بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
مؤتمر الإنقاذ .. مَن ينقذه؟
  26/09/2012



مؤتمر الإنقاذ .. مَن ينقذه؟

فواز طرابلسي



من يقرأ وثائق «مؤتمر الانقاذ» الذي انعقد مؤخرا في دمشق بدعوة من «هيئة تنسيق قوى التغيير الديموقراطي» وضم عددا من الاحزاب والهيئات القومية واليسارية والكردية، يصعب عليه الا يصدم للكمية الهائلة من الخلط الذي يمارس على مدى وثائق ليست بالطويلة وخطب قليلة. ولسنا نتجنى على احد اذا وصفنا ما بين ايدينا من وثائق وخطب تنطوي على كم مدهش من المبادئ والاهداف والشعارات المضخمة سرعان ما تلقى مصرعها امام نقائضها، ومن المراحل المتداخلة المقولات والمقترحات المطروحة على عواهنها بما فيها من تناقض وتضارب بما يستبعد تصديقها. الا اننا امام عيّنة مما ساد المعارضات العربية في مرحلة ما قبل الثورات من فوات في المفاهيم والرؤى لا يمكن الا ان يقود الى مثل البون الشاسع الذي نشهده بين الكلمة والفعل والقول والعمل والهدف ووسائل تحقيقه. ولا بد من ان نضيف انها تقود الى نمط من التدليس للموقف الفعلي تحت ركام من العموميات والتوريات والشعارات المتوّرمة على سبيل «التكتيك» واستدراج العطف الجماهيري.
يطالب المؤتمر المبعوث العربي والاممي بالعمل لعقد مؤتمر دولي حول سوريا تشارك فيه جميع الاطراف المعنية للبحث في البدء «بمرحلة انتقالية الى نظام ديموقراطي تعددي». لكنه يدعو في الوقت نفسه الى حل داخلي بدعوته اطياف المعارضة في الداخل والخارج للعمل المشترك في سبيل تغيير ديموقراطي جذري - يحقق مطالب الشعب في ثورته (والتشديد على ثورة شعبية) - ويحافظ على وحدة سوريا - ولا يتم الا «بإرادة السوريين انفسهم وبأيديهم».
ولا يكتفي المؤتمر بالدعوة الى «التغيير الديموقراطي الجذري الشامل». انه يدعو ببساطة الى «اسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته» والى انتزاع الجيش النظامي من يد السلطة وإعادة هيكلته ليمارس دوره في استعادة الاراضي المحتلة وحماية أمن سوريا. لست ادري لماذا تتردد معظم المعارضات عن تسمية الاراضي السورية المحتلة باسمها - الجولان - ولماذا لا تعلن العزم على «تحريرها» بكل الوسائل، بما في ذلك العنف الذي تكفله لها كل المواثيق والعهود والمعاهدات الدولية؟! لكني لن انفك اسجل هذه الملاحظة.
لا يجب ان يتفاجأ القارئء الساذج بأن كل الدعوات الى اسقاط الرموز والمرتكزات وانتزاع القرار من السلطات واعادة الهيكلة للجيوش (لا لاجهزة الامن؟!)، ليست تستوجب اي اجراء عملي، ولو كان مجرد التمني على «الرمز الاول» للنظام بأن يتنحى، مثلا.
يبدو ان «الاسقاط» سوف يتم بحوار في موسكو في منتصف تشرين الاول المقبل - اي بعد لا اكثر من ثلاثة اسابيع - بين المعارضة وممثلي النظام «ممن لم تلّوث ايديهم بالدماء والفساد». ومع أن الحوار سوف ينعقد «من دون شروط مسبقة»، سيكون من الطرافة بمكان الاطلاع على اللائحة التي سوف تضعها المعارضة للاسماء الملوثه ايديهم بالدماء والفساد من الطاقم الحاكم في دمشق.
لا يتردد المؤتمر في تحميل النظام المسؤولية عن العنف، واعتباره ان عنف النظام دفع الى العنف المضاد. بل انه يؤكد ان الجيش السوري الحر قد «تشكل بشكل عفوي» وبمحض وازع «اخلاقي» دفع افراده الى الانشقاق لرفضهم استخدام القوة العسكرية ضد «المناضلين السلميين». وفي ذلك تبرئة واضحة من تهمة «الارهاب»، التي يسوقها ضده النظام، ومن الادعاء أنه ينفذ «أجندات خارجية». الا ان المؤتمر لا يلبث ان يطالب «قوى النظام بوقف العنف فوراً والتزام المعارضة بذلك فورا وذلك تحت رقابة عربية ودولية مناسبة». فيساوي بذلك بين عنف النظام، المطلوب اسقاطه بكل رموزه ومرتكزاته، لممارسته العنف ضد «المناضلين السلميين»، وبين عنف يمارسه «الجيش الحرّ» الذي اوكل اليه المؤتمر مهمة الدفاع عن سلمية الثورة.
منذ وقت مبكر، انقسمت المعارضة السورية بين داخل وخارج حول مسألتين. الاولى تتعلق بما سمّي «التدخل الخارجي» والمعني به أساسا التدخل العسكري الخارجي. والطريف ان معارضتي الداخل والخارج، خلا استثناءات قليلة معظمها فردي تستحق التقدير والاعجاب، التقتا على توقّع حتمية التدخل العسكري للولايات المتحدة والحلف الاطلسي. فرحّب المجلس الوطني السوري، في الخارج، بالتدخل بل دعا اليه جهارا، بينما استنكرته هيئة التنسيق لقوى التغيير الديموقراطي واعتبرت موقفها هذا بمثابة علامة تفارق اساسية داخل المعارضة. لم يحصل التدخل العسكري لاعتبارات تستوجبها قراءة دقيقة للاستراتيجية والمصالح الاميركية، مررنا عليها مرارا من قبل. ولا يزال مثل هذا التدخل مستبعدا في الامد المنظور. وهو لو حصل، بهذا الشكل او ذاك، لما برّر اطلاقا الزعم بأن التدخل العسكري موضوع على جدول اعمال القوى الغربية منذ البداية.
اما المسألة الخلافية الثانية فدارت مدار ما سمّي بـ«عسكرة الثورة» في مقابل «سلميتها». وهذا الخلاف لم يبق منه ما يستحق الذكر ما دامت هيئة التنسيق والقوى المشاركة معها في «مؤتمر الانقاذ» اقرّت بأن العنف الذي مارسه النظام قد استدعى العنف المضاد. نقول ذلك مع التحفّظ لأن مواقف الهيئة لا تزال مضطربة من حيث الموقف من العسكرة، فساعة تجدها تطورا املاه «الحل الامني» وتارة تحلم بالعودة الى «السلمية» كأن العسكرة كانت مجرد ارادة قادر وليست وجوبا واجبا.
بينما عدا ذلك، بات لروسيا، ومعها الصين، معارضة. يمكننا ان نسمّيها المعارضة الرقم اثنين، على اعتبار ان المعارضة الرقم واحدا قد استهلكت في الانتخابات النيابية وفي تشكيل وزارة «الاتحاد الوطني». ومعلوم ان النظام أجاز عقد المؤتمر بطلب من روسيا والصين، والمؤتمر بدوره ردّ اول تحية بأحسن منها عندما ازال الحرم عن التعاطي مع ايران الذي وضعته سائر اطياف المعارضة، فدعا السفير الايراني الي حضور مداولاته. وبالرغم من تعهد الحكومتين الروسية والصينية بحماية المؤتمر وامن مندوبيه، لم تقاوم مخابرات سلاح الجو اغراء اخذ مؤونة من ثلاث رهائن من اعضاء هيئة التنسيق، عند خروجهم من المطار - عائدين من اين؟ من ييجين! - بينهم عبد العزيز الخيّر، مسؤول العلاقات الخارجية في الهيئة واحد المنظمين الرئيسيين للمؤتمر. هكذا على سبيل الاحتياط.
لنعد الى الراهن ولنقارن بين اللائحة الطويلة من المشاريع والمقترحات والاهداف والمراحل الانتقالية التي بسطها «مؤتمر الانقاذ» وبين تقرير الاخضر الابراهيمي عن آخر لقاء له مع الرئيس الاسد. قال المبعوث العربي والاممي في خطابه امام مجلس الامن وفي احاديثه الصحافية اللاحقة، وهو المعروف بأنه لا يهذر في الكلام، ان الرئيس الاسد يريد «عودة الامور الى الوراء» بينما المطلوب التقدم الى امام. فما رأي مؤتمري الانقاذ، دعاة «اسقاط النظام والتغيير الجذري الديموقراطي الشامل» في هذه المساهمة الايجابية نحو الحوار الوطني؟. ويقول المبعوث العربي والاممي ان الرئيس يعتبر انه يطارد مؤامرة خارجية ادواتها الداخلية «المجموعات الارهابية المسلّحة» بينما اكد المؤتمر ان الرئيس، الرمز الاول للنظام المطلوب اسقاطه، مسؤول عن مبادرة اللجوء الى العنف، فاستدعى العنف المضاد.
قلنا انه بات لروسيا معارضة، لنسمّها «حليفة». لكن السؤال: هل النظام السوري، وقد انكر رمزه الاول انه هاجم السعودية وقطر في حديث شهد عليه تسعة صحافيين مصريين، هل يقف حقاً مع الحليف الروسي والحل الروسي؟
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات