بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
مصر في معركة البحث عن الذات
  14/09/2013

مصر في معركة البحث عن الذات

صلاح سالم *



تخوض مصر اليوم معركة مصير تدور على أصعدة ثلاثة متوازية تحقيقاً لثلاثة أهداف متكاملة: أولها الحفاظ على التماسك الداخلي للدولة ذاتها، وهو هدف كان بحوزتنا بالفعل قبل 25 يناير، إذ كان لدينا دولة مستقرة وآمنة ولكنها في الوقت ذاته كانت راكدة ومتخلفة. وثانيها هو تحقيق الاستقلال الوطني في مواجهة الخارج، والذي وصل إلى أدنى مستوياته عشية 25 يناير، بل والمفارقة، أنه تناقص أكثر بعده، بفعل هيمنة جماعة الإخوان ذات المشروع الديني - الأممي، المناقض جوهرياً للمشروع الوطني المصري. أما ثالثها، فهو العبور نحو ديموقراطية راسخة، وهو عبور طالما فشلنا فيه لأسباب كثيرة طيلة الجمهورية الأولى والفترة التالية على 25 يناير.

يمكن القول هنا إن مصر خاضت المعركة نفسها قبل ستة عقود، حيث كانت اللحظة التأسيسية الأولى على قاعدة ثورة 23 يوليو 1952، تحت قيادة جمال عبد الناصر، أحد أبطال الوطنية المصرية عبر العصور، وتبدّى لنحو العقد أنها قد نجحت فيها، حيث بلغت الدولة المصرية الحد الأقصى من التماسك الداخلى، ومن الاستقلال الخارجي، الذي تبدّى في تنامي الدور الإقليمي، وفي قيادة حركة التحرر القومى، فيما افتقدت للمكون الثالث، وهو التطور الديموقراطي، الأمر الذي أدى بعد فترة إلى إضعاف المكونين الأولين، فأخذت مصر، منذ السبعينيات، تعاني تراجعاً في قوة الدولة وإن ظلت متماسكة، وفي مدى استقلالها عن مراكز النفوذ العالمي.

واليوم تعيش مصر اللحظة التأسيسية الثانية على قاعدة 30 يونيو، والتي سيتوقف عليها المصير المصري طوال القرن الحادي والعشرين. أهم سمات هذه المرحلة كونها تتم بمعايير العصر، وتحت نظر العالم، بعكس سابقتها التي تمت بعيداً عن هذا كله. هذه السمة تُعَدّ فرصة وخطراً في آن، فرصة لأنها تزيد من حرص مصر على الديموقراطية كقيمة صارت الأبرز على صعيد الأبنية السياسية المعاصرة، وخطراً لأن تحقيق الانتقال الديموقراطي في مجتمع منقسم يضطره غالباً إلى الدخول في مساومات تجعل درجة استقلاله محدودة أمام المجتمعات الأخرى، على النحو الذي تشهده مصر الآن بالضبط، كنتيجة للمانعة السياسية ثم العنف المتولد عن جماعة الإخوان بعد الثالث من يوليو.

ما تحتاجه مصر إذاً، هو تحقيق التناسق بين المكونات الثلاثة الأساسية لمعركتها المصيرية، فإذا أجادت بناء هذا التناسق تمّ لها العبور الناجح إلى عصر جديد تستعيد فيه دورها الذي كان لها، نحو قيادة الإقليم والتأثير في العالم، يدعمها في هذا الاتجاه امتلاكها لكتلة حيوية من الجغرافيا والبشر، والقوة العسكرية تجعلها من القوى المركزية في العالم، تلك التي تأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد القوى العظمى.

فإذا أضفنا إلى عناصر هذه الكتلة الحيوية ميزتين أخريين، أولاهما ثقافية تتمثل في انتمائها إلى أمة عربية تسندها في أزماتها على النحو المشهود الآن، وفي المقابل تمثل هي جسر انتقال إلى هذه الأمة ومفتاح تأثير فيها حال استفاقتها، كما كان الأمر على مدى عقود مضت، وثانيتها جيوبوليتيكية تتعلق بالموقع المركزي المزين بقناة السويس وما لها من أهمية استراتيجية كبرى.. تبدّى لمصر ثقل بارز يمكنه، حال تنشيطه وتنميته، أن يضاهي الثقل الإستراتيجي لبريطانيا أو فرنسا.

غير أن محورية مصر تمثل لها، مرة أخرى، فرصة وخطراً. الفرصة هي ما أكدناه تواً من معاني الأهمية إذا أجادت مصر عملية التأسيس، والخطر ينبع من زيادة التركيز عليها، وعمق الاهتمام بأمورها إلى درجة تجعل مصيرها أهم من أن يترك لها وحدها. ولعل هذا الاهتمام الممزوج بالانشغال هو ما يترجمه البعض بكونه مؤامرة عليها، وهو لا يعدو أن يكون تخطيطاً استراتيجياً، يتوجب العمل في ظله لدى كل دولة ترنو إلى الحضور الفاعل في عالمها.

وهنا يصبح السؤال: كيف يمكن مصر تحقيق التناسق بين هذه المكونات الثلاثة، وبالأحرى كيف يمكن تحقيق ديموقراطية لا تقصي أحداً كما يريد العالم، وفي الوقت نفسه الحفاظ علي استقلالها الوطني في هذا العالم، وذلك في ظل ظروف انقسام مجتمعي واستقطاب ثقافي؟ تدلنا الخبرة التاريخية على أن قوة الدولة الوطنية هي أساس البناء الراسخ، الذي ينبني عليه كل إصلاح سياسي أو تطور ديموقراطي، ما يعني أن المطلوب من مصر الآن وفوراً هو الضرب بيد من حديد على أيدي من يرفع السلاح في مواجهة الدولة أو يسعى إلى تشكيل مركز قوة مستقل عنها، وأن تتصدى لكل دولة تمنعها من ذلك عبر الصياح والصراخ أو التهديد، لأن أحداً في العالم لا يمكنه أن يعاقب أو يعطل مسيرة شعب يعرف ما يريد، يلتف حول قيادة واعية ويحميه جيش وطني، وهو الأمر الذي يضمن تحقيق التماسك الداخلي والاستقلال الخارجي معاً، وذلك قبل الشروع في العبور نحو الديموقراطية.

وهنا يتعين علينا ضرورة الفصل بين مرحلتين أساسيتين في عملية العبور التاريخي التي نخوضها الآن، وما تثيره من سجالات حول طريقة التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، استيعاباً أو إقصاء: الأولى هي مرحلة التأسيس، والثانية هي مرحلة الممارسة.

في الأولى، الممتدة لشهور قادمة، يتوجب علي الدولة فرض شروطها كاملة من دون مساومات، بحيث تمضي في برنامجها نحو دستور مدني ديموقراطي بالمعايير العالمية، لا مجال فيه للخلط بين الدين والسياسة، يقوم على حق المواطنة الكاملة وسلطة المواطنين، لا سلطة الشريعة، حتى لو خرجت كل تيارات الإسلام السياسي من العملية برمتها، وصولاً إلى عمليات بناء الدولة ومؤسساتها.

وأما في المرحلة الثانية، الممارسة، وبعد أن تترسخ قواعد اللعب، فيجب استيعاب الجميع إذا احترموا شروط اللعبة كاملة غير منقوصة، وانتظموا في أحزاب سياسية مدنية بعيداً من الجماعات الدينية السرية، فطالما كان الملعب السياسي محدداً، والحكم نزيها ومحايداً، وما دامت إرادة الدولة مكتملة، فلن تكون هناك مشكلة في تبادل السلطة حتى لو أتت بحزب ينتمي لما كان يعرف بالإسلام السياسي، فالمهم هنا ليس هو اسم من يحكم طالما احترم قواعد اللعب النظيف، بل المهم هو قدرة الدولة على أن تبقى متماسكة وراسخة، وعلى أن تبقى فاعلة ومؤثرة مهما تعاقب حكامها أو تغيرت أنظمتها، فتلك هي شروط العبور التاريخي الكبير نحو الحرية والتقدم. 





* كاتب مصري





 

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات