بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
أسوأ ديمقراطية أفضل من أعدل ديكتاتور
  29/04/2012
 

أسوأ ديمقراطية أفضل من أعدل ديكتاتور
فيصل القاسم



من أكثر الفزاعات التي يستخدمها أعداء التغيير وفلول الأنظمة الساقطة والمتساقطة تداولاً على الساحتين السياسية والإعلامية أنه ليس هناك بديل للأنظمة التي ثارت عليها الشعوب، وأنه من الأفضل للبلدان الثائرة أن تقبل بالأنظمة الحالية مع بعض الإصلاحات الطفيفة على أن تنتقل إلى مستقبل مجهول المعالم على مبدأ:”تمسك بقردك كي لا يأتيك أقرد منه”. وللأسف الشديد فقد انطلت هذه الخدعة السخيفة حتى على بعض المثقفين الذين بدوا وكأنهم ابتلعوا الطعم، فراحوا يحذرون من عدم وجود البدائل المناسبة لبعض الأنظمة المهترئة المهددة بالسقوط.
لا شك أن مثل هذه التبريرات الخادعة تنزل برداً وسلاماً على الطواغيت الذين مارت الأرض وتمور تحت أقدامهم في أكثر من بلد عربي، لكنها بالتأكيد لن تحميهم من السقوط الحتمي، فقد توصلت الشعوب إلى نتيجة مفادها أن أسوأ بديل هو أفضل من الطغاة الحاليين، ناهيك عن أن الأنظمة التي تتحجج بأنها الأفضل لعدم وجود بديل يسد الفراغ الذي ستتركه، هي من عملت منذ عشرات السنين على إخصاء الحياة السياسية في البلاد العربية كي تكون أرضنا قاحلة وجرداء سياسياً، وبالتالي غير قادرة على إنتاج أي شخصيات وأحزاب قادرة على منافسة الأنظمة الحاكمة.
لقد عملت الديكتاتوريات العربية على مدى عقود على خنق أي نشاط سياسي حقيقي في بلادها. وعلى هذا الأساس راحت تلك الأنظمة تشن حرباً استباقية على أي شخصية أو تجمع أو تنظيم أو حزب يمكن أن يشكل لها تحدياً حتى لو بعد عشرات السنين. لقد عملت على طريقة الملك هيرود الذي عندما أخبروه بأن مولوداً جديداً سيولد، وسيتحدى نظام حكمه في المستقبل، أمر السلطات على الفور بإعدام كل المواليد الجدد كي يقتل المنافسين في مهدهم. وهكذا أمر الطواغيت العرب الذين لم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها لمنع ظهور أي منافس سياسي لهم.
الويل كل الويل لمن كانت تسول له نفسه مزاحمة النظام أو الحزب العربي الحاكم في الاتصال بالجماهير والترويج لبضاعته السياسية. فقد كان ذلك حكراً على ما يُسمى بالنظام، لا بل من الكبائر الكبرى. وهو محرّم ليس فقط على العموم بل أيضا على الأحزاب الهزيلة الأخرى المفترض أنها “معارضة” ومشاركة في اللعبة السياسية، لكنها ارتضت لنفسها أن تخرس، وتخمد، وتكون مجرد تابع ذليل وخادم مُزايد للحزب الحاكم مقابل منافع شخصية معينة وضيعة. لا أدري أي نوع من الديمقراطية هذا الذي يسمح بتعددية حزبية ثم يمنع بقية الأحزاب من النشاط السياسي والتعبوي داخل الجامعات والمدارس والمعاهد والمصانع والهيئات الشعبية. ولا أدري أين يمكن لأحزاب المعارضة أن تنشط إذا كان ممنوعا عليها التواجد في الأماكن التي تفهم في السياسة قليلا كالتجمعات الطلابية مثلا. هل تنشط في دورات المياه والسهول والوديان والأحراش بين الحيوانات المفترسة أو في دور البغاء؟ لم يتركوا لها أي مكان لمزاولة نشاطها السياسي إلا في الغابات وفوق أعمدة الكهرباء. وبالتالي فقد كان يتحول هواة العمل السياسي الحقيقيون والمخلصون إلى النشاط السري، واعتاد النشطاء السياسيون في الماضي اللجوء إلى توزيع المنشورات بطريقة سرية جداً لإيصال أفكارهم ومشاريعهم من بعضهم البعض وإلى الناس. وكانوا يمضون وقتا طويلا في نقل المناشير من مكان إلى آخر تحت جنح الظلام كي لا تكشفهم كلاب المراقبة السياسية المتحكمة بالمسرح السياسي في معظم الدول العربية وتقطّعهم إربا إربا بأسنانها النتنة.
لقد كان توزيع المنشورات السياسية والحزبية عملية بطولية بكل المقاييس، وكم سمعت بعض المتحزبين العرب يتحدث بكثير من الانتشاء والنشوة عن فتوحاته العظيمة المتمثلة بوضع منشور تحت أوراق شجرة أو تحت حجر كي يأتي زميله وينقله إلى مكان آخر بالتتابع حتى يصل في نهاية المطاف إلى بقية “المناضلين” أو الناس. لكن هذا النشاط السياسي والإعلامي كان جريمة لا تغتفر، فقد أمضى ممارسوه عشرات السنين وراء القضبان في غياهب السجون العربية الغراء. كل ذلك كان من أجل منع أي تغيير سياسي مستقبلي في البلاد وابتزاز الشعوب بخيار وحيد لا شرك له، ألا وهو نظام الديكتاتور.
ولا شك أن البلدان العربية الخارجة لتوها من تحت نير الاستبداد تعاني من عدم وجود معارضات تحل فوراً محل الأنظمة الساقطة، وذلك لأن أنظمتها الطغيانية عملت على إخصاء الحياة السياسية في البلاد كي يبقى الديكتاتور الفحل الوحيد على الساحة. لكن هذه المعضلة يجب ألا تثني الشعوب أبداً عن الاستمرار في الثورة، وإلا لجثم المستبدون على صدور الشعوب لمئات السنين. ماذا تتوقع من بلاد قتلوا فيها المجتمع المدني، وحرموا أي نشاط اجتماعي، فما بالك بالسياسي؟ لا شك أن تلك البلاد ستعاني بعد الثورات لإيجاد البديل المناسب للطواغيت الساقطين. لكن الشعوب قادرة وخلال فترة وجيزة على إنتاج البديل. فرغم أن الوضع كان مشابهاً في أوروبا الشرقية، إلا أن تلك البلاد استطاعت أن تخرج من تحت ربقة الشيوعية خلال وقت قياسي، مع أن الأنظمة الشيوعية القديمة كانت تحصي أنفاس الجميع وتمنع أيضاً ظهور أي بديل قوي لأنظمتها التسلطية. وها هي تونس تخلق نخبها السياسية الجديدة ببراعة عظيمة. وكذلك مصر وليبيا وسوريا. لا شك أن المهمة صعبة للغاية، لكنها ليست مستحيلة، ولا يجب أن تكون بأي حال من الأحوال مبرراً للتمسك بالأنظمة الديكتاتورية القديمة في أي بلد بحجة الحفاظ على الاستقرار والأمن. كل البلدان التي خرجت من عصر الطغيان إلى الديمقراطية عانت المشكلة ذاتها وتخطتها بسرعة، خاصة أن عصر الحرية يفرز نخباً جديدة بسرعة هائلة وقياسية. ويقول الرئيس الأمريكي الراحل بنجامين فرانكلين في هذا السياق: “من يتخلى عن حريته خوفاً على أمنه، لا يستحق حرية ولا يستحق أمناً”. وبالتالي مهما عانت مجتمعاتنا في مرحلة الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية على صعيد الاستقرار، بسبب عدم وجود بديل جاهز للأنظمة المتساقطة، فإنها يجب أن تمضي بلا أي تردد في تنظيف بلادنا من رجس الطواغيت مهما كان الثمن، خاصة أن “أسوأ ديمقراطية في الدنيا أفضل من أعدل ديكتاتور”، كما قال الأديب السوري الراحل محمد الماغوط.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات