بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الانتفاضات العربية والتدخل الأجنبي: صعوبـة ابتـداع الغـد الأفضـل
  02/04/2012



الانتفاضات العربية والتدخل الأجنبي: صعوبـة ابتـداع الغـد الأفضـل
طلال سلمان


استهلك الضياع عن الهدف، وسهولة تزوير الهوية في زمن الاضطراب، وافتقاد القدرة على توظيف الانتفاضات العربية المتتابعة في ما يخدم مصالح الشعوب المقهورة بأنظمتها الدكتاتورية، الزخم الثوري للميادين بالملايين التي احتشدت فيها متحدية القمع الدموي، طلباً للتغيير واستنقاذاً للغد.
ها هم العرب، بعد أكثر من سنة ونصف السنة من تفجر الانتفاضات يفتقدون الطريق إلى إكمال مسيرتهم بالثورة إلى غدهم الأفضل.
تونس تعيش اضطراباً ينذر بفوضى عارمة وهي تحاول حماية نهوضها الاجتماعي العريق من «المبشرين» بحجاب السلفية وأحكام الشريعة بطبعات زمن الانحطاط.
أما في مصر فيتجاوز «الإخوان المسلمون» الحدود، بعدما زوّروا إرادة «الميدان»، ويتقدمون نحو رئاسة الدولة، بعدما مكّنتهم قدرتهم على التنظيم وإمكاناتهم المادية بمصادرها في الداخل والخارج من الانتصار والسيطرة على القرار، في ظل فوضى الثوار البلا برنامج وبلا حزب أو جبهة تؤكد جدارتهم بصنع المستقبل... وهكذا تبدو أعرق دولة في هذا الشرق العربي مهددة بأن تسقط بمؤسساتها الدستورية جميعاً، المجلس النيابي ومجلس الشورى ورئاسة الجمهورية في أيدي «الإسلاميين» المشبعين بروح الثأر انتقاماً من ماضي الاضطهاد بما يضيع المستقبل، فاتحاً الباب أمام مخاطر الحرب الأهلية. ولا يمكن هنا تجاهل تواطؤ المجلس العسكري مع «الإسلاميين» والذي يؤشر على الأخذ بنصائح أميركية شبه معلنة بأن «إخوان» هذه الأيام مدجّنون ولا خطر منهم على الطبعة الجديدة من الديموقراطية الإسلامية الناطقة بالإنكليزية.
أما ليبيا التي «حررها» الحلف الأطلسي من «ثورتها» فتعيش حالة من التيه بين الفيدرالية والحكم المركزي وبين إسلاميات متعددة ومتنوعة وبغير تاريخ وسط استفاقة للقبائل والعناصر تهدد بحرب أهلية تذهب بالدولة... من دون أن تشكل خطراً على استمرار تدفق النفط إلى الذين يرون أنهم أولى به من أصحابه إذ لولاهم لكان قد غاض في رمال الصحارى...
أما في لبنان فقد ادعى البعض من أهل الثورة المضادة من غلاة الطائفيين الذين لم يتورعوا عن خدمة الاحتلال الإسرائيلي والسير في ركابه حتى تنفيذ المذبحة في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، أبوّة «الربيع العربي»... وهكذا صاروا يبدأون احتفالاتهم الطائفية في جوهرها ومؤداها، بخطابات نفاق للربيع العربي، ودورهم فيه... ثم بلغ بهم الأمر حد دعوة بعض النكرات من هويات عربية مختلفة لكي يخطبوا في احتفالاتهم الحزبية باسم الثوار والمناضلين والشهداء الذين اصطنعوا الانتفاضات المجيدة في أقطارهم، والتي على رأس أهدافها مكافحة الطائفية والطائفيين.
مع سوريا يختلف الأمر: فحركة الاعتراض الشعبي لم تبلغ من القدرة حد إسقاط النظام، خصوصاً أن الأعلى صوتاً بين من يتصدر قيادتها يقيم في «الخارج» والخارج خوارج... وهكذا ناب من سموا أنفسهم «أصدقاء سوريا» عن شعبها، فتلاقوا في مؤتمرات بدول كثيرة (تجاوزوا في اسطنبول الثمانين دولة ومنظمة دولية)... ولم تنفع الكوفيات القليلة التي تغطي رؤوساً يملأها قهر العجز عن إسقاط النظام حتى بالسلاح، في تمويه غلبة «الخارج» على الداخل، في التنظيم والتمويل وصياغة الشعارات والوعد بمكافآت سخية لكل عسكري يتمرد فينضم إلى المعارضات وقيادتهم الضمنية الإخوان المسلمين التي يعجز الرعاة عن ضبط حركتها في جبهة واحدة.. أما «المتمردون» من المدنيين فمكافأتهم المناصب الفخمة في السلطة الجديدة.
وهكذا ظلت المعارضة الوطنية في الداخل تسعى للتعبير عن إرادة شعبها في ضرورة التغيير بالإصلاح الجذري لنظام دكتاتوري عتيق ومن خارج العصر، متحملة قسوة المواجهة وافتقاد النصير، عربياً ودولياً، وإن بقيت تمثل ضمير السوريين الحريصين على حماية وطنهم من مخاطر الفتنة والحرب الأهلية.
وحدها مصر تحدثت في مؤتمر اسطنبول بلغة العقل والحرص على سوريا، دولة وشعباً، مقررة بلسان وزير خارجيتها كامل عمرو أن «أمن سوريا جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي» وأن «التزام مصر تجاه الخروج من الأزمة السورية هو ضرورة استراتيجية بقدر ما هو واجب أخلاقي يمليه التضامن القومي مع شركاء العروبة والمصير في سوريا الشقيقة».
ومن خارج مؤتمر اسطنبول ارتفع صوت رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، مندداً بسلوك السعودية وقطر ـ بالذات ـ ودعمهما لتسليح المعارضة السورية في الخارج بدلاً من إطفاء النار، داعياً إلى بذل الجهد من أجل حماية الدولة ووحدة الشعب في سوريا، بما يحمي الوحدة الوطنية والكيانات السياسية لدول الجوار السوري ـ وأولها العراق ـ من التفكك والانهيار في غمار حروب أهلية لا تنتهي...».
الطريف أن وزيرة الخارجية الأميركية كانت الأقل تطرفاً في المؤتمر الذي يعتبره منظموه الأتراك «تزكية» لموقعهم عندها... وهكذا فقد أعلنت السيدة كلينتون أن بلادها ـ أغنى دولة في الكون ـ ستقدم للمعارضة السورية مبلغ اثني عشر مليون دولار، فقط لا غير... تاركة لقيادات التطرف من أهل النفط في كل من السعودية وقطر أن يتكفلوا بنفقات الحرب على سوريا، نصرة للمعارضات التي تتوزع على عواصم الخارج، تاركة لأهل الداخل أن يدفعوا ضريبة «تحرير سوريا»... ومن بعدها يجيء «القادة» بطائرات خاصة ـ كما في العراق مع الاحتلال الأميركي ـ لتسلم مهمة بناء «الدولة الجديدة»، بتوجيهات أصحاب السمو من أهل الديموقراطية البدوية التي يعرفها جيداً «الرعايا» من أبناء تلك الأرض المذهبة، ولا سيما في البحرين...
هي مرحلة انتقالية صعبة، بل قاسية، تعيشها الشعوب العربية وهي تسعى للتحرر من أنظمتها الدكتاتورية التي حبستها في قلب الخوف من التغيير لعقود طويلة، وأخافت مكوناتها الطائفية والمذهبية بعضها من البعض الآخر، حتى بات «الشعب» يفتقد وحدته وهو يواجه موجبات التغيير.
وبالتأكيد فإن قرار الإخوان المسلمين في مصر بترشيح نائب أمينهم العام لسدة الرئاسة سيبث الرعب في قلوب كل الطامحين إلى التغيير الديموقراطي وبناء الدولة الحديثة في أعرق دولة في العالم وأول دولة عربية عرفت الدستور والقانون الناظم للعلاقات في مجتمع مدني.
بالمقابل فإن التدخل الفظ للخارج في الشأن الداخلي السوري سيسيء إلى كرامة المعارضة وسيمنح تزكية مجانية للنظام تزيده اندفاعاً نحو القسوة في مواجهة المطالب المشروعة للشعب، وهي المطالب التي دفع ثمنها غالياً من دمائه ومن قدرات بلاده الجديرة ـ بالتاريخ النضالي العريق وبالمهارات التي يتمتع بها شعبها ـ بأن تسهم في بناء غدها الأفضل، بل وفي الإسهام في بناء غد أفضل للإنسان العربي في مختلف دياره.
هي ضريبة التغيير؟ ربما، ولكن تدخل «الدول» يجهض أي مسعى للتغيير الجدي، بقوة الناس، ومن أجل مصالح أوطانهم ومستقبلهم فيها.
وما دام «الخارج» قادراً على التأثير في «الداخل» فستطول المرحلة الانتقالية بين مباشرة فعل التغيير وبين الانتهاء منه بصياغة الغد الأفضل للإنسان العربي.
... وذلك هو منطق «إرادة التغيير».


 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات