بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
رسالة إلى جواري الأسد:عذراً إذا خدشنا عبوديتكن بحريتنا
  08/03/2013

رسالة إلى جواري الأسد:عذراً إذا خدشنا عبوديتكن بحريتنا


أورينت نت - لارا المحمد


استفزّ قلمي عددٌ من البوستات التي تمّ نشرها على إحدى صفحات المنحبكجية في الفيسبوك، ففي أحدها ورد مايلي:"الإرهابية أم أحمد، تمّ الدعس ووضع الختم العسكري على رقبتها، إلى جهنّم يا كلبة". وفي آخر: "الإرهابية آلاء فطست في قصف على وكر للإرهابيين في جبلة وهي تطبخ لهم، ولا أضعها على ذمتي إن كانت تفعل لهم شيئاً آخر، إلى جهنم وبئس المصير يا خائنة". وغيرها من المنشورات الأخرى الموقّعة بأسماء إناثٍ لقبّنَ أنفسهن بألقابٍ مهترئة ترتبطُ أكثر ما ترتبطُ بحاكمهن الذي لا يستطعنَ البوحَ خارجَ مقصورتهِ.
هذه البوستات التي بذلت صاحباتها جهداً كبيراً في تسطيرها ليزعقنَ من خلالها مدافعاتٍ عن سائسهنّ الذي لم يلتفتْ لحظةً إلى عقولهن إلاّ ليختمها لهنّ بالشمع الأحمر، ثقبتْ دمي، وجعلتْ من عروقي مرجلاً يغلي. تمنيتُ لحظتها لو أنني أستطيعُ الوصول إلى صاحباتها لأفقأ لهنّ هذه الدماملَ المتقيّحة. فكيف للمرءِ أن يرفضَ حريّته؟ إنّ هذا السؤال الذي طرحهُ انفعالي الشديد هو ذاتهُ الذي خفّف حدّة ذلك الانفعال والتوتر، وجعلني أقف أمام تلك العبارات القبيحة في محاولةٍ لاستقراءِ جوانبَ من شخصيات صاحباتها.
تلك الوقفة التي أدركتُ بعدها أنّ الأمر برمّتهِ خاضعٌ لنمطٍ تربويٍّ معيّن، ولمنظومةٍ أخلاقية ودينية خاصّة نشأت عليها صاحبات تلك البوستات. والفرق بين الواصفة والموصوفة في تلك البوستات هو شعرة معاوية التي تفصلُ بين الحريّة والعبودية. فالشخص الحرّ يرفض أي شيء يمكن أن يهين كبرياءه أو كرامتهُ، ويبقى في هاجسٍ دائم للتخلّص من أي تسلط أو استبداد من شأنه أن يحكمهُ ويتحكّم بحياته. في حين أنّ الشخصية الخاضعة والتي نشأت أصلاً بطريقةٍ مدجّنة في مزارعِ الحاكم، تمّ حقنها بكمّ كبير من المفاهيم المشؤومة التي تعمل على تذليل النفوس وإخضاعها للوصول بها إلى مرحلة الشخص العبد الذي يرتبط مصيره ببقاء حاكمه أو زواله.

غسيل أدمغة
وهذا ما عمل عليه نظام آل الأسد الفاسد طيلة كل تلك الأعوام التي انقضت. إذ حاولَ أن ينشر ظلالَ استعباده في لاوعينا الجمعي، ساعياً وبشتى الوسائل أن يغسل أدمغة السوريين بفكرة القائد الخالد، القائد الرمز المقاوم، الذي يمتلكُ مفاتيح الحقيقة المطلقة، والتي يعمل كلّ حكام العالم على محاربتها وتقويضها. فسعى إلى أن يعمّق جذور تلك المفاهيم ليفتحَ بها هوّةً ينفذ من خلالها إلى عقلية أبناء الشعب السوري.
هذه السموم الملعونة لم تستطع أن تثمر إلا في نفوس أولئك الذين نجح النظامُ في استعبادِ نفوسهم، فاعتادوا حياة العبودية، بل واستساغوا تلك الألجمة المحاطة بأرواحهم، وتعصبوا لحاكمهم وصاروا من أشد المدافعين عن بطشه. إنها لم تترك أثراً سوى في نفوس أبناء الموالين الذين قيّدوا أنفسهم به، وباتوا يرون في سقوط هذا الرمز القائد تهديداً لأمنهم وحياتهم. فامتنعَ أبناء هذه الجماعات الموالية عن الانضمام إلى ركب الحراك ضد الطاغية باستثناء حالات فردية نوجّه لها كلّ الاحترام ، لمجرّد أنّ الحراك انطلقَ من أفنية الجوامع في الوقت الذي لم يجد أبناؤنا الأحرار مكاناً يضمّ عقولهم الحرّة في دولة البعث سوى المساجد، أو لمجرّد أن الهتافات التي كانت تعلو في ساحات الحرية كانت متوجة بصيحات التكبير التي اتخذ منها النظام ذريعةً للطعنِ بقضيتنا التي نسعى إليها.
لذلك علينا ألا نستغرب ما تقمن به أولئك الفتيات من تخوين نسائنا، إذا كنّا قد نشأنَ على طريقةِ السلاطين التي من شروطها تجهيلُ الرعيةِ، والعمل على بثّ الأفكار المغلوطة في أذهانها باعتبار أنّ كلّ ما يصدر عن سلطانهم إنما هو الحقيقة المطلقة، والتي لا تحتاج إلى جدال.

جواري السلطان!
فقد عملَ ذلك النظامُ الفاسد منذ بداية الحراك في سوريا على بثّ الشائعات التي من شأنها أن تبعث الرعب والخوف في نفوس النساء من الجماعات الموالية للنظام. فراح يلفّق القصص التي يُمكن أن تمسّ شرفَ أولئك النسوة بغرضِ إثارة نعراتهن الحاقدة تجاهَ نسائنا اللاتي قطعن السلاسل وخرجنَ في طلبِ حريّة الأرض والإنسان.
وقد ساعد نمطُ البيئة الاجتماعية المنغلقة على نفسها، المتعصبة تجاه الآخر على زيادة درجة القلق والخوف من أيّ تغيير قد يحصل في مسيرة حياة تلك الجماعات المؤيدة لنظامه على نحو خاصّ في الأقليات منها، باعتبار تمركز الذات لديهم حول الحاكم الفرد الرمز. فأمعن نظامُ الطاغية في تجييش نفوس بنات الجماعات الموالية، حتى استحالت أظافرهن إلى خناجر، وشعورهن إلى أعوادِ مشانق.
كنا نتمنى لو أنهن نزعن الكحل من أعينهن واستبدلتموه بدمع يذيبُ قضبان السجون. كنا نتمنى أن يستبدلنَ مثلنا جهاز العرسِ بالبنادق، وأن يقصصن الضفائر ويرفعنها رايةً للنضال.
إننا نأسف يا أخواتنا في الوطن والأرض أنكن ارتضيتن الانضمام إلى قاتلنا جميعاً، وقبلتن رجمنا لأننا بكينا أبناءنا، ووقفنا مع أحرارنا.
فإليكن يا من رضيتن أن نموتَ قهراً وذلّاً، وإلى أولئك اللاتي يتفوّهنَ بأقذع الكلمات على صفحات المنحبكجية الفيسبوكية، فيغرسن أظافرهنَّ المقلّمة بالحقد في كبرياء نسائنا الحرّات، وأجساد شهيداتنا المناضلات. إلى أولئك اللاتي تتدلّى من كلماتهنَّ سياطُ جلادهنّ، وتطفو على صفحاتهنّ رائحةُ الذلّ نقدّم اعتذارنا. فالمعذرة منكن يا جواري السلطان إذا كنّا قد قررنا تحطيمَ أغلالنا، فخيّل إليكن أننا سنقيّدُ بها أصنامكن. وعذراً أيتها الشبيحات إذا خدشنا عبوديتكم بحريتنا

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات