بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الرموز الوطنية السورية في مهب الريح..!!
  17/06/2012

 الرموز الوطنية السورية في مهب الريح..!!


تحظى قيمة الرموز الوطنية بأهمية بالغة لدى أفراد الوطن (أي وطن) لما تمثله من هوية خاصة تميز وطنهم عن غيره من الأوطان، فمن المعلوم أن لكل وطن رموزه الخاصة التي يدافع عنها ويبذل في سبيلها التضحيات، ومن الرموز الوطنية التي أصلها نظام الاستبداد في المجتمع السوري يُمكن الإشارة إلى النشيد الوطني وعلم الدولة والحزب الحاكم ورئيس الدولة. أما بالنسبة للنشيد الوطني فهو الذي يُفترض أن تدور كلماته حول محبة الوطن وأحداثه العظيمة التي تمثل الدافع الدائم للاعتزاز به وبتاريخه المجيد، فالنشيد الوطني السوري ليس مجرد كلمات تغنى بقدر ما يُفترض به أن يكون محرضاً داخلياً لدى أبناء الوطن يشعرهم بمكانته وارتباطه بوجودهم. غير أن المستقرئ لواقع المجتمع السوري بعد الثورة يكتشف أن كلمات النشيد الوطني التي تُمجد حرية الفرد والمجتمع، وتعزز الكرامة الإنسانية والانتماء، لم تعد تفعل فعلها في نفوس الشباب بعد الثورة، وذلك بسبب الممارسات القمعية التي يُمارسها النظام السياسي السوري اتجاه الشعب، والتي تؤكد في مجملها أنها لا تعكس أية كلمة من كلمات النشيد الوطني التي تدور حول مجموعة من القيم كالحرية والانتماء والكرامة وغيرها، فما قام به النظام من انتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية شكل اتجاهات سلبية لدى الشباب نحو قيمة النشيد الوطني التي استباحها النظام في طول البلاد وعرضها، فكان لا بد من إعادة صياغة مفهوم جديد لهذا النشيد ينسجم مع معايير الثورة، وليس مع المعايير التي يفرضها النظام الديكتاتوري الحاكم.
وما ينطبق على النشيد الوطني ينطبق كذلك على عَلَم الدولة الحالي الذي يُفترض أن يكون رمزاً لهوية الدولة ووطنيتها وسيادتها، غير أن ما أصاب الدولة من تفكك وانهيار وتمزق نتيجة الممارسات القمعية للنظام، أدى إلى تبعيتها لدول أخرى على أسس لا تنسجم مع الوطنية السورية، إضافة إلى عدم احترامه قيمة الإنسان السوري وكرامته، وعدم احترام حقه في الحياة والأمن والسلامة.. وغير ذلك مما نصت عليه العهود والإعلانات والمواثيق الدولية. كل ذلك أدى إلى بلورة توجهات سلبية لدى الشعب نحو علم الدولة، بعد أن كشفت الثورة أن العلم لم يعد يُمثل رمزاً لهوية الوطن وسيادته، وخاصة بعد أن قام النظام الحاكم برفعه على الدبابات والمجنزرات والآليات العسكرية التي استخدمها لقمع التظاهرات السلمية، وقصف بها المدن والقرى السورية المنتفضة ضد مظاهر الاستبداد والطغيان والحرمان، مما دفع المواطنون إلى رفع علم الاستقلال الذي أصبح يُمثل بفعل الثورة رمزاً لهوية الوطن السوري الساعي إلى الحرية وتقرير المصير. أما بالنسبة لحزب البعث الحاكم الذي نصّبه النظام قائداً للدولة والمجتمع منذ أكثر من أربعة عقود، فقد أزالت الثورة عن وجهه القناع الأخير، وبينت بشكل جلي زيف ما كان يدعيه من نضال سياسي واجتماعي واقتصادي، وأنه نصير الفلاحين والكادحين وصغار الكسبة، كما فضحت الكثير من أعضائه ممن شاركوا في قتل الشعب السوري أثناء الثورة، وكانوا السبب في الكثير من عذاباته وآلامه.. هذا الحزب الذي عمل طوال سنوات حكمه على تزييف وعي المواطن السوري، وخاصة في القضايا التي تبناها كأهداف كان يدعي أنه يسعى إلى تحقيقها، فلا حقق الوحدة ولا الحرية ولا الاشتراكية. فمنذ نيف وأربعون عاماً وهم يُحدثونا عن هدف الوحدة، وعند أول اختبار لما يدعونه عن الوحدة، مزقوا النسيج الوطني والوحدة الوطنية، فضلاً عن تمزيق الوحدة العربية التي لا يريدونها أصلاً.. أربعون عاماً ونيف لم يكفون عن الحديث عن هدف الحرية، وعند أول اختبار أيضاً استلبوا الحرية بجناحيها (التفكيري والتعبيري)، وراحوا يقتلون ويعتقلون وينتزعون الحناجر ويسلخون الجلود الآدمية، كل ذلك بمجرد أن فناناً نطق ببعض الكلمات من قبيل (يلا أرحل يا بشار) أو رسم رسماً كاريكاتورياً سخر فيه من نظام الاستبداد.. ثم أربعون عاماً ونيف وهم يتحدثون عن هدف الحزب الثالث المسمى الاشتراكية، فإذا بالثورة تكشف لنا أن الاقتصاد كله بأيدي مجموعة من اللصوص والسماسرة وتجار الوطن، وأن الجامعات التي يُفترض أن تكون المثل الأعلى في المجتمع قد استولى عليها مجموعة من الخارجين عن القانون والمتاجرين بقيمة العلم. لكل ذلك أيضاً تشكلت اتجاهات سلبية لدى الشعب السوري نحو حزب البعث الحاكم، ولم تعد كلمات مثل الحزب القائد والحزب الثوري والحزب الملهم، كلمات يستسيغها الشباب السوري، بعد أن شاركت فروع الحزب في المدن السورية كافة بقمع المظاهرات الطلابية السلمية. أما بالنسبة إلى قيمة رئيس الدولة ومكانته ورمزيته، فإن المتتبع لما يصدر من مقالات وشعر وفنون شعبية غنائية وغيرها يُدرك أن الثورة استطاعت أن تسقط شرعية الرئيس ورمزيته، وكل ما كان يحيط بمكانته من قداسة مزيفة، فضلاً عن الشعارات التي يُرددها الثوار في مظاهراتهم السلمية، والتي تؤكد في مضامينها فقدان الرئيس لمكانته ورمزيته، بسبب الجرائم التي تم ارتكابها في عموم الجغرافيا السورية، والتي وصفتها الكثير من الهيئات الدولية بأنها جرائم حرب ضد الإنسانية.
د. صابر جيدوري: كلية التربية – جامعة دمشق

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات