بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
أهل الشام
  26/09/2013

أهل الشام

سلام الكواكبي (النهار)


في نهاية القرن التاسع عشر، استقبلت مصر أعداداً كبيرة من السوريين واللبنانيين الذين سمّتهم تحبباً بالشوام. حيث شارك الكثيرون منهم في النشاط الفكري والصحافي والاقتصادي والفني، مستفيدين من هامش الحرية النسبي مقارنة بمعاناتهم في بلدهم الأم من اضطهاد واستبداد الحكم العثماني. وعلى الرغم من الهيمنة العثمانية المشتركة على البلدين، إلا أن خضوع مصر الخديوية إلى الباب العالي حينذاك كان أقل بأساً من الوضع السوري، وخصوصاً في مرحلة الرجل المريض واضمحلال تأثيراته الإقليمية.

“توعية” المهاجرين الشوام في تلك الفترة تمحورت خصوصاً حول رجال الفكر والمال. وكان الترحيب بهم شعبياً ورسمياً غير مرتبط بهاتين “الميزتين” بقدر ارتباطه بانفتاح مجتمعي مستند إلى حضارة عريقة واثقة قبلت بأن يكون من رجالاتها الكثير من غير المصريين.

واستمرت العلاقات الإنسانية طوال عقود بين الشعبين معتمدة على التواصل الاجتماعي والتلاقح الثقافي والتأثير الفكري.

واستمر التآخي الشعبي ينمو على الرغم من أن العلاقات السياسية بين النظامين القائمين بعد انهيار تجربة الوحدة سنة 1961 لم تكن وردية دائما.

وحتى في الحرب المشتركة سنة 1973، فالثقة على مستوى القيادات كانت مهزوزة، وسال بعد نهايتها الكثير من الحبر لتقويمها وتقويم دور الأطراف المشاركة. وفي المقابل، فقد استمر التلاحم الإنساني والوجداني بين المصريين والسوريين كشعوب، وتجاوز كل المماحكات التي أفضت بعد سنوات عدة إلى انقطاع سياسي كامل أدت إليه اتفاقيات “كمب ديفيد”.

إذاً، لم يكن للأزمات السياسية وضعف الثقة الأمنية بين البلدين أي تأثير طوال عقود على العلاقات الإنسانية والعائلية بين الشعبين. فما الذي يجري في يومنا هذا ويؤثّر سلباً على استقبال السوريين اللاجئين من جحيم المقتلة التي تواجه بها تطلعاتهم للحرية وللكرامة؟

إن دراسات التطرف في العلوم السياسية تستعرض اسباباً عدة لتطوره واستفحاله في بعض المجتمعات فتربطه بالأزمات الاقتصادية وانعدام الحلول المجتمعية وانسداد الأفق الفكري وتخلي النخب عن دورها الريادي والتنويري، واستفادة الحركات السياسية من ظروف معينة تؤجج هذا التطرف لإبعاد الاهتمام عن ضحالة البرنامج السياسي الذي تتبناه، إن كانت في الحكومة، أو فقدان البديل المناسب، إن كانت في المعارضة. وكانت دائما الأنظار تتوجّه، أو بالأحرى توجّه، إلى الأجنبي القادم لينهل من خيرات البلد ويستحوذ على وظائف أهله ويزاحمهم في لقمة عيشهم.

ولكن، هل هي حال السوريين في مصر؟ هل من استثمر ملايين الجنيهات في الاقتصاد المصري يزاحم المصري على لقمة الخبز؟ هل بعض المتميّزين من الفنانين السوريين سيحرمون نجوم مصر من أدوارهم؟ هل يُزاحم السوري اللاجئ الهارب من بلده المدمّر شقيقه المصري الذي كان دائماً سبّاقاً لاحتضانه؟ هل إنَّ خطأ بعض من السوريين وتظاهرهم إلى جانب بعض من أخوتهم المصريين بناء على موقف سياسي، يسمح بتعميم الموقف ووضع السوريين موضع مساءلة جماعية؟

الشعب المصري بكل تياراته غير مسؤول عن هذا الشحن والتشويه الفكري. إن المسؤول هو إعلام تحريضي يحمل خطاباً متطرفاً يسعى لإلهاء المصريين ويحرفهم عن مستقبل سياسي تشاركي. والمسؤول أيضاً هو قيادات سياسية استقالت من واجب دعم حق السوريين في الحرية وتحالفت مع الاستبداد المحيق بهم كما سبق وفعلت مع صدام حسين.

حيوا أهل الشام يا أهل الله!
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات