بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سلاح "المقاومة" ضد المنتفضين
  01/05/2012


سلاح "المقاومة" ضد المنتفضين

توماس فريدمان

بينما كنت أتجول في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، ظل هذا المقطع من أغنية «صوت الصمت» يتردد في رأسي: «كلمات الأنبياء مكتوبة على جدران المترو وقاعات المسكن.. ».
تحتدم الآن في بيروت حرب رسوم (الغرافيتي) على الجدران بين معارضي الرئيس السوري بشار الأسد وحليفه اللبناني حزب الله بقيادة حسن نصر الله من جهة، وبين مناصريهما في لبنان وسوريا من جهة أخرى. لطالما وصف الأسد ونصر الله أنفسهما بأنهما «المقاومة» لإسرائيل، مستخدمين هذه الكلمة للحصول على الشرعية، فضلا عن تبرير زيادة تسليح هذين الحليفين ضد شعبيهما. ما أذهلني هو قيام تلك الشعوب بتمزيق كل تلك الأقنعة التي كان يضعها نظام الأسد وحزب الله، وهو الأمر الذي نراه بوضوح مكتوبا على الجدران في كل شوارع بيروت، حيث تضمنت المجموعة الأخيرة من تلك الكتابات شعارات مثل: «المقاومة هي مجرد مقاومة حريتنا»، أو رسم صورة للأسد وتحتها تلك العبارة «طؤوها بأقدامكم»، أو عبارة «الخائن هو من يقتل شعبه».
لا يزال الأسد ونصر الله يحظيان ببعض التأييد الطائفي، ولكن في ما عدا تلك الدائرة الآخذة في الانكماش، فقد الرجلان تلك الهالة التي كانت تحيطهما والتي اكتسباها من «مقاومة إسرائيل»، حيث يقف كلاهما الآن عاريا أمام الشعوب العربية ليرى الناس أن أولهما يستخدم السلاح لـ«مقاومة» إرادة الكثير من السوريين، بينما يستخدمه الثاني لـ«مقاومة» إرادة الكثير من اللبنانيين، في الوقت الذي لم يعد فيه كلا الشعبين اللبناني والسوري يشعران بالخوف من السخرية منهما علنا.
وفي الأسبوع الماضي، كتبت حنين غدار، صحافية لبنانية شيعية شابة، خطابا مفتوحا لحسن نصر الله، والذي تم نشره في الموقع الإلكتروني الشهير «NOWLebanon.com» قائلة: «أنت كنت البطل الذي هزم جيش إسرائيل في 2006 وأعاد للعرب كرامتهم المسلوبة. لكن، ويا للأسف، الأيام المجيدة تلك حلت إلى غير رجعة وكذلك معنى كلمة (كرامة) التي ما عاد يربطها شيء بسلاحك المقدس وأيامك المجيدة وإنما هي صارت ملكا للشعوب المنتفضة على الطغاة والسفاحين. لكن دعنا نتخيل السيناريو التالي: لنفترض أنه بمجرد أن اندلعت الانتفاضة في سوريا ذهبت شخصيا باتجاه مساندة حرية الشعب السوري، أو على أقله طالبت النظام بعدم استعمال القوة ضد المتظاهرين. هل باستطاعتك تخيل درجة محبة الشعب السوري لك لو أنك وقفت معه في محنته؟ هذا الشعب الطيب الذي رفع صورك في بيوته وأماكن عمله بعد 2006 وهو نفسه الآن يحرق صورك في الشوارع. إنهم يكرهونك. الشعب السوري يكرهك. والمصريون والتونسيون والليبيون وغيرهم الكثيرون يكرهونك لأنك ساندت ولا تزال تساند طاغية يقتل شعبه».
ولكن، ماذا نفعل تجاه الانتفاضة السورية؟ دعونا نبدأ بوضع تلك الانتفاضة في سياقها التاريخي. إن ما يحدث اليوم في سوريا وفي مختلف أرجاء الوطن العربي هو أول تحرك شعبي منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لا علاقة له بالسياسة الخارجية أو مناهضة الاستعمار أو إسرائيل أو بريطانيا. وبدلا من ذلك، يقول بول سالم، مدير مركز «كارنيغي» للشرق الأوسط في بيروت: «هذا متعلق بنا وبوظائفنا وسبل محاسبة حكوماتنا.. إنها إعادة توجيه جذرية للأولويات المحلية والبراغماتية. وسعي من أجل الكرامة»، يأتي من القاعدة إلى القمة.
من الأهمية بمكان أن نتذكر أن الانتفاضة السورية بدأت بمظاهرات سلمية ضد انتشار الفساد في مدينة درعا السورية قام بها بعض الشباب، الذين تعرضوا للتعذيب الوحشي جراء تلك المظاهرات. ظلت تلك المظاهرات غير عنيفة وغير طائفية لشهور طويلة، تحت شعار «سلمية.. سلمية»، ولكنها تحولت عن عمد إلى حرب أهلية ضد الأسد. ويوضح الناشطون السوريون المعارضون المقيمون في بيروت أن الأسد فتح النار على المتظاهرين العزل، طمعا في إثارة ردود فعل معادية عنيفة، لكي يتمكن من الادعاء بأن هذه المظاهرات لم تكن ثورة سلمية ديمقراطية بل كانت ثورة طائفية قامت بها الغالبية السنية من سكان سوريا لإقصاء الأقلية العلوية الشيعية الحاكمة بقيادة الأسد وحلفائه. نجح هذا المخطط إلى حد ما، حيث أصبح لدينا الآن كفاح ديمقراطي مختلط بآخر طائفي.
هذا هو السبب الذي دفع بعض الناشطين اللبنانيين والسورين المقيمين في لبنان للاعتقاد بأنه - على الرغم من أن الطريق ما زال طويلا - لا يزال ينبغي علينا إتاحة بعض الوقت أمام الجهود التي يقوم بها مبعوث الأمم المتحدة كوفي أنان لتعزيز وقف إطلاق النار ونشر 300 مراقب داخل سوريا، لأن ذلك قد يهيئ الفرصة أمام معاودة ظهور الاحتجاجات الديمقراطية غير العنيفة وغير الطائفية، وهو ما يمثل التهديد الحقيقي لنظام الأسد. قد يستغرق الأمر وقتا أطول، ولكن علينا تذكر تلك العبارات: كلما أصبحت الحرب الرامية إلى الإطاحة بالأسد أكثر دموية وطائفية، كان المرجح أن تكون مرحلة ما بعد نظام الأسد أكثر تشوها وعنفا ويسيطر عليها الإسلاميون، مما يزيد من احتمالية انتقال الحرب الأهلية الدائرة في سوريا إلى لبنان وتركيا والأردن والعراق. ولهذا، فإن فكرة تسليح المعارضة السورية والاكتفاء فقط بلعب دور المتفرج، هي فكرة سيئة.
أما في حال فشل خطة أنان، فسيحتاج الغرب والأمم المتحدة والجامعة العربية إلى التحرك السريع لإنشاء منطقة حظر جوي أو ممر إنساني، على الحدود التركية -السورية، وهو الأمر الذي قد يوفر ملاذا آمنا للمدنيين الذين يتعرضون لاعتداءات النظام السوري ويبعث برسالة للجيش السوري المنهك وبقايا أنصار الأسد أنه قد حان الوقت بالنسبة لهم لقطع رأس هذا النظام وإنقاذ أنفسهم والدولة السورية على حد سواء. كلما كان سقوط الأسد سريعا، قلت الدماء التي يتم إراقتها على أساس طائفي، وكلما زادت المناطق الناجية من هجمات الأسد، قلت صعوبة عملية إعادة إعمار سوريا.
قال لي المعلق العربي حازم صاغية: «يتوقع الجميع أن تقوم الثورات العربية بحل جميع المشاكل، ولكن كل ما تقوم به تلك الثورات هو الكشف عن وجود تلك المشاكل التي ظلت تحت السطح لفترات طويلة. لقد كان الشيء الوحيد المسموح له بالظهور على السطح في تلك الفترة هو الإجماع على القائد المحبوب والعداء لإسرائيل والإمبريالية، ولم يكن هناك أي مجال للسياسات والتنوع. لقد صار العالم العربي فاسدا خلف تلك الواجهة، حيث نشهد الآن عودة هذا القمع».
يشير صاغية إلى أن الأمر شبيه بطفل قام أبواه بضربه وحرمانه من التعليم لمدة 50 عاما، ثم قرر هذا الطفل أخيرا الرد على تلك الأفعال، وأضاف صاغية: «ينبغي علينا، من الناحية الأخلاقية، مساندة هذا الحق في الثورة، لكننا يجب أن نضع في الاعتبار أن هذا الرجل يتعرض لصدمة نفسية شديدة".
لذا، دعونا نقدم يد العون بصورة ذكية وإنسانية، ولكن من دون أوهام بأن هذا التحول سيكون بمثابة النهاية السهلة أو السعيدة المضمونة.
*نقلا عن "الشرق الأوسط" اللندنية
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات