بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
في سوريا لكل حدث تفسير مناسب!
  24/05/2012

في سوريا لكل حدث تفسير مناسب!

فايز سارة

لا تتفرد سوريا في تعليل الاسـباب الكامنة وراء الاحداث التي تصيبها او تكون وثيقة الصلة بها. فهذا امر موجود في كل الدول وتقوم به كل الحكومات، لكن الخصوصية السورية في هذا الجانب انها تجد اسباباً تناسبها، تكاد تكون مفصلة على مقاس السلطة لتفسير كل حدث وفي اي مستوى كان. ومسار كهذا ليس جديداً في السياسة السورية، بل هو متأصل منذ زمن بعيد، وإن يكن في هذه المرحلة، صار ظاهراً وشديد الوضوح أكثر من اي وقت مضى بفعل الازمة التي تواجهها البلاد.
ان الابرز والاكثر راهنية في السـلوك السوري اعلاه، يظـهر في موضــوع الازمـة القائمـة التي تعـيشها البلاد منذ آذار 2011، والتي تجـد لهـا تفســيراً رسمياً، بانها متصلة بأدوات محــلية، اساسها مسلحـون وعصابـات اصوليـة ارهابيـة، تمارس العنف والقـتل في اطار مــؤامرة دولـية، هـدفها الضغط على سوريا ودفعها لتغـيير مواقفها وسياساتها.
وكما هو واضح في التفسير السابق الذي يقدم سياقاً كامل المحتويات، يتم تجنب الاشارة الى العوامل الداخلية، الا بما يخلي مسؤولية النظام عن اي من اسباب الازمة، وبما يلقي بالعبء على الخارج، وكلها تؤكد براءة النظام، وتجريم الآخـرين، والتشــكيك ضمناً بأي تفسيرات اخرى، يمكن ان تتناول الازمة القائمة باعتبارها ذات صلة وروابط بالتــطور العـام في بنية الدولة والمجتمع اللذين يحكمهما نظام من طبيعة خاصة، يترك بصماته الثقيلة في الحياة السورية بجوانبها السـياسية والاقتصادية والاجتماعية.
واذا كان سلوك النظام في تعامله مع الازمة على هذا النحو في توصيف الازمة، فمن الطبيعي انه يسير على النحو ذاته في التعامل مع حيثيات وتفاصيل الازمة. فكل من يقتل في سوريا، انما يقتله المسلحون واعضاء العصابات الارهابية المسلحة، وان من يقوم باعمال العنف الجماعي والتفجيرات جماعات اصـولية متطرفة، يقع تنظيم القاعدة في اطارها تلميحاً او تصريحاً، وعلى هؤلاء تقع مسؤولية ما يلحق بالسوريين من اضرار مادية تصيب مدنهم وقراهم، فتدمر البيوت والمحال التجارية ومصادر العيش والبنية التحتية من شبكات ماء وكهرباء وهاتف، وهي التي تمنع الانتقال الآمن للمواطنين على الطرقات العامة. انها باختصار السبب في كل ما يقع للسـوريين من خسـائر في ارواحهم وما يصيبهم من كوارث تحيط بحياتهم. وفي المرات القليلة، التي منعت الوقائع العنيدة، تحميل نتائج ما يحصل للمسلحين والجماعات الارهـابية، جرى تحميل الاجهزة المختصة (في اشارة الى القوى الامنية والعسكرية) المسؤولية، لكن في اطار تصديها للمسلحين الذين احتموا بالمدنيين او اندسوا في صــفوفهم على نحو ما تفسر عمليات اطلاق الرصاص على التظاهرات.
والمسلحون والعصابات الارهابية لا يتحملون وحدهم مسؤولية ما يحصل في سوريــا، بل ثمة شــركاء لهم في المحيط الاقليمي والدولي، وطبقاَ للرؤية الرسمـية، فان الدول المحيطة تمرر الاسلحة والارهابيين للداخل من اجل استمرار العنف وتصعيده، بل ان ثمة اشارات صريحة، صدرت حول دول بعينها، توفر اماكن لتدريب وتهيئة المسلحين كما توفر لهم دعماً تسليحياً ومالياً، وتنضم هذه الدول الى اخرى ابعد منها، لتنضوي جميعاً تحت تهمة توفير غطاء سياسي لما يجري من احداث عنف داخلية الى جانب سعيها لفرض عقوبات دولية في اطار الحرب على سوريا، واستنادا الى ذلك يتم تفسير بعض الاحداث، ومنها نقاشات الازمة السورية في بعض المنابر الدولية، والقرارات والتقارير الصادرة عن بعض المؤسسات الدولية الطابع حول الازمة في سوريا، ومثلها العقوبات الدولية، التي تم اقرارها في اكثر من مستوى وهيئة، وقد عزت السلطات السورية اليها بعض مشاكلها، كما هو الحال في ازمة المحروقات، التي تكرر ظهورها مرات في الاشهر الاخيرة، وقيل ان العقوبات التي تم فرضها على البلاد سببها، كما نسبت الى العقوبات الدولية اسباب ارتفاع اسعار المواد الاساسية والخدمات بما فيها خدمات تقدمها الدولة للسوريين.
لقد كرست السلطات السورية منذ وقت طويل عوامل الآخرين في الداخل وفي الخارج بدرجة او باخرى بصفتهم المسؤولين عما تعيشه سوريا من احداث جسيمة ومشاكل وما تواجهه من تحديات وازمات، هدفها الايقـاع بالنظـام والدولة والمجـتمع، وهـي في ذلك انما كانت تسعى الى تبرئة ذاتها، وعـدم تحـمل اي مسؤولية بما في ذلك المسؤوليات الواضحة والصريحة، التي تترتب على ادارتها الخاطئة والفاسدة للدولة والمجتمع على مدار عقود من السنين، وهو ما تتجنب السلطات الاعتراف به خوفاً من ان يجرها الاعتراف بخطأ الى الاعتراف اللاحق باخـطاء اخرى، هي في غنى عن تحمل تبعاتــها، ما دام ثمــة آخرون من خصوم الداخل والخارج، يمكن القاء المسؤولية عليهم.
لقد كرست تلك السياسة نهجاً رسمياً في الحياة السورية، يجعل السلطات خارج اي مسـؤولية، وبالتالي خارج المحاسبة عما يجري في طول البلاد وعرضها ليس في القضايا الكبرى والمهمـة فقط، وانما في أصغر الموضوعات واقل القضايا اهمية، وهو امر قائم في المؤسسات كما في المسؤوليات الصغرى في الادارة وصولاً الى اعلى المستويات واكبر المؤسسـات في السلطة!

كاتب وناشط ـ سوريا
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات