحول إلى واقع فعلي، سيفضي إلى اقتتال بين كتلتي المسلمين الكبيرتين: السنية والشيـعية، واستنزاف للعالم العربي/ الإسلامي، لطالما قيل أن واشنطن تخطط له كي تغرق العالم الإسلامي بدمائه وتجبره على وقف قتاله ضد الغرب. هذا التطور يعني، بالنتائج الميدانية التي ستـترتب عليه، أن المبادرة ستــنتزع من يد إسلاميي المجلس الوطني، وأن الجمـهور سينفض عنهم وسيضـع ثقـته فيها، لإيمانه أنها كادت تهزم في العراق جيشا أميركيا جبارا ليس جيش سوريا غير تجمع كشافة بالمقارنة معه. لا داعي للقول إن الأصـولية ستـتوطد بمقدار ما يتوطد طابع الصراع الطائفي، ويتحول إلى اقتتال مذهبي صرف محمل بموروث تاريخي تدعمه سير تحريضية مرعبة. لا مصلحة للإسلام الحزبي، غير الأصولي، في حدوث تطور كهذا، لا شك في أنه سيتخطاه، تحفزه واقعة أن من تولوا إدارة أزمة النظام بالعنف، هم جناحه المتطرف والمتشدد، الذي تبنى ممارسات مماثلة، وإن معاكسة لممارسات أصوليي القاعدة، الذين تصاعد نفوذهم ووجودهم في كل مكان وقعت فيه صراعات من طبيعة مذهبية، رفض المنخرطون فيها إيجاد حلول وسط وتسويات لها.
3- هل للثورة من أجل الحرية ولمعتدلي المسلمين رغبة في تطور كهذا؟ وهل تريده روسيا والصين؟ إن أصحاب المصلحة فيه هم الأطراف التي تريد حربا مذهبية على امتداد الشرق العربي والأوسط والعالم الإسلامي، والتي ترى فيه بديل تورطها في قتال ليس لها مصلحة أو رغبة في أن تكون طرفا فيه، لأن ناره ستكون حامية الوطيس إلى درجة يصعب اليوم تصورها.

 والخلاصة: هناك نزاع محلي متصاعد الشدة يلتهم عافية سوريا دولة ومجتمعا، مرشح لالتهام عافية العالمين العربي والإسلامي وبعض قوة الدول الكبرى، ويبدو أن الأطراف المرشحة للانزلاق إليه شرعت تفكر في إيجاد حل سياسي له ينطلق من سؤال البديل، الذي يطرحه الروس والأميركيون والأوروبيون والخليجيون والإيرانيون، دون أن يتفقوا بعد عليه .
4- من سيأتي في حال ذهب الأسد؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يطرح اليوم في كل مكان ويعتبر مفتاح المسألة السورية برمتها. أما جواب هذا السؤال فهو لدى إسلاميي المجلس الوطني السوري، الذين يجب أن يتألف ردهم عليه من بندين متصلين: واحد يعلن استعداد هؤلاء وتاليا المجلس للتوافق على وثيقة تتضمن موضوعات من شأن التفاهم عليها توحيد مواقف المعارضة من راهن سوريا ونظامها والمرحلة الانتقالية المطلوبة لها، على أن يتم توقيعها في فترة قصيرة نسبيا - من أسبوع إلى أسبوعين - وآخر يتعهد هؤلاء فيه أن لا ينفردوا بحكم سوريا ولا يوافقوا على انفراد أية جهة بحكمها منفردة، وأن يبدوا استعدادهم للمشاركة في حكومة وحدة وطنية تدير شؤون البلاد والعباد لفترة طويلة - خمسة أعوام مثلا- تحظى بدعم جميع أطراف الطيف السياسي ومن ثم البرلمان، بغض النظر عن نسب التمثيل الحزبي فيه، تقنع العالم أن الديموقراطية هي خيار جميع السوريين مهما اختلفت مذاهبهم ومواقفهم، وتقدم ضمانات طويلة الأمد بخصوص الاستقرار في سوريا والمنطقة، ليس فقط لأنها لن تأخذ أحدا من أية طائفة كانت بجريرة النظام الحالي، بل لأنها ستضمن أيضا مساواة جميع المواطنين أمام القانون وفي الواقع، ولن تعيد إنتاج نظام الحزب الواحد والأيديولوجية الواحدة والزعيم الواحد، على أي صعيد كان، وستعمل بالمشتركات التي ستقرها وثيقة العمل الوطني الجامعة، السابق ذكرها.
5- لا بد من توثيق هذه الالتزامات بحضور وإشراف الجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة، ومن توقيعها مع أطراف من النظام تقبل مرحلة انتقالية تأخذ سوريا إلى الديموقراطية على مسار حريات وقانون. من الضروري أيضا أن تسهم في تأسيس هذه المرحلة دول العالم المتصارعة اليوم على سوريا، بما في ذلك روسيا والصين، بالنظر إلى أن الأزمة تعربت وتدولت ولا بد أن يكون لها حل مضمون عربيا دوليا، ويتم بإسهام عربي ودولي.
هل سيقوم الإسلاميون بهاتين الخطوتين الإنقاذيتين، خاصـة أن موقفهم هو الذي سيقرر حصة الشعب السوري في حل إن أحجموا عن الإسهام فيه فرض على السوريين وجاء لصالح النظام في غيابهم؟ ماذا سيفعل الإسلاميون؟ هذا سؤال أتمنى أن يكون هناك جواب واضح عليه خلال فترة قريبة، جد قريبة.

([) كاتب وناشط من سوريا


 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات