بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
خمسون عاما من حكم البعث! . .
  10/03/2013

خمسون عاما من حكم البعث! . .

 بقلم: فايز سارة

لا تمثل صور وأخبار القتل والدمار والتهجير، التي تصيب السوريين، إلا بعضا مما قدم حزب البعث وقياداته للسوريين في الخمسين عاما الماضية، والتي بدأت يوم استيلائهم على السلطة في الثامن من آذار/ مارس عام 1963. وهو بعض نتائج سياسات وممارسات طبقها البعث على السوريين في سنوات حكمه الطويل. وقد تكون محصلة ما تبقى من زمن يحكم فيه البعث سوريا أشد خطرا وأكثر دمارا وقتلا وتهجيرا، مما حدث حتى الآن، ما لم تحدث معجزة تضع حدا لنظام الاستبداد والقتل، وتأخذ السوريين إلى استعادة حياتهم وتطبيعها، وسوريا إلى نظام ديمقراطي تعددي يوفر العدالة والمساواة والتقدم.

ونتائج سياسات وممارسات سلطة البعث في سوريا، ليست مفصولة عن مجريات الحال منذ تسلم البعث زمام السلطة، بل إنه محصلة طبيعية. ذلك أنه ومنذ اليوم الأول لاستيلاء البعث على السلطة شرع في رسم سياسات، واتخاذ خطوات، تندرج في أربع نقاط. أولى هذه النقاط وأهمها إعطاء السلطة للمؤسسة العسكرية وتحويلها إلى «جيش عقائدي» مما يعني السيطرة المطلقة على الجيش وجعله اليد القوية للنظام وليس للدولة والمجتمع، وهو أمر كان واضحا في مؤشرات منها احتلال العسكريين أغلبية مقاعد المجلس الوطني لقيادة الثورة، والأهم من ذلك الدور الحاسم الذي كانت تقوم به اللجنة العسكرية، والتي كان أعضاؤها من ضباط البعث، كما أن من دلالات دور المؤسسة العسكرية في حكم البعث، أن المنصب الأول في السلطة أعطي للعسكريين، والمرة التي كانت بخلاف ذلك، كانت فترة رئاسة نور الدين الأتاسي (شباط/ فبراير 1966 – تشرين/ أكتوبر 1970) حيث كانت السلطة الفعلية بيد اللواء صلاح جديد، وطوال حكم البعث كان للعسكريين، ومنهم ضباط صغار، دور مؤثر في الحياة السورية والأمثلة لا تعد ولا تحصى، وكان من ثمار ذلك، أن صار الدور الأساسي للجيش والأمن في حكم البلاد والسيطرة عليها عبر القوة العسكرية.

والنقطة الثانية، تمثلت في وضع البلاد تحت قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وهو ما تم القيام به عمليا صبيحة الاستيلاء على السلطة في 8 آذار 1963، واستمرت الحالة قائمة حتى اندلاع الثورة عام 2011، حيث أجبر النظام على إنهاء حالة الطوارئ ورفع الأحكام العرفية بصورة شكلية، بينما الواقع الفعلي يؤكد أن سوريا تعيش أكثر بكثير من حالة الطوارئ والأحكام العرفية. وإذا كانت تلك الحالة تعني غياب الدستور والقوانين أو تجميدهما، فإن إعلان الدستور المؤقت 1971، ثم الدائم في عام 1973 وتعديلاته، وكل القوانين المتعلقة بطبيعة السلطة وصلاحياتها، ظلت محكومة بحالة الطوارئ والأحكام العرفية، تكريسا لإطلاق يد السلطة دون أي قيود دستورية أو قانونية.

وركزت النقطة الثالثة على تغييب السياسة فكرا ونخبة ومؤسسات، هو ما تم القيام به عبر حظر الأحزاب وعزل الشخصيات السياسية وتهميشها، واعتبار البعث في فكره ونخبته وتنظيمه الحزب الشرعي الوحيد في البداية، ثم الحاكم والقائد في الدولة والمجتمع لاحقا، وهو تطور رافق إعطاء وجود هامشي لأحزاب وجماعات، قبلت العمل تحت سيطرة البعث في إطار الجبهة الوطنية التقدمية بعد تأسيسها عام 1972، مما أدى إلى تهميش هذه الأحزاب في فكرها ونخبتها، إضافة إلى تهميش أفكار ونخبة حزب البعث وتنظيماته أيضا، طالما تطلبت مصلحة النظام ذلك. وشمل التهميش أحزاب المعارضة في فكرها ونخبتها بكل اتجاهاتها، عبر حرب ضدها، شملت الدعاية ضدها وتدمير منظماتها، وملاحقة قياداتها وكوادرها وأعضائها ونفيهم أو اعتقالهم أو قتلهم، والنتيجة في كل الأحوال، تغييب السياسة وإضعاف كل عناصرها فكرا ونخبة ومؤسسات.

والنقطة الرابعة السيطرة على الإعلام والصحافة وتهميشهما من خلال جعل الإعلام حكوميا بالتزامن مع تغييب الصحافة الحرة والمستقلة بإيقافها، ومصادرة ممتلكاتها، وإحلال منشورات تابعة مكانها، منشورات ذات طبيعة تعبوية تبريرية ومن سوية مهنية وفنية متدنية، الأمر الذي يعني غياب أي دور معرفي ثقافي وتنويري للصحافة، وغياب دور الإعلام في الرقابة على السلطة وممارساتها في الدولة والمجتمع.

وسط تلك السياسات، مضت سلطة البعث في مواجهة السوريين. فأحكمت قبضتها على السوريين في حياتهم الخاصة والعامة، وعملت على إخضاعهم بكل السبل ولا سيما بالقوة من خلال تسلط الأجهزة الأمنية، وحيث عجزت الأخيرة، فلم تتأخر سلطة البعث في استخدام الجيش، وثمة كثير من الأمثلة منها الاضطرابات والمظاهرات التي شهدتها المدن السورية بعد أحداث حماه الدامية في نيسان/ أبريل 1964، وسنوات الصراع بين السلطة والجماعات الإسلامية في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، وعلى نحو ما يتم القيام به في مواجهة الثورة السورية حاليا من عنف متعدد الأشكال بهدف إعادة إخضاع السوريين. وتزامنت عملية الإخضاع مع عملية أخرى أساسها نهب موارد وثروات البلاد وتحويلها إلى ثروات شخصية لقادة البعث، وخاصة لكبار المسؤولين، ولم يكن ذلك مقتصرا على نهب المال العام وجعل الدولة ومؤسساتها بمثابة ملكيات شخصية، بل من خلال تعميم العمولات والرشى وإعطاء مزايا الاحتكار في التجارة والاستثمار كما في موضوع الخليوي، وتم في هذا المجال نهب عشرات مليارات الدولارات، جعلت بعض قادة البعث السوري وأقرباء لهم بين أغنياء العالم في وقت صارت أكثرية السوريين بين أفقر فقراء العالم. وشملت سياسة النهب التي طبقت في عهد البعث، نهب الأراضي الزراعية التي جرى توزيعها أو بيعها رمزيا لأركان في نظام البعث وأقاربهم، وتم حرمان الفلاحين منها وهو ما حصل في الجزيرة والموصوفة بأنها بين أفضل الأراضي الزراعية في سوريا.

إن فظاعات ما تركته سنوات البعث الطويلة من مآس على سوريا والسوريين، أكثر من أن تحصى وتعد، لكنها ودون أن تعد أو تحصى، تمثل كارثة لم تحدث في تاريخ سوريا، كارثة دمرت حياة السوريين لجيلين على الأقل، وهي تتابع حاليا دمار سوريا من خلال ما تلحقه بالسوريين من قتل وجرح واعتقال وتهجير، ودمار للبيوت ومصادر العيش وللبنى التحتية. ترى أي ذنب ارتكبه السوريون حيال البعث وقياداته حتى استحقوا هذا الجزاء؟


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات