بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
جرمانا بين خيارين: رسالة أو صندوق بريد
  27/12/2012

جرمانا بين خيارين: رسالة أو صندوق بريد


ماهر شرف الدين – كلنا شركاء

فور وصول الحراك في السويداء إلى مرحلة الزخم، حيث للمرّة الأولى تحصل بعض العمليات العسكرية، مع حراك مدني لافت من مظاهرات وقطع طرقات (وشاء عزرائيل أن يكون خفيف الدم فيختطف روح الشيخ الشبّيح حسين جربوع ما زاد في ذعر رجال النظام في السويداء وكأن في ذلك إنذاراً سماوياً)، أصدرت «جبهة النصرة» بياناً تتوعّد فيه أهل السويداء بالويل والثبور!! (لم تُصدر «جبهة النصرة» أي بيان ضدّ أهل السويداء إلا في اليوم الذي تحرّكوا فيه ضدّ النظام!).
هذه اللعبة المخابراتية سبق أن طبّقها النظام مطلع الثورة بعد أيام من اندلاعها في حوران وخروج مظاهرة كبيرة في السويداء مؤيّدة لها، حيث قام شيخ مخابراتي في درعا بإلقاء خطبة طائفية ضدّ أهل السويداء وبناتهم ورمزهم سلطان الأطرش.
سيتساءل القارئ الآن: وما علاقة ذلك بجرمانا؟
في عددها الصادر يوم 14 كانون الأول 2012 قالت جريدة «السفير» إن من أهداف هجوم الجيش الحرّ على دمشق «السيطرة على جرمانا (…) كخطوة لتهجير أبنائها»!!
فحوى هذا الاستشهاد الذي أستلُّه من إحدى «أرصن» الوسائل الإعلامية الموالية للنظام الأسديّ، بات لازمةً مكرورةً في الدعاية الطائفية للنظام:
الثورة عبارة عن ميول إجرامية لدى الأكثرية لذبح الأقليات! وهجوم الجيش الحر على دمشق ما هو إلا محاولة لطرد الدروز من جرمانا!
حتى السيد حسن نصرالله (خطاب 16 كانون الأول 2012) حين أراد أن يُدين أعمال الجيش الحر تحدّث عن «جغمانا»! (لا نعرف أين كان هذا الحنان لدى السيد نصرالله تجاه الدروز حين هاجم مقاتلوه الشويفات وحاولوا الهجوم على الشوف في أحداث أيار 2008!).
لا يتحدّث توأم الكذب (ناصر وغالب قنديل) أو رفيق نصرالله وبقية الأبواق الأسدية عن الجيش الحر وإلا وجرمانا هي الكلمة المفتاح في خطابهم الطائفي المليء برسائل التخويف والتهويل. والحقيقة أنه لم يكن لجرمانا أن تتحوَّل إلى العلكة المفضَّلة في فم هؤلاء لولا ذلك السكَّر الطائفي السامّ الذي تُفرزه عملية المضغ في وسائل الإعلام الدائرة في فلك النظام.
مسألة جرمانا – إذا جاز التعبير – هي مسألة حساسة جداً لدى النظام لأنها باتت ورقة في يده التي لم يعد فيها الكثير من الأوراق. لذلك لم يغفر لي الإعلامُ الأسديُّ إلى اليوم المقالَ الذي نشرتُه قبل أشهر في موقع «كلنا شركاء» حول تفجيرات جرمانا، والذي قدَّمتُ فيه 6 معطيات تُرجِّح أن نظام بشار الأسد هو من قام بهذه التفجيرات (المواقع التابعة للمخابرات السورية، كلما حدث تفجير جديد في جرمانا تشنُّ هجوماً شخصياً ضدِّي معتبرةً مقالي المذكور «شعوذة»).
سيتساءل القارئ مجدداً: لكن لماذا تحصل التفجيرات في جرمانا وليس في السويداء؟
تُشكِّل جرمانا (أصل التسمية آرامي معناه: الرجال الأشدَّاء) أكبر تجمُّع سكانيّ لدروز سوريا خارج جبل العرب، معقلهم الرئيسي، وفي هذا المعنى تكتسب أهميتها من كونها ميزاناً لقياس درجة الحرارة الأهلية. فالدروز فيها يختبرون العيش وسط المحيط «الأكثري» الذي يريد النظام أن يُفهمهم بأنهم قَتَلَتهم المستقبليون. لذلك فهذه المدينة هي المكان الأنسب لدى النظام لتوجيه الرسائل الطائفية إلى دروز سوريا على شكل انفجارات دموية.
لو حصلت مثل هذه التفجيرات في السويداء فربما أدت إلى مفاعيل عكسية تحريضية ضدّ النظام لأسباب عديدة على رأسها أن شعور أبناء السويداء بالتهديد هو أقل بكثير من شعور أهل جرمانا بالتهديد الداهم، بسبب منعة وسِعة الجبل وقدرته الأكيدة على الدفاع عن نفسه، بينما تبدو جرمانا جزيرةً صغيرةً معرّضة في أي لحظة للفتك بها. كما أن الحراك في السويداء هو حراك محدود وليس ضعيفاً وهو قابل للاتساع في أي لحظة، بينما هو في جرمانا ضعيف ومحدود في الوقت نفسه.
وكي نفهم العقلية الأمنية التي تُدير ما يمكن تسميته بـ«ملف المخاوف» في السويداء وجرمانا، علينا العودة إلى سلسلة التفجيرات الأولى التي حصلت في جرمانا في شهر آب الفائت. ففي يوم الانفجارات نفسه قامت شرطة المرور في السويداء بتعميم قائمة بأرقام وأنواع ومواصفات 10 سيارات زعمت بأنها مفخَّخة تجوب مختلف أنحاء السويداء!
بتحليل بسيط: انفجارات حقيقية في جرمانا، وشائعات عن انفجارات مرتقبة في السويداء.
هذا الفارق بين ما حصل في المدينتين سببُه الفارق بين طبيعتَي الموقعين اللذين تشغلهما المدينتان. النظام يفهم ذلك فيكون حذراً جداً في السويداء وطليق اليدين في جرمانا. فالنظام الأمني الأسدي يدرك جيداً مخاطر اللعب في السويداء (المحتارة والمتردِّدة تجاه الثورة) لذلك لا يُسلِّمها رسائله بشكل مباشر، بل عن طريق صناديق بريد أكبرها وأخطرها مدينة جرمانا.
وحقيقةً لا أريد أن أجزم بأن كل ما حصل من انفجارات في جرمانا هو من صنع النظام، لكن التنسيق الظاهر بين تلك الانفجارات المتكرّرة مثير للريبة!
فالانفجار لا يأتي واحداً، بل على شكل سلسلة من الانفجارات المتتالية في أوقات متقاربة!
والانفجارات لا تُطاول أماكن وجود الشبيحة، كحواجز اللجان الشعبية مثلاً!
والفارق بين سلسلة وسلسلة من التفجيرات يكاد يكون مضبوطاً على ساعة في يد حكم رياضي.
ثم إن جرمانا هي الوحيدة التي يحصل فيها هذا النوع من الانفجارات المتسلسلة التي يبدو بأن صانعيها مرتاحون يضعون لها التوقيت الذي يريدونه.
ناهيك عن أن المخابرات السورية قد روَّجتْ عبر المواقع التي تدور في فلكها بأن السبب في استهداف جرمانا هو رفض أهلها لمطالب مسلحي الجيش الحر بالسماح لهم بالمرور من المدينة!! والسؤال البديهي الذي يدحض هذه الأكذوبة: ما دام المسلحون قادرين على إدخال خمس سيارات مفخخة إلى قلب جرمانا في يوم واحد فما حاجتهم إلى إذن للمرور عبر المدينة؟!
إن جهةً واحدةً لم تستفد من تفجيرات جرمانا حتى اليوم إلا النظام الذي يعتقد أن ما يزرعه في جرمانا يحصده في السويداء، حيث أنه يلجم بذلك احتمال تحوُّل الحراك الشعبي المحدود إلى حراك جارف يتصل بحراك سهل حوران فيجعل من دمشق جزيرة معزولة ومطوّقة.
الفكرة الأمنية التي أراد النظام ترسيخها في أذهان أهل السويداء هي أن «الاستقرار» امتيازٌ يمكن أن يُسحب منهم في أي لحظة، والدليل جرمانا التي بات الناس فيها يخشون السير في الطرقات.
والحقيقة إن الفارق الوحيد بين المجازر التي ارتكبها النظام بالأكثرية والمجازر التي ارتكبها بالأقليات، هو أنه في الثانية يقوم بذرف الدموع.
لقد عاش أهل جرمانا منذ مطلع القرن العشرين كجزء لا يتجزأ من نسيج الريف الدمشقي، وقد كان لهم دورهم الكبير في معارك الثورة السورية الكبرى، وخصوصاً معركتَي الزور الأولى والزور الثانية.
واليوم أبناء معروف في سوريا يقفون بين خيارين: فإما أن تكون جرمانا رسالة إلى السوريين، وإما أن تكون صندوق بريد يستعمله النظام الأسديّ.
إما أن تكون رسالة إلى السوريين بأن الدروز جزء لا يتجزأ من الثورة السورية والألم السوري والحلم السوري، وإما أن تكون صندوق بريد يستعمله النظام لإرسال رسائله القاتلة إلى أبناء معروف.
الصورتان اللتان أنشرهما مع هذا المقال هما على التوالي: الأولى لشهداء من جبل العرب في معركة المسيفرة بحوران سنة 1925، والثانية لشهداء من جبل العرب في معارك دمشق. لقد روت دماء أبناء الجبل كل المناطق السورية. حتى مدينة حماة التي يُهوِّل النظام بـ«تطرّفها» على الأقليات، للدروز فيها شهداء عدة قاتلوا مع فوزي القاوقجي في معركة قيماس سنة 1927.
هذه هي المرّة الأولى في سوريا التي يكون فيها الدروز في الصفوف الخلفية للثورة متردِّدين حائرين ينتظرون وصول الرسالة السخيفة المسمَّاة «تطمين الأقليات»!
ضبّاط السويداء الخمسة الذين يقاتلون الآن في صفوف الجيش الحر (العقيد مروان الحمد، المقدّم حافظ فرج، النقيب جبران الحلبي، الملازم أول خلدون زين الدين، الملازم أول مهند العيسمي) وحوالى 90 عسكرياً من صف ضباط ومجندين موزّعين في مختلف الأراضي السورية (آخر من التحق بهم الرقيب كنان الشعراني)، إضافة إلى الشهداء العسكريين الثلاثة (الرائد حسام حرب ابن القريَّا بلدة سلطان الأطرش، الرقيب أول مجد الزين الذي استُشهد في الرستن، والمجنّد ناصر بشارة الذي استشهد في بصرى الشام يوم عيد الميلاد وهو من مسيحيي السويداء)… هؤلاء سيحفظون ماء وجه الجبل.
بعد البيان المشبوه لـ«جبهة النصرة» ضدّ أهل السويداء، أخشى أن العقول الإجرامية التي تُدير النظام بدأت تفكر بتسليم السويداء الرسائل الأمنية مباشرة بدون صندوق بريد (راجعوا بيان العقيد الحر أكرم خليف الذي يردّ فيه على بيان «جبهة النصرة»).

إذا لم نعرف كيف نمنع ساعي البريد القاتل من استخدام جرمانا كصندوق بريد، فعلينا أن نُشمِّر قريباً عن زنودنا للمّ أشلاء ضحايانا التي ستتناثر في ساحات السويداء جراء انفجار السيارات العشر التي قال بيان شرطة مرور السويداء – قبل أشهر – إنها تجوب أنحاء المدينة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات