بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
«الشرق الأوسط» تسلط الضوء على تغير نسيج سوريا … بعد 30 شهراً من الحرب
  16/08/2013

«الشرق الأوسط» تسلط الضوء على تغير نسيج سوريا … بعد 30 شهراً من الحرب



تنوع ديني عرقي عريق مهدد بالانهيار

لندن: «الشرق الأوسط»

حقيقة واقعة تكاد اليوم تحظى بإجماع متابعي المأساة السورية، هي أن سوريا التي عرفناها منذ الانتفاضة التي انطلقت شرارتها قبل سنة ونصف السنة انتهت، ونحن الآن بصدد واقع بديل. فلقد احتكر النظام الحالي برئاسة بشار الأسد، الذي يشكل امتداداً وراثياً لنظام أبيه حافظ الأسد، السلطة في سوريا على أنقاض حياة حزبية كانت في الماضي الأبعد تعكس التنوع الحضري – الريفي. وكان ذلك التنوع أو الاختلاف الحضري – الريفي مجرد أحد أوجه التنوع الغني الذي ميّز سوريا عبر تاريخها الطويل. في المبدأ لا وجود كيان سياسي صافٍ عرقياً، فكيف إذا كان هذا الكيان واقعاً على أهم طرقات التواصل البشري الثقافي التجاري والديني منذ فجر التاريخ كسوريا؟ إذ عرفت أرض «الهلال الخصيب» ليس فقط تراكم حضارات عريقة وقوية، بل شهدت حروبا واجتياحات وتعرضت لزلازل وكوارث طبيعية، أدت إلى هجرات كبرى وعمليات تبدل وتبادل سكاني شكّلت في مجملها نسيج ما يعتبره بعضهم نسيج «الأمة السورية» وبيئتها.

في ما يلي، مع انعقاد اجتماع جديد للمعارضة السورية لبحث إعادة بناء البلاد في «مرحلة ما بعد بشار الأسد»، تعرض «الشرق الأوسط» للتركيبتين الدينية – المذهبية والقومية – والعرقية لسوريا، أمام خلفية «سيناريو» التقسيم المحتمل مع تجاوز أرقام الهجرة الداخلية الستة ملايين مهجر ولاجئ، وارقامها اللجوء إلى الخارج الثلاثة ملايين.

يشكل المسلمون الغالبية العظمى من سكان سوريا، وتقدّر إحصائيات موثوقة أن نسبة أهل السنة والجماعة منهم – بمفردها – تبلغ أكثر من 74 في المائة من إجمالي السكان، مقابل أقلية مسيحية وأقلية ضئيلة من اليهود تناقصت خلال العقود الأخيرة حتى كادت تتلاشى، بالإضافة إلى جماعات متفرقة أخرى وافدة. وبين الفرق الإسلامية، إلى جانب الغالبية السنية الكبيرة، تعيش في سوريا أقليات إسلامية أكبرها العلويّون (النصيريون) والموحِّدون (الدروز) والشيعة الجعفريون والإسماعيليون النزاريون (الآغاخانيون) تقارب نسبتها مجتمعة 16 في المائة، وتقسمها المصادر المختلفة على النحو الآتي: العلويون 11 في المائة – الدروز3 في المائة – الشيعة 1 في المائة – الإسماعيليون 0.5 في المائة – آخرون (بينهم الزيديون) 0.5 في المائة.

المُسلِمون السّنة يتوزّعون واقعياً على امتداد الأراضي السورية، وهم أهل مُدن وأهل ريف، حضر وبدو، ومن العرب وغير العرب. وبين أكبر المكوّنات الإسلامية غير العربية الأكراد والتركمان والشركس والشيشان والبشناق (البوسنيون) والأرناؤوط (الألبان). ويجوز القول إن المسلمين السنّة يشكلون غالبية السكان في كل محافظات سوريا باستثناء محافظة السويداء في أقصى جنوب البلاد حيث الموحِّدون الدروز غالبية مع أقليتين مسيحية وسنّية، ومحافظتي اللاذقية وطرطوس – بشمال غربي البلاد – حيث يقدّر عدد العلويين بما بين 80 و90 في المائة من سكان ريف محافظة اللاذقية، وهم أيضا غالبية كبيرة في ريف طرطوس. وبعدما كان المسلمون السنّة يشكلون الغالبية بين سكان المدن الساحلية الأربع، اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة، أدى تسارع نمو المدن وتزايد إيقاع الهجرة من الريف، لا سيما الريف العلوي، إلى تخفيف غالبيتهم فيها بنسبة كبيرة وتزايد أعداد العلويين.

من ناحية ثانية، تفيد الإحصائيات بأنه مقابل الهجرة من الريف إلى المدن الذي لا يصبّ ظاهريا لمصلحة الثقل السكاني السني، فإن نسبة النمو السكاني البطيء للعلويّين والدروز والمسيحيين، وكذلك ارتفاع معدلات الهجرة عند المسيحيين والدروز، من العوامل المساعدة على ترسيخ وضع الغالبية السنّية. ومن واقع إحصائية أجريت عام 2004 تبين أن نسبة النمو السكاني للمحافظات الثلاث حيث لا غالبية سنّية تتراوح بين 1.7 في المائة و1.9 في المائة فقط مقابل نسبة تتجاوز 3 في المائة في محافظات ذات غالبيات سنّية ضخمة مثل دير الزور (في الشرق) وإدلب (الشمال الغربي) ودرعا (الجنوب).

الثقل السكاني السنّي موجود أولا في المدن الكبرى: دمشق وحلب وحمص وحماه والقامشلي ودرعا وإدلب والحسكة واللاذقية وطرطوس والرّقة والقنيطرة.

كذلك، السنّة هم الغالبية العظمى في بادية الشام، وسهول حوران بمحافظة درعا، وأرياف الشمال (محافظات حلب وإدلب والرقة) والشرق والشمال الشرقي (دير الزور والحسكة) وكذلك محافظة ريف دمشق، وهي محافظة كبيرة المساحة تضم عددا من ضواحي دمشق.

* السنّة … الثمن البشري والاقتصادي الباهظ

* تقليدياً، تمتع المسلمون السنّة بمكانة سياسية واقتصادية مرموقة، وبخاصة أن دمشق وحلب – بالذات – تعدّان من أقدم حواضر العالم، وتضمان أقدم أسواقها وتنظيماتها الحِرَفية والمهنية، كما انهما تقعان على طرق القوافل التجارية منذ فجر التاريخ، ولعبتا دورا عظيما في تطوير التجارة والصناعة والفنون والمعرفة في العالم القديم. وعلى طرق القوافل لعبت حمص وحماه دورا بارزا كمحطتين مهمتين ومركز توزيع وتصريف للإنتاج الزراعي، وكانت اللاذقية الميناء الأول لسوريا، وبعدها طرطوس. وفي الداخل كان الثقل السكاني الأكبر للقامشلي والحسكة ودرعا ومحيطها في أراض زراعية غنية جدا (الجزيرة وحوران). أما دير الزور فكانت وما زالت صلة الوسط بين الشام والعراق على الفرات.

كل الأسر الإقطاعية وغالبية الأعيان في هذه المدن والمناطق حتى الحرب العالمية الثانية كانت من المسلمين السنة. بل امتلك الدمشقيون السنة أراضي زراعية شاسعة في هضبة الجولان، وأرياف حمص وحماه وإدلب والساحل، بينما تملك الحلبيون أراضي شاسعة في أرياف محافظتهم الكبيرة التي قسمت قبل عقود قليلة إلى محافطتي حلب وإدلب. غير أن القتال المحتدِم في سوريا أثر كثيراً في التركيبة السكانية لعدد من المناطق السنّية، على رأسها مدينة حمص التي دمّر معظمها، وكذلك أحياء عديدة في مدينة حلب التي خسرت العديد من مصانعها ومرافقها التجارية. كذلك تضرّرت سكانياً ضواحي دمشق وريف محافظات حماه وإدلب ودرعا. وهجّر القتال سكان مدينة القُصير ومدينة تلكلخ ومنطقة الحولة في ريف محافظة حمص ومنطقة الحفة وبلدة سلمى في شمال محافظة اللاذقية بمنطقة الساحل، كما ارتكبت مجازر استهدفت قرى سنيّة في منطقة الساحل مثل مجزرة البيضا. أما من الناحية العرقية اللغوية، فيمكن القول أن المكوّنات غير العربية تتدرّج اندماجاً وتتفاوت جغرافياً، فثمة أقليات اندمجت كلياً وغدت متعرّبة بالكامل، وهذا حال المتحدّرين من أصول كردية وتركمانية، وخصوصاً في المدن الكبرى كدمشق وحلب وحمص. وثمة جماعات أخرى احتفظت ببعض هويتها العرقية واللغوية لكنها انسجمت في بيئتها العربية واعتبرت نفسها جزءاً من سوريا واحدة موحّدة. وأخيراً توجد فئة ثالثة تنازعها مشاعر استقلالية أو انفصالية منها الجماعات الكردية التي تعيش في المناطق الشمالية من محافظات الحسكة والرقّة وحلب، وهي اليوم تنشط، حتى عسكرياً، في هذا المناطق بأمل إنجاز كيان مستقل ولو ذاتياً. وكانت آخر المواجهات مع الجماعات الإسلامية المتشددة.

إن جلّ المكوّنات المُسلمة المتحدّرة من أصول غير عربية في سوريا من اهل السنّة والجماعة، في حين ينتسب السواد الأعظم من العلويين والدروز إلى أمهات القبائل العربية، كالأزد وطيء وقضاعة وربيعة وغيرها. وراهناً يشكّل الأكراد، وفق مصادرهم، أكبر أقلية عرقية مسلمة في سوريا إذ يشكلون أقل بقليل من من 10 % من سكان البلاد، مع أن ضمن الأكراد أقلية من الأيزيديين، ونسبة قليلة جداً من الأكراد المسيحيين والعلويين أيضاً. ويعيش معظم الأكراد في شمال شرق سوريا في محافظة الحسكة، وفي جيبين صغيتين في شمال محافظة حلب هما عين العرب (كوباني بالكردية) وعفرين والمناطق المحيطة بهما، وهم يشكلون غالبية السكان في الجيبين. وإلى جانب دمشق وحلب، تعدّ القامشلي (قامشلو) بمحافظة الحسكة أكبر المدن الكردية في سوريا، تليها عامودا والدرباسية.

التركمان، أيضاً تفاوتت نسبة تعرّبهم واندماجهم، وهم يقسمون أيضاً إلى سكان مدن وسكان ريف. وتشير المراجع التاريخية إلى استقرار التركمان في دمشق خلال القرن الميلادي الثامن. ووفق بعض المراجع التركمانية، توجد نحو145 قرية وبلدة يقطنها التركمان في مناطق منبج والباب وجرابلس والراعي وأعزاز، إلى جانب أولئك الذين يسكنون حلب نفسها. تضاف إليها 5 قرى في محافظة إدلب بجانب حي في مدينة جسر الشغور، ونحو 20 في محافظة الرقة، وأكثر من 50 في محافظة حمص ولا سيما مدينة حمص نفسها، وحوالي 30 في محافظة حماه و5 قرى في محافظة طرطوس وقرابة 20 في هضبة الجولان هجّر سكانها إلى ضواحي دمشق (منها الحجر الأسود)، و5 قرى في دمشق وريفها، وأكثر من 10 قرى في محافظة درعا. كذلك هناك كثافة تركمانية في شمال محافظة اللاذقية (جبل التركمان).

الثورة السورية ابرزت الدور النشط للتركمان السوريين وبالأخص من ينضوي منهم في التنظيمات الإسلامية، ولا سيما في ضواحي دمشق الجنوبية، حيث تندلع أشد المواجهات مع قوات النظام على مقربة من مراكزها الأمنية المهمة في المزة وكفر سوسة ومعضمية الشام.

وأما عن الشركس والشيشان، وهم من الشعوب القوقازية، فلقد استقرّ هؤلاء في سوريا أبان الحكم العثماني وتوزّعوا في محافظة القنيطرة (الجولان) والمدن الكبرى وعلى خطي سكك الحديد الرئيسين اللذين كانا يصلان اسطنبول بالمدينة المنورة وبغداد. وكانت أهم المستوطنات مدينة القنيطرة، وهي مدينة شركسية أسست عام 1863، وضمت تركيبتها السكانية الشركس من قبائل الأبزاخ والبزادوغ والخاتوقاي. وتلتها مستوطنات اخرى في جنوب سوريا، بالذات منطقة القنيطرة والجولان ضمت القبرطاي والشيشان والداغستانيون. واهم هذه المستوطنات صرمان وعين صرمان وعين زيوان وبريقة وبير عجم والجويزة والمسمية والمنصورة – رويحينة والخشنية وفرزة والسنديانة والفحام. وبراق و بلاي و بويضان. وفي اماكن اخرى كانت هناك مرج السلطان ونجهة و الضمير (ريف دمشق) وجوسية الخرابي ونعيم وتليل وعسيلة وديرفول (محافظة حمص)، كما سكن الشركس والشيشان في خناصر ومنبج ورأس العين و خان العسل وعندان بشمال سوريا، وكذلك في دير الزور. ولقد تعرض الشركس والشيشان للتهجير من الجولان ودُمّرت القنيطرة، كبرى مدنهم، إبان حرب 1967، وأزيلت غالبية قراهم عن الخارطة واستقروا في ضواحي دمشق وبعض المدن الكبرى، التي تتعرّض اليوم بدورها للتهجير والدمار.

* العلويّون … خيارات صعبة

* العلويون، أو النصيريون، هم أكبر الطوائف غير السنّية من مسلمي سوريا، وتقدر المصادر تعدادهم اليوم بنحو مليونين و600 ألف نسمة.

مذهبيا يضع بعض الباحثين المذهب العلوي – النصيري – ضمن مذاهب الشيعة الباطنية، لكنهم على الرغم من باطنيتهم فإنهم لم ينسلخوا في الأصل عن الحركة الإسماعيلية، كبرى الحركات الباطنية، بل كانوا من الشيعة الجعفرية. وهم يُنسَبون إلى محمد بن نصير النميري، احد أصحاب الإمامين علي الهادي والحسن العسكري وأحد نواب الإمام المهدي في فترة الغيبة الصغرى. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المراجع التاريخية تشير إلى انتشار التشيع في أماكن عدة من سوريا، لا سيما، في شمال البلاد حيث قامت دولتان شيعيتان هما الدولة الحمدانية والدولة المرداسية، وعاصمتهما حلب. كذلك يتوجّب الإشارة إلى أن العلاقات بين الطوائف الشيعية في بلاد الشام عموما لم تكن طيبة على الدوام. وبخلاف ما يذهب إليه بعض المحققين المعاصرين عن حدوث تكتل ما ضد اهل السنّة والجماعة بين فرق الشيعة الجعفرية والباطنية، فإن العلاقة بين المرداسيين والموحّدين الدروز في شمال سوريا كانت عدائية جدا حصلت فيها مذابح. كذلك شهدت مناطق عدة من سوريا في مراحل تاريخية متفاوتة مواجهات دموية بين العلويين والإسماعيليين منها ما يُعرف بـ»دوكة بيت رسلان».

تمتد مناطق سكن العلويين من شمال لبنان، مرورا بمرتفعات الساحل أو جبال العلوييين (جبال النصيرية) وصولا إلى لواء الإسكندرونة (محافظة هتاي التركية) حيث يشكلون الثقل العربي الأكبر في هذه المنطقة، ومنه امتدادا إلى إقليم كيليكيا التركي بما فيه مدينة أضنة ومدينة مرسين. وإلى الشرق من جبال الساحل (في محافظتي اللاذقية وطرطوس) يعيش العلويون في غرب ريف حماه وكذلك في مناطق عدة من ريف حمص. وكانت هناك ثلاث قرى علوية في جنوب سوريا هي زعورا وعين فيت في هضبة الجولان، والغجر في رأس منخفض الحولة الفلسطيني وجنوب قضاء حاصبيا اللبناني. وقد دمر الاحتلال الإسرائيلي كلا من زعورا وعين فيت، بينما الغجر قرية مقسّمة يتبع نصفها لبنان.

العلويون بالأصل قرويون أو ريفيون، غير أن النصف الثاني من القرن الـ20 شهد استقرارا نسبة كبيرة من العلويين في المدن الكبرى، وبالأخص مدن الساحل (اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة) المتاخمة لأريافهم، والمدن الكبرى وعلى رأسها دمشق حيث تتجمّع مؤسسات السلطة، وحلب العاصمة الاقتصادية لسوريا، وحمص. وبمرور الزمن تحوّلت أحياء بعينها في هذه المدن إلى أحياء علويّة. فعلى سبيل المثال في دمشق هناك كثافة علوية في حي الورود و«المنطقة 86» بضاحية المزة وكذلك في ضاحية المهمة غرب العاصمة، وفي حمص يسكنون بكثافة في احياء عكرمة والنزهة والزهراء ووادي الذهب وكرم اللوز.

من ناحية أخرى يتوزّع العلويون على فرق مذهبية وفئات عشائرية، أبرزها من الناحية المذهبية الفرقة «الكلازية» وهم الغالبية، والفرقة «الحيدرية» وهم الأقلية. وثمة جماعة ثالثة ابتعدت عن الفرقتين تعرف بـ«المرشدية» نسبة إلى سليمان (سلمان) المرشد، إحدى الشخصيات التي لعبت دورا مؤثرا في تاريخ الطائفة في النصف الأول من القرن العشرين. أما على الصعيد العشائري فتعد أكبر الجماعات «الحدادين» و«الخياطين» و«الكلبية» و«المتاورة»، وتتفرع عن هذه التجمعات عدة فروع. الأحياء العلوية في المدن الكبرى مثل حمص تجنّبت نيران قوات النظام، غير ان طول أمد المواجهات وعنفها وخطر تصفية الحسابات الطائفية، حولها إلى مناطق مستهدفة من بعض أجنحة الثوار. وحقاً تشير معلومات إلى حدوث هجرة علوية كبيرة إلى منطقة الساحل، ولا سيما من ضواحي دمشق.

* الدروز .. وسط العاصفة

* الموحدِّون أو الدروز، من فرقة الشيعة الباطنية التي انشقت عن الحركة الإسماعيلية إبّان الحكم الفاطمي في مصر، وكان كبير دُعاتها حمزة بن علي الزوزني، وخامسهم وآخرهم بهاء الدين علي بن أحمد السموقي. ويعيش الدروز اليوم في كل من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وتضم سوريا أكبر تجمع لهم ويتراوح تعدادهم فيها بين 500 و700 ألف نسمة.

يعيش معظم دروز سوريا في محافظة السويداء، بأقصى جنوب البلاد، مع أن هذه المنطقة كانت أحدث مناطق توطّنهم، إذ إنهم لم يستقروا هناك إلا في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، في حين توطّنوا في شمال سوريا وضواحي دمشق ومنحدرات جبل الشيخ قبل أكثر من ألف سنة. حتى اندلاع الانتفاضة السورية كانت نسب متزايدة من الدروز قد انجذبت إلى دمشق وضواحيها، وكان لهم بلدات عامرة تحوّلت عملياً إلى ضواح للعاصمة السورية أكبرها بلدة جَرَمانا (هجرها كثيرون منهم خلال العقدين الأخيرين) وبلدات صحنايا والأشرفية وجديدة عرطوز، إلى جانب أحياء دمشقية مثل باب مُصلى. أما في منحدرات جبل الشيخ ومنطقة إقليم البلان والجولان فهناك ما لا يقل عن 20 بلدة وقرية يسكنها الدروز، منها أربع بلدات في الجولان المحتل أكبرها مجدل شمس. وفي شمال سوريا يسكن الدروز في 17 بلدة وقرية تتابع محافظة إدلب.

بعد تفجّر الثورة دفع الدروز ثمناً باهظاً في ضواحي دمشق، وشهدت جرمانا مسلسل سيارات مفخخة كذلك استهدفت جديدة عرطوز باعمال العنف، بينما لا تبعد صحنايا والأشرفية عن مناطق القتال في جنوب دمشق. ومن ناحية أخرى حصلت بعض أعمال العنف في إحدى قرى جبل الشيخ قرب قطنا، وكانت الحصيلة نزوح جماعي قدر بعشرات الألوف – وخصوصاً من جرمانا – إلى محافظة السويداء. وفي غرب محافظة السويداء في منطقة اللجاه لحقت اضرار كبيرة ببعض القرى الدرزية القريبة من معاقل الثوار في شرقي محافظة درعا.

* وضع الشيعة الجعفرية

* مع أن سوريا عرفت التشيع منذ القدم، فإن تعداد الشيعة الجعفرية كان حتى منتصف القرن الـ20، بل ما زال، ضئيلا. إذ تشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد الشيعة عام 1953 ما كان يزيد على 0.4 في المائة من السكان. ووفقا لأحد المصادر فإن الشيعة جزء من مكونات النسيج السوري بكل غناه الثقافي والحضاري والديني، وكغيرهم من السوريين لم يعرف عن الشيعة أي شكل من أشكال التطرف أو التعصب. وكانت مرجعية الشيعة في سوريا تدير أمورها الذاتية من دون تدخل خارجي، وكانت الأعياد والمناسبات الدينية الأخرى واحدة بين الشيعة والسنة. ولكن تداعيات اندلاع الثورة الإيرانية لم تقتصر على العراق ولبنان، بل مست سوريا أيضاً، وبالأخص، أنها كانت تحت حكم حافظ الأسد الذي وقف مع إيران ضد العراق خلال الحرب العراقية – الإيرانية. وبالفعل، نشطت طهران بالتعاون مع الأجهزة الرسمية السورية في العمل على الهيمنة على القرار الشيعي في البلاد، عبر المال وشبكات المصالح والأمن، تماما كما حصل في لبنان والعراق.

وبالنتيجة، استطاعت طهران، لا سيما بعد 1999، فرض حضورها، وإن من دون أن تتمكن كليا من احتكار الولاء، إذ ظلت جماعات عديدة بعيدة عن الفلك الإيراني، على غرار نفور قطاع لا بأس به من شيعة لبنان والعراق من وطأة الضغوط الإيرانية. لكن الضغط الإيراني يأخذ اليوم وجهة إضافية خطرة تتمثل في التدخل القتالي المباشر لحزب الله اللبناني وكتيبة أبي الفضل العباس العراقية تحت ذريعة حماية المزارات الشيعية، ومنها مزار السيدة زينب قرب دمشق، بالإضافة إلى تمويل حملات تشييع وتجنيس في أرجاء البلاد.

جغرافيا يتوزع الشيعة في سوريا في أماكن عدة أهمها مدينة دمشق التي فيها أسر شيعية معروفة مثل آل نظام وآل بيضون وآل مرتضى وآل نحاس وآل الروماني، في حي الأمين والصالحية والجورة، وفي محيط دمشق بمنطقة السيدة زينب الشيعية. وكذلك في شمال سوريا، وتحديدا في بلدات الفوعة وكفريا وقرية زرزور (قرب مدينة جسر الشغور) بمحافظة إدلب، ونبّل والزهراء في محافظة حلب، بالإضافة إلى أقلية شيعية في بلدة معرة مصرين على الطريق بين إدلب وحلب، وحضور محدود في حلب نفسها، وكذلك في مدينتي منبج والباب. وفي محافظة حمص يعيش الشيعة في ما بين 20 و30 بلدة وقرية، أكبرها الحميدية والبويضة وأم العمد والدلبوز، إلى جانب الحضور الشيعي في حيي البياضة والعباسية في مدينة حمص وضواحيها. وفي محافظة حماه هناك أربع قرى بشرق المحافظة. أيضا هناك وجود شيعي محدود وسط قبائل الفرات وفي بلدة حطلة بمحافظة دير الزور، وكذلك في بلدات قليلة بمحافظة درعا (بصرى الشام والشيخ مسكين والمزيريب ونوى والمليحة)، وفي مدينة الرقة ومحيطها. خلال المعارك الأخيرة، كان حماية مزار السيدة زينب ثم الدفاع عن الجيوب الشيعية في ريف حمص بمحيط القُصير، الذريعة الجاهزة لتدخل «حزب الله» اللبناني في القتال. ثم ازداد التورط بعد تدمير القُصير فامتد إلى ريف حلب وإدلب بحجة حماية جيوب نبّل والزهراء والفوعة.

* نسبياً …الإسماعيليون ما زالوا بمنأى

* الطائفة الإسماعيلية هي ثانية كبرى الطوائف الشيعية بعد الشيعة الجعفرية، وتعد الإسماعيلية (أو السبعية تمييزا لها عن الاثني عشرية) من الفرق الباطنية لاستنادها إلى التأويل والفلسفة، فهي فرقة شيعية أمامية علوية فاطمية باطنية. وكان للإسماعيلية دور بارز في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في بلدان مختلفة من العالم الإسلامي، أبرزها الدولة الفاطمية في مصر والدولة الصليحية في اليمن، ودولة الموت في فارس، ودولة القرامطة في البحرين، وكانت لهم قلاع وحصون في جبال بلاد الشام.

في سوريا تعد مدينة سلمية وريفها أهم مراكز الإسماعيليين (وهم من النزاريين)، تليها مصياف التي يشكل الإسماعيليون 50 في المائة من سكانها، وهي تقع في غرب محافظة حماه بمنطقة ذات كثافة علوية، مع بعض الإسماعيليين في مدينة حماه نفسها. كذلك يقطن الإسماعيليون بلدة القدموس وريفها في جبال محافظة طرطوس. غير أن الوجود الإسماعيلي كان أوسع انتشارا في الماضي ويشمل وديان جبال الساحل السوري ومنها قرى وقلاع العليقة والمينقة والكهف والخوابي، بالإضافة إلى بلدة بانياس (غير بانياس الساحل) في الجولان. وبما يخص أوضاع الإسماعيليين يمكن القول انه، حتى الآن لم يتعرض الإسماعيليون لمجابهات مباشرة، غير ان مدينة سلمية تعرضت لتفجير كبير في مطلع العام الحالي.

* أزمة المسيحيين

* عاش المسيحيون في بلاد الشام منذ فجر المسيحية، وتقدر بعض المصادر أن نسبة المسيحيين في سوريا أثناء الفتح الإسلامي كانت تتجاوز الـ78 في المائة من مجموع عدد السكان. ويقدر بعض المصادر عدد السريان وحدهم يومذاك بنحو أربعة ملايين نسمة، غير أن كثرة من قبائل العرب اعتنقت المسيحية في سوريا ما قبل الفتح أهمها غسان وتغلب وكلب بن وبرة وطيء. واليوم يشكل المسيحيون ثاني أكبر المكوّنات الدينية في سوريا، وهم يتوزّعون على عدة مذاهب أكبرها الروم (الملكيون) الأرثوذكس يليهم السريان (اليعاقبة) الأرثوذكس ثم الروم (الملكيون) الكاثوليك ثم اللاتين فالبروتستانت ثم الموارنة فالنساطرة الكاثوليك (الكلدان) فالنساطرة الأرثوذكس (الآشوريون) فالنساطرة فالسريان الكاثوليك، يضاف إليهم الأرمن والأرمن الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، وأخيرا بعض الأقباط. كل هذه الطوائف مجتمعة تشكل نحو 16 في المائة من مجموع سكان البلاد لكن نسبة كبيرة منهم مهاجرة وتزور سوريا خلال فصل الصيف.

جغرافيا يتوزع المسيحيون على امتداد سوريا، إذ لا تكاد محافظة تخلو من الوجود المسيحي. غير أن أكبر تجمّعاتهم موجودة في المدن الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص واللاذقية والقامشلي والحسكة وطرطوس، بالإضافة إلى بعض بلدات ريف دمشق الغربي شمالا وجنوبا من جبال القلمون إلى جبل الشيخ. كذلك ثمة وجود مسيحي عريق في لواء الإسكندرونة ولا سيما في أنطاكية – التي اعطت اسمها لأبرز الكنائس الشرقية – والسويدية وغيرها.

وفي حلب من بين الأحياء التي سكنها المسيحيون ويسكنون بعضها حتى اليوم الجميلية والعزيزية والنيال والتلل والكتاب والسليمانية والحميدية، وكذلك الميدان والسريان والجديدة. وفي دمشق تعد الأحياء الشرقية لوسط العاصمة، مثل باب توما وباب شرقي والقصّاع، أهم أحياء المسيحيين، ومعها الطبالة والعباسيين وبرزة ودويلعة وحرستا ودمر وجرمانا.

وفي حمص بين مناطق المسيحيين داخل المدينة بستان الديوان والحميدية، إلى جانب بلدتي فيروزة وزيدل الملاصقتين للمدينة من الجهة الشرقية وبلدات صَدَد والحفر والقريتين في ريف المحافظة، ودمينة الشرقية والغربية. كذلك تتقاسم محافظة حمص مع محافظة طرطوس، قرب الحدود اللبنانية، المنطقة المعروفة بوادي النصارى (النضارة) وكبرى بلداتها صافيتا ومرمريتا ومشتى الحلو والكفرون وحب نمرة والحواش والبطار ومشتى عازار والزويتينة والمشتاية.

وفي الريف المحيط بدمشق، شمالا وجنوبا، من أبرز البلدات التي يعيش فيها المسيحيون صيدنايا ومعلولا ويبرود، وكذلك صحنايا وداريا وجديدة عرطوز وقطنا.

وفي محافظة حماه يسكن المسيحيون في المدينة وفي ريفها وبالأخص بلدة محردة وبلدة كفربهم. وفي جنوب سوريا يعيش المسيحيون في بلدات مسيحية صرف أو مختلطة مع السنة والدروز في محافظتي درعا والسويداء، ومنها ازرع وغباغب وخبب وموتبين وطيسية وخربا والإصلحة والدارة والهيت وعنز وعرى.

كذلك توجد قرى مسيحية أو يقطنها مسيحيون في ريف محافظة إدلب وريف حلب، والساحل السوري بين طرطوس واللاذقية مثل الخراب ومتن الساحل والسودا والبصيرة. وأخيرا في محافظة الحسكة (الجزيرة) وجد في مدينتي الحسكة والقامشلي بالذات كثافة سكانية مسيحية لافتة، لا سيما من السريان. وحسب المراجع بلغت نسبة المسيحيين خلال أربعينات القرن العشرين أكثر 38 في المائة من السكان.

عبر تاريخ سوريا المستقلة كان للمسيحيين، ولا يزال، شأن سياسي واقتصادي وثقافي مهم. وفي منتصف القرن العشرين كان 75 في المائة من الشركات والوكالات الأجنبية بأيدي المسيحيين وكانت أراضيهم شاسعة قبل مرحلة التأميم.

اليوم، يعيش المسيحيون وضعاً سياسياً محرجاً، فمع أن في طليعة شخصيات الثورة وجوه مسيحية بارزة مثل جورج صبرة وميشال كيلو ومي سكاف، فإن بعض القيادات الدينية المسيحية داخل سوريا وفي لبنان، أبدت تأييدها للنظام وتحفظها عن الثورة. كذلك يلاحظ أن أقل المناطق تعرّضاً للمعارك كانت القرى المسيحية في وادي النصارى، التي يؤيد كثيرون من أبنائها الحزب السوري القومي الاجتماعي. ولكن المسيحيين في المدن الكبرى كدمشق وحلب، وكذلك الحسكة والقامشلي، دفعوا كغيرهم فواتير العنف فتضررت تجارتهم واعمالهم، وغادرت البلاد اعداد كبيرة منهم، كما خطف أسقفان مسيحيان احدهما شقيق بطريرك الروم الأرثوذكس.

* نهاية الوجود اليهودي

* عاش اليهود في سوريا على امتداد قرون غير أنهم اليوم أقلية ضئيلة جدا. ولقد كانت في مدن دمشق وحلب والقامشلي أكبر التجمعات السكانية اليهودية في سوريا، كما يعتبر كنيس (معبد) جوبر بحي جوبر الدمشقي أقدم وأجمل كنيس في سوريا، مع العلم بأن في موقع دورا أوبوس على نهر الفرات بمحافظة دير الزور آثار كنيس يقال إنه الأقدم في العالم، ويعود إلى وجود اليهود في بابل. كذلك عاش اليهود، وفق الدراسات التاريخية، في اللاذقية والرقة وأنطاكية.

عاش اليهود بعد الفتح الإسلامي عيشا هانئا، وتشير عدة مراجع تاريخية إلى أن أعدادا كبيرة من اليهود غادرت فلسطين إبان الحروب الصليبية، خوفا من عداء الصليبيين الفرنجة لليهود واستقرت في دمشق. ووصف حاخام يهودي اسمه ابراهام بن عزرا بالتفصيل المجتمع الدمشقي اليهودي إثر زيارته المدينة عام 1128م.

أما بنيامين التطيلي، الذي زار سوريا عام 1170م، فذكر في تدوين رحلته الشهيرة أن «عدد الأحبار (الحاخامات) الربانيين في دمشق وحدها 3000 حبر»، تحت حكم نور الدين زنكي، وأنه كان لهم «رئيس محلي» يمثل الطائفة لدى السلطات الحاكمة. حسب إحصائية رسمية للناخبين السوريين في عام 1957، بلغ عدد الناخبين نحو 32.000 نسمة، أي ما نسبته 0.8 في المائة من مجموع الناخبين السوريين، وكان يمثلهم نائب في البرلمان. وكان أشهر نواب اليهود عن دمشق يوسف لنيادو. أما اليوم، فلا يعيش في البلاد سوى عشرات، بل يقال 22 شخصا فقط، بعد السماح بالهجرة عام 1992. وتعيش في حي بروكلين في مدينة نيويورك أكبر جالية يهودية سورية، كما تعد الجالية اليهودية في مدينة كوبي اليابانية من أقدم وأكبر تجمعات اليهود في اليابان.

* سوريا …. بعد 30 شهراً من الحرب

* الأرقام التقديرية للتهجير واللجوء داخل البلاد (من منطقة إلى أخرى): نحو ستة ملايين نسمة

* الأرقام التقديرية للتهجير واللجوء خارج البلاد: نحو ثلاثة ملايين نسمة

* المدن الأكثر تضرراً: حمص وحلب والقصير وتلكلخ والزبداني ودرعا وضواحي دمشق الشمالية الشرقير والجنوبية والشرقية

* المناطق الريفية الأكثر تضرراً: ريف حمص وريف إدلب وريف حماه وريف درعا

* أسوأ المجازر: درعا في مارس (آذار) 2011، ووسط حماه يوم 13 يوليو (تموز) 2011، وحمص يوم 4 فبراير (شباط) 2012، والحولة في محافظة حمص 25 مايو (ايار) 2012، والتريمسة بمحافظة حماه 12 يوليو 2012، وداريا في أغسطس (آب) 2012، وجرمانا 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، وجامعة حلب وحمص في 15 يناير (كانون الثاني) 2013


 
شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات