بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سورية – جبهة النصرة: الخطأ الأميركي
  09/02/2013

سورية – جبهة النصرة: الخطأ الأميركي



توماس بييريه


كتب توماس بييريه، الصحفي البلجيكي، متن المقالة أدناه بعد يومين من القرار الأميركي بإدراج «جبهة النصرة لأهل الشام» في القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية. وقد خص موقع «مجموعة الجمهورية» بهذه المقدمة القصيرة للمقال الذي نقلته مشكورة من الفرنسية إلى العربية السيدة روا بتشيتو.
كتبتُ هذا النص بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الأميركية عن قرارها بإدراج «جبهة النصرة» على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية.
مضى شهران منذ ذلك الوقت، ومازلت مقتنعاً أن هذا القرار سيء ومضر. وهناك مصادر متطابقة تؤكد اليوم أن تجريم «جبهة النصرة» قد أدى إلى انخفاض تسليم الأسلحة الموجهة إلى جميع الجماعات المسلحة التي تقاتل في شمال البلاد، وبما فيها الجيش الحر.
ولأن هذه الجماعات المسلحة تقود عمليات عسكرية بالتعاون مع «جبهة النصرة»، فمن المحتمل أن الولايات المتحدة الأميركية قد مارست بعض الضغوطات على بعض حلفائها في المنطقة، ومن بينهم دولة قطر، وذلك حتى يتوقفوا عن تسليح هذه الجماعات.
وللسبب نفسه فإن الهِبات الفردية التي تبرع بها البعض في دول الخليج قد خفّت لأن أصحابها فضّلوا توجيه مساعداتهم للمجال الإنساني حصراً، بدلاً من المجازفة والوقوع تحت طائلة القانون الأميركي المضاد للإرهاب.
لذلك فإن هذا القرار ضد «جبهة النصرة» يوضح، مرة أخرى، الرأي القائل أن السياسة الأميركية فيما يخص سوريا تساهم في إطالة عمر نظام الأسد، مما يؤدي بالنتيجة إلى استمرار الصراع الذي يخرب البلد حالياً.
توماس بييريه
8  02 – 2013
***********
القرار الأميركي الذي أعلن عنه أمس بإدراج «جبهة النصرة» إلى قائمة المنظمات الإرهابية العالمية خطأ قد تكون له نتائج مفجعة.
قد تصيب الولايات المتحدة الأميركية بتأكيدها على أن «جبهة النصرة» مرتبطة بالقاعدة التي لم تقر بشكل صريح بـ«جبهة النصرة»، ولكن هذه الأخيرة حصلت على التأييد من موقع «شموخ الإسلام» الذي يعتبر مرجعاً في الأوساط السلفية الجهادية.
من ناحية أخرى، تميزت «جبهة النصرة» عن باقي الجماعات المسلحة السورية بتبنيها تفجيرات استهدفت مواقع عسكرية وأمنية متواجدة في مناطق سكانية دون أي مبالاة بإمكانية تواجد مدنيين في هذه الأماكن.
وأخيراً، فإن الخطاب الطائفي لعناصر في «جبهة النصرة» يبعث على القلق بلا أدنى شك.
ولكن حديثي هنا ليس بغاية قياس الجانب الأكثر أو الأقل إرهاباً لـ«جبهة النصرة». إنما أريد تحديداً التوقف عند هذه النقطة: القرار الأميركي بإدراج جبهة النصرة لقائمة الإرهاب غير مناسب سياسياً.
أولاً، إن تسجيل جبهة النصرة على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية هو هدية رائعة تُقدم للأسد الذي وصّف معارضيه بالإرهابيين الإسلاميين، وذلك من أول أيام الثورة. النظام السوري كان يتمنى بحدة أن يواجه الجهاديين بدلاً من مواجهته لحراك ديمقراطي، ولذلك في الأسابيع الأولى من انطلاق الحراك قام النظام بإطلاق سراح بعض الإسلاميين المتشددين، ومنهم من شارك فيما بعد في تشكيل بعض الجماعات مثل «جبهة النصرة». من ناحية أخرى فإن تكوّن هذه الجبهة يبقى غامضاً نوعاً ما، لأن هناك شكوك واضحة بإمكانية تلاعب ما من قبل المخابرات السورية في هذا الموضوع.
وما في الأمر من مفارقة أن القرار الأميركي هو أيضاً هدية تقدمها أميركا لهذه الجبهة نفسها، وذلك لأنها تعطيها كما إضافيا من الصدقية بسبب الحقد المتنامي عند بعض السوريين ضد الغرب.
يتعرض السوريون منذ عامين لقمع فظيع، ولقد تركوا لمصيرهم من قبل الجهات الدولية الفاعلة التي تتفرج دون حراك على تدمير مدن كاملة بقصف أرضي و جوي. على المستوى الدبلوماسي، أعطت الولايات المتحدة ولا تزال تعطي مهلا للنظام السوري بتأكيدها على إمكانية التوصل إلى «حل سياسي» عن طريق الحوار مع الروس، وذلك رغم فشلها المتكرر السابق الذي يبّين ويؤكد عدم فائدة هذا السعي. إضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة قد عرقلت تسليم الأسلحة للثوار السوريين بوضعها فيتو على اقتناء الثوار لصواريخ أرض جو هم بحاجة ماسة لها من أجل الدفاع عن أنفسهم ضد طائرات النظام.
في هذا السياق يأتي إدراج «جبهة النصرة» على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية كخيانة كبرى لقسم مهم من الشعب السوري. ويجب أن نفهم جيداً أن هذا القسم المهم من السوريين لا ينظر إلى «جبهة النصرة» الجهادية من وجهة نظر الحرب الأميركية ضد الإرهاب، وهذا أمر لا يعنيهم في الظروف الحالية. إنهم ينظرون للجبهة من وجهة نظر واقعهم اليومي. وفي هذا المنظور «جبهة النصرة» ينظر إليها كجماعة تدافع عن الناس ضد قوات الأسد، وذلك بسبب فعاليتها القوية على المستوى العسكري.
بالتأكيد، أثارت «جبهة النصرة» في البداية نوعاً من النبذ والرفض لها وذلك بسبب الشكوك المبنية على فكرة أنها لعبة من النظام، وبسبب الضحايا المدنية الكثيرة التي تسببت بها التفجيرات التي قامت بها.
ورغم ذلك فإن أموراً كثيرة قد تغيرت في الأشهر الأخيرة بسبب اشتراك «جبهة النصرة» المتنامي بعمليات عسكرية تقليدية، وخاصة في محافظة حلب، حيث شاركت «جبهة النصرة» بحصار بعض المواقع لجيش الأسد وذلك بالتعاون مع بعض الكتائب الأخرى.
بعزمهم على الموت كشهداء يتواجد محاربو «جبهة النصرة» في الصف الأول دائماً وهم يثبتون فيه عن شجاعة تدهش رفاقهم بالسلاح. ونضيف إلى ذلك أن الجهاديين يحظون أيضاً بالمودة بسبب انتظامهم ، وهذا شيء يتعارض مع عمليات السلب والخطف الدنيئة التي تمارسها بعض عناصر الجيش الحر.
الاحترام الذي يتمتع به أعضاء «جبهة النصرة» في بعض المناطق جعلت كتائب أخرى تلجأ إليهم من أجل حسم بعض الخلافات التي تواجهها.
باختصار، اليأس العميق الذي حل بالسوريين بعد سنتين من المجازر جعل من «جبهة النصرة» عاملاً شرعياً بنظر عدد كبير من الناس ليسوا أبداً من المتطرفين: كل ما يهمهم في الأمر هو أن الجهاديين يقاتلون في معسكرهم، بينما باقي العالم تركهم وتخلى عنهم.
وإنه لمن وجهة النظر هذه ينبغي فهم استنكار القرار الأميركي من قبل شرائح واسعة من المعارضة السورية التي، رغم ذلك، لا تقبل بالضرورة بأفكار ومناهج «جبهة النصرة».
وليس القول إن تسجيل «جبهة النصرة» على القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية يمكن أن يقوي شعبية هذه المنظمة مجرد فرضية، إذ أنه يستند إلى بعض الوقائع. البارحة مساءً كنت برفقة معارض سوري منسق لتآلف سياسي وعسكري يجمع بين وحدات مقاتلة من الثوار وناشطين من المجتمع المدني في منطقة حلب. خلال حديثنا، تلقى محاوري رسالة تبلغه بأن أربع وحدات من تآلفه ذاك تتركه للالتحاق بـ«جبهة النصرة».
وأخيراً، من الإشكالات التي يثيرها تجريم جبهة النصرة هو جعل استيعاب بعض عناصرها مستقبلاً، ضمن تيار المعارضة السورية، شبه مستحيل. إن الصعود المتزايد لجماعة النصرة خلال الأشهر الأخيرة المنصرمة وشعبيتها النامية ترجما بتجنيد عدد كبير من السوريين الشبان الصغار، وهؤلاء الشباب ليسوا بالضرورة من المناصرين المتشددين للجهاد الشامل أو لإبادة العلويين. ولذلك فقد كان من الأفضل ترك الباب مفتوحاً أمام هذه العناصر، بدلاً من أن تعزز لديهم الفكرة القائمة بأن العالم بأجمعه يلعب لعبة النظام.
خلاصة: لو كانت الولايات المتحدة تريد حقاً الحد من أهمية التيار السلفي الجهادي في قلب المعارضة السورية، لكان عليها أن تساند وبشكل جدي المكونات الأخرى للمعارضة. ولكنها، أي الولايات المتحدة، رمت تكراراً بهذا الخيار لمصلحة لغو وثرثرات دبلوماسية، رغم معرفتها الجيدة بأنها سوف تؤول إلى الفشل.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات