بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
دمـشــــق بيــن ربيعيــن …ربيع تم صده وربيع يتصدون له !
  12/12/2013

حبيب عيسى :دمـشــــق بيــن ربيعيــن …ربيع تم صده وربيع يتصدون له !



المحامي حبيب عيسى : كلنا شركاء


( 1 )

لا أعرف حقيقة لماذا تلح عليّ حالة القلق التي أعيشها هذه الأيام للعودة إلى تلك الحالة التي امتزج فيها القلق بالإحباط بالأمل والتي حكمت الفترة الزمنية الممتدة بين ربيع دمشق الذي كان ، وبين الربيع العربي الآتي من قرطاج ، فلقد كنت منهمكاً في ربيع دمشق مع بداية القرن الحالي ، والحلم يراودني بإنه سيكون ربيعاً عربياً بامتياز ، لكنه أودى بي إلى الزنزانة يومها ، فحاولت بقدر ما تطيق الروح البشرية أن أحوّل تلك الزنزانة من مقبرة للحلم إلى حاضنة له بالرغم من الأسئلة التي كانت نائمة فأيقظتها الزنزانة إلا أنني كنت متفرغاً تماماً لاختراع إجابات لها ، فللزنازين المنفردة نواميسها ، خاصة إذا هزمت سجانك ، وحولت زنزانتك من زنزانة إلى صومعة للتأمل .

لكن المفاجأة المأساوية كانت بعد مغادرة الزنزانة ، فالأسئلة التي واجهتني بعد مغادرتها بدت أكثرصعوبة ، لقد تبدد الحلم بإن تكون براعم ربيع دمشق قد تفتحت أزاهيرها أثناء غيابنا في الزنازين ، على العكس تماماً كان الواقع صادماً ، فالأسئلة تطرح لتبرير العجز ، والإجابات الصائبة لا يسمعها أحد في واقع صاخب شديد الاضطراب والتضارب ، هكذا تجدد الحنين لدي للعيش في أجواء الزنزانة من جديد واعتزال الصخب ، أعلنت استقالتي من المعارضات المتعارضة ، وحشرت نفسي من جديد في زنزانة لكنها هذه المرة من تصميمي ، أنا اخترتها لنفسي بكامل إرادتي ، ربما كان مصدر الإرباك في هذا كله أن المغادرة، أو الطرد من الزنزانة الأولى كان فجائياً ، فما كدت أغادر عتبتها حتى اصطدمت ، أو انصدمت بالواقع خارجها .

لقد كانت تلك الزنزانة المنفردة توفر لي حرية الحلم بأن ما بدأناه في ربيع دمشق عام 2000 من حوار ديموقراطي ينمو ويزهر خارج الزنازين التي تحجب عنا الرؤيا ، وكنت قد بدأت أفكر، دون أن أحسم أمري، عن ما أنا فاعل، إذا وجدت نفسي على عتبتها مغادراً ..؟ كان ذلك الليل الطويل، الذي استمر ما يقارب السنوات الخمس، قد فتح الأبواب كلها لاحتمالات متناقضة، ذلك أنك ،هناك، مجبر أن تفتح عينيك في العتمة عندما يهرب النوم تكتب عليها ، وتمحو، ثم تعيد ، وهكذا دواليك إلى أن كتبت على ذلك اللوح الأسود،ذات ليل، من العتمة بالخط العريض أنني إذا غادرت ووجدت أن الصراعات الشخصانية مازالت كما هي سأعتزل في مكان بعيد ، سأحمل كتبي وأوراقي ، قد أكتب، لكن لزمن أكون قد أصبحت فيه خارج نطاق الرؤية ، إلا أن الإنسان ، ذلك الكائن الجدلي، سرعان ما يمل الثبات على شيء … ، فعادت الأسئلة الصعبة تطرح نفسها في أحضان تلك الزنزانة المنفردة .

- لماذا لا أكتب كل ما اختزنته الذاكرة من أحلام، وطموحات، واعترافات، وهموم ، وألقيها عن كاهلي، وأرى أثرها في الواقع قبل الرحيل ..أو ربما يهتم بها جيل قادم ؟

- لماذا لا أقتحم الصراعات، والسجالات الدائرة حول الواقع والمستقبل وأدافع عن وجهة نظري ، لماذا الهروب …؟

- لكن ،في الوقت ذاته لماذا أحّمل نفسي ما لا تطيق ، وهي بالفعل لم تعد تطيق المناكفات ؟ أليس من حقي، أن أبحث عن مكان قصي، أعتزل فيه ما تبقى لي من أيام تعويضاً عن تعب السنين ، وبحثاً عن السكينة والهدوء ..؟

( 2 )

هكذا ، وقبل أن أحسم خياراتي ، بل كان حسمها داخل الزنزانة مستحيلاً من الناحية الموضوعية وجدت نفسي خارجها ، وما زالت كلمات مدير السجن السياسي ترن في أذني عندما تم استدعاءه على عجل لمعالجة حالة لم يألفها السجانون من قبل ، وهي أن السجين يرفض أن يغادر الزنزانة إلا بعد تلبية شروطه بأن يكون آخر سجين سياسي في تاريخ سورية وأن يتم الإقراج عن جميع المعتقلين السياسيين قبل الإفراج عنه ، عندها تقدم مدير السجن السياسي من السجين – الذي هو أنا – واحتضنه ثم همس في أذنه حتى لا يسنعه أحد : “يا … الذي يقع بين أيدينا لا يعرف كيف يتخلص من قبضتنا نحن الآن لا نعرف كيف نتخلص منك …سيتم الإفراج عن … خلال 48 ساعة ، ثم سحبه إلى باب الزنزانة ، وهو يصدر أوامره للسجانين أخرجوا أغراضه من الزنزانة ، واغلقوا الباب …” عندما أتذكر ذلك الموقف أسخر من نفسي ، لقد كان موقفاً “دنكشوتياً” لا مقومات موضوعية له ، لكن هكذا كان وشهوده أحياء ، أقول ذلك للتعبير عن حالة إنسانية يخرج فيها الإنسان عن حالة التحكم الإرادي ويقوم فيها العقل الباطن بالتحكم واتخاذ مواقف تبدو وكأنها غير واقعية .

هكذا بالضبط تم طردي من الزنزانة ، وما كدت أصل بيتي حتى وجدت نفسي في سياق من العواطف الأنسانية المتفجرة أحاطني فيها أعزاء على سجيتهم لا أعرف الأسماء لكنني أحفظ الوجوه ، نساء يزغردن ووفود من كل مكان في الوطن يتحدثون بلهجاته المحببة ، لكن شيئاً، فشيئاً بدأت مرارة الواقع تضغط على صدري ، وتتسلل ببطء، لتقبض على أعصابي ، هناك هوة ساحقة بين المشاعر الشعبية النبيلة ، وبين النشاط السياسي التقليدي أو ما تبقى منه ، هناك انفصام تام بين مشاعر وطنية لا تجد من يعبر عنها وبين ممارسات سياسية افتقدت الديناميكية والرؤيا وتهشمت بفعل أجهزة قمع عاتية .

كنت قد كونت فكرة نظرية متكاملة عن اغتصاب الاستبداد للمجتمع ، وكنت قد راقبت لسنوات طويلة أثر هذا الاستبداد على وجوه الناس ، لكنني وجدت الصورة أكثر قتامة ، ووحشية من كل ما سطره المنظرون والفلاسفة ، أو ما جادت فيه قرائح علماء النفس والاجتماع … لقد دفعت الإنسانية دماء غزيرة للانتقال من التوحش إلى الأنسنة ، الآن تعيدنا نظم الاستبداد بأشكالها المختلفة إلى توحش أمر وأقسى ، كنا في الماضي أمام توحش ساذج فطري ، الآن، نحن أمام توحش معولم ، منظم ، مدروس ، يستخدم كل ما أنتجه العقل البشري، عبر العصور، ليقضي على أنسنة الإنسان .. فيغدوا المشهد: وحوش ضارية منفلتة، تفتك بكائنات مذعورة خائفة ،لا تلوي على شيء ، ولا تقرر شيء ، تفتقد إرادتها، وتعتاد أن تتحول إلى كائنات تتصرف، بردود الأفعال فقط ، ككل الكائنات، برد الفعل المنعكس الشرطي، لا أكثر، ولا أقل تعتاد أن تكون بلا إرادة ، بلا حقوق ، بلا قرار ، وبالتالي تتصالح مع المستبد، وتصفق له، وتسيّر له المسيرات ، وتقتنع، أن من حقه، أن يتحكم بها، وأن يفعل بها ما يشاء ، وبالتالي فهي تواجهك باستغراب، عندما تحدثها، عن حقوقها في المشاركة ، حقها في القرار ، حقوقها الأساسية ، كل هذا لم يعد يعني لها شيئاً ، وبالتالي فإنها تتصالح مع ذاتها، لأنها لا تشعر، أن هناك شيء، ما ،مسلوب منها، فهي لم تفتقد إحساسها بالعدوان على حقوقها ، وحسب، وإنما افتقدت إحساسها بأن لها حقوقاً من الأساس … أو يدفعها التوحش السلطوي لتوحش مماثل …أو تكظم غيظها يأساً .

أما على مستوى الجماعات السياسية، فإن أوضاعها ليست أحسن حالاً ، فهي قد تعرضت لتعسف شديد ، وإلى عقود من الاضطهاد دفعت بها إلى الأقبية السرية والظلام فتصالحت مع الركود وعدم الفعالية ، واكتفت بالتعبير عن بطولاتها التي تمثلت بأنها رفضت أن تكون أداة من أدوات الاستبداد ، وهذا بحد ذاته شرف كبير لا يستهان به ، لكنها انساقت مع الوضع العام ، فباتت بلا فاعلية ، بلا برامج للتغيير ، وبالتالي فإنها تنتظر أن تتفسخ نظم الاستبداد من تلقاء نفسها ، أو، أن تتلقى ضربة من غامض علم الله ، لكنها وبتكويناتها لم تعد قادرة بأي حال من الأحوال أن تكون أدوات للتغيير ، هي تنتظر أن يأتي التغيير ، وهي تدرك أن الاستبداد جردها من مقدرتها على الفعل، وباتت هياكل عظمية غير قادرة على الحياة الفعالة، لكنها ترفض الموت ، وتصر أن تبقى بانتظار حدث ما .. لعله يأت ..!

( 3 )

هكذا وجدت نفسي بعد خروجي من الزنزانة الأولى في خضم حراك اجتماعي وسياسي يحتضنني ، لكنه لا يعرف بالضبط ماذا يريد مني ، وأنا أعرف أنه لا يطيق ما أريده منه ، أو على الأصح، لا أنا قادر على أن أضع نفسي في سياق إراداته المتناقضة ، لأن مدرسة الزنزانة علمتني أن أدرس الجدوى قبل الانخراط في أي عمل ..، ولا هو قادر على تصنيفي في الاصطفافات والزواريب التي بدت لي بدون جدوى …، وإذا كان هذا المنطق يستقيم من الناحية النظرية البحتة ، فإنه على أرض الواقع لم يستطع الصمود طويلاً ، لأنني ببساطة غير قادر على الانفراد في قرارات لا تمسني، وحسب ، وبالتالي، فإن الخيارات، ليست مفتوحة على أرض الواقع، كما هي من الناحية النظرية ، وهكذا وجدت نفسي مرة أخرى غير قادر على النأي عن جهد عام حلمت دائماً أن يكون مؤثراً، وفاعلاً ، وإيجابياً ، وبالتالي فأن الاحتجاج بالظروف التي تحيط بالعمل العام، وتحاصره، وتجعل الانخراط فيه بغير جدوى …،كل ذلك لم يصمد أمام الإلحاح على ضرورة العمل المتاح والممكن،وبالتالي، فإن الهروب، والاعتزال، ليس هو الحل الأفضل .

هكذا ، ومرة أخرى، تركت نفسي للرياح تتقاذفها، في الاتجاهات كافة، ولعل وعسى…،ولم يكن أمامي خيار آخر…، كنت قبل دخولي الزنزانة مع مطلع القرن الواحد والعشرين أعتقد أن المجتمع وبعد فترة الاستنقاع الطويلة التي فرضها الاستبداد عليه يحتاج إلى شيء، ما ، ينعش الحياة في أوصاله من جديد ،وأنه لابد من حراك اجتماعي بالحدود التي يطيقها…،وأنه من العبث أن نطالب بأن يكون ذلك كله في الاتجاه الصحيح ..،وأنه لابد من الانعتاق من السكونية القاتلة .. المهم، أن يعود هذا الحراك، وبالتالي، فإنني، وفي ذلك الوقت لم أكن أسأل عن نوعية الحراك، أو عن كنهه ، فقط كان يعنيني أن يحدث .. لهذا كنت، وعلى السجية انخرط ، وعلى الفور في أي نوع من الحراك يحدث .. منتديات : نعم .. بيانات : نعم أضع توقيعي عليها دون أن أقرأ مضمونها ..، جمعيات نعم ..، حوار حول مستقبل الدستور والقضاء وبنية الأحزاب السياسية ، حول نقد ما جرى ، لكل هذا نعم، وألف نعم .. وبقيت على هذه الحال إلى أن حُشرت في تلك الزنزانة المنفردة ، وهكذا كان السؤال : هل أعيد التجربة بعد مغادرتها ..؟ وهل مازال هذا الأسلوب صالحاً للتطبيق مرة أخرى…؟! .

كنت على يقين، من صدق الفكرة القائلة أن التاريخ لا يعيد نفسه، وإذا أعادها فسيكون على شكل مهزلة .. لكن هذه القناعة النظرية لم تعصمني من الانخراط مجدداً في ذات التجربة ، وكان عذري أن الخيارات أمامي محدودة ، وأن البديل هو الوحدة والانعزال .. هكذا عدت إلى ذات الواقع ..، إلى ذات الحوارات ، إلى البيانات ذاتها ..، إلى التجمعات بعينها ..، وشيئاً، فشيئاً، بدأت أكتشف أن الواقع بات أكثر تعقيداً ، لم يعد من الممكن قبول الأمور بتلك البراءة والعفوية التي كانت في عام /2000/ لقد تغيرت أمور كثيرة ، فقد “ربيع دمشق” ألقه ، فقدت البراعم نضارتها ، بهتت الألوان .. تقوقعت القوى وارتفعت نغمة المهاترات الشخصية ، وانتشر نهج الفرقة الناجية والباقي إلى الجحيم .



في المقلب الآخر كانت القوى التي تواجه النهوض في الداخل والخارج معاً تستعيد أنفاسها بينما كانت قوى النهوض تفقد بصرها وبصيرتها، فتراهن على الصراع داخل قوى الظلام ، تراهن تارة على أن رياح الظلام القادمة من الخارج ستقتلع قوى الظلام الجاثمة على صدورنا ، وتراهن تارة أخرى على قوى الظلام الجاثمة على صدورنا بأنها ستشتت قوى الظلام القادمة من الخارج .. وكان هذا كله هراء، ووهم، فالظلام سواء في الداخل، أو من الخارج متجانس، تتدافع فيه الأشباح، وتتصارع ، لكنها متحدة متراصة حتى لا يفلت شعاع نور واحد .. من أي مصدر كان … في وطننا العربي ..!

( 4 )

رغم ذلك كله ، كان لابد من الانخراط في وسط يعلو فيه الصراخ، وتجف فيه ينابيع المعاني ، وكأننا في برج بابل ، بدأت أفقد حماستي حتى للاستماع للكلام ، ثم في مرحلة لاحقة فقدت المقدرة عليه ، وفي مرحلة ثالثة فقدت المقدرة حتى عن الرد على الأفكار، والرؤى ، التي توجه إلى شخصي تحدياً ، واستفزازاً …فاعتصمت بالصمت … كم صعب عليك أن تعتصم بالصمت وسط الضجيج ..؟ ورغم ذلك لم أسلم من السؤال…، يلحّون عليك : فأنت مع من ..؟ وفي أي خندق ..؟ انتظرت أن يسألني أحد : من أنا ..؟ .. لكن هذا السائل لم يأت .. وهنا بدأ بعض الأعزاء الذين يعرفونني ربما أكثر مما أعرف نفسي .. يهمسون في أذني .. ما هذا الذي تفعله بنفسك ..؟ وإلى أي مدى يمكن أن تحتملك ..؟ أين أنت ..؟ ما علاقتك بهذا كله ..؟ أين مواقفك الحادة المعهودة ..؟ لماذا كل هذه المجاملات ..؟ ومع الجهد الذي بذلته للتبرير والتبسيط ، وضرورة التعامل مع الظروف والتسامح ، ومع المقدرة على المماحكة التي اكتسبتها مع الأيام .. بدأت أعترف بالهزيمة ، فقد كنت أدرك عندما اختلي إلى نفسي … أنهم على حق ، وعلي أن أعود إلى زنزانة ما .. لكن هذه المرة من صنعي ، وبملء إرادتي …! .

عام ، ثم عام آخر ، ثم عام ثالث ورابع انقضى على هذه التجربة المريرة بعد مغادرة الزنزانة منذ عام 2006 وحتى 2010 ، كنت خلال تلك الأعوام، على ما يبدو، أبحث عن الخلاص من رضوض نفسية، تؤرقني، تولدت عن سنوات العزلة داخل الزنزانة ، يطلق عليها علماء النفس، السلوك التعويضي ، بأن أستعيد اختبار حبالي الصوتية، أو أنني مازلت قادر على الكلام ، أو على الأقل مازلت كائناً اجتماعياً ، مازلت إنساناً، وبالتالي يجب أن أتواجد في أي حراك اجتماعي ، أو سياسي ، أو ثقافي ، أو حتى إنساني، على الصعيد الشخصي ، وكأنني في اختبار جديد ، لصلاحيتي للحياة ، ففي لحظات يأس كثيرة، انتابني الإحساس، بأن صلاحيتي، قد انتهت، وفات أوانها ..! وللخروج من ذلك يجب أن أخضع نفسي لامتحانات متتالية في المجالات كافة لعلي أنجح في إحداها …!!

لكن، وبعد حين، أدركت أن هذا كله ضرب من الوهم ، وأن علي أن أعود إلى خط البداية ليس هروباً من أي موقف ، ولا خوفاً من أية جهة ، ولكن إدراكاً مني بأنني، وفي كل الأماكن التي وجدت نفسي منخرطاً فيها ، لست مهماً إلى هذه الدرجة التي توهمت ، فغيابي لن يضير أحد في شيء ، وأنه ببساطة يمكن الاستغناء عني ، وبالتالي فقدت الإحساس بأهمية هذا التواجد ، وهذا أخطر ما يمكن أن يحس به إنسان .. فانسحبت .. لأجد نفسي مرة أخرى بين من يمسك بي معاتباً لإنني انسحبت ..، وبين من يقرّع ، ويرفع الصوت ، ألم نقل لك ..؟! ، فأتسلل من ذلك كله باحثاً عن زنزانة من نوع آخر تختلف قليلاً عن زنزانتي السابقة، فمفتاحها هذه المرة في يدي ، والنور يدخلها من بعض الجهات ..، والأهم أنني أتمكن من الكتابة، والقراءة كما أشاء ، ودون خوف، من أن تذهب كتاباتي إلى يد السجان مباشرة ، وقبل أن يقرأها أحد . كما أن نوافذها لا تحجب الأفق الذي أهوى دائماً أن يكون مداه بعيداً .. لكنني، ورغم كل هذه الميزات البالغة الأهمية ، إضافة إلى أن بعض الأحبة يتمكنون من اقتحامها في أي وقت يشاءون ذلك …، فإنني وبإرادة حرة قررت أن أقتصد قدر الإمكان في الإفادة من هذه الميزات احتراماً لنواميس الزنزانة ..، ومن هنا ، من هذه النقطة بالذات جاء العنوان الثابت لهذه الأحاديث / على بساط الثلاثاء / فما علاقة الثلاثاء بذلك ..؟! .

( 5 )

في الزنزانة، إياها، كان للسجان مكرمة ، وهي أنه يسمح لأسرتي ، أي وبالتحديد زوجتي وأولادي وأحياناً حفيداتي الصغيرات أن يلتقوا بي تحت إشرافه ونظره، وبرعايته لمدة نصف ساعة يوم الثلاثاء كل خمسة عشر يوماً … وبالتالي فإن الثلاثاء، في الزنزانة، لم يكن يأت، مرة في الأسبوع ، وإنما كان يأتي مرة واحدة كل أسبوعين ، وهكذا كنت مضطراً أن ألغي يوم الثلاثاء من الأسبوع الذي لا تكون الزيارة فيه فأشطبه من مفكرتي ، وأكتب عليه الأثنين مكرر ، الآن ، ومن المميزات الجديدة للزنزانة الجديدة فإن الثلاثاء بات يشرفني كل أسبوع ، وأن اللقاء لم يعد يقتصر على أسرتي ، وإنما امتد واتسع لكل من قرر أن يشاركني همومي، والأهم أيضاً أن السجان هنا ليس مرئياً ، وإن كان يراقب ، ويملك أن يضع حداً لكل ذلك في أية لحظة وينقلني من زنزانتي إلى زنزانته ، وربما لما هو أبعد ..

على أية حال ، لابد من الاعتراف، أن الأيام التي انقضت منذ مغادرة الزنزانة المنفردة قد تركت ندبات، ورضوض على أعصابي من الصعب اندمالها .. الأيام الأولى خارج الزنزانة كانت حافلة بالأمل ، ثم، وفجأة بدأ الأمل يخبو .. والخطوط تتشابك ، وقصف إعلامي متطور، يبث ليل نهار، لا لتوضيح الصورة ، ولكن لجعلها أكثر غموضاً ، لا للفرز ، ولكن لخلط ما تبقى من الأوراق ، ثم أحداث تتالى ، ومعارك تنشب فجأة ، وتتوقف بدون مقدمات، ثم اصطفافات مفروضة بين خيارات مرفوضة فأين تذهب بنفسك …؟

هكذا بدا حال الأمة يتكشف بالنسبة إلي ، حيث بدت وكأنها في عين إعصار هائل يلفها في دوائر مفرغة إلى حد الدوخان ، العالم كله قادم إلينا ، شاخص الأبصار ، يسلط أضواء هائلة على مناطق، ومواقف، ومواقع ، إلى حد يصيبنا بانعدام الرؤية ، ويفرض عتمة ، وظلاماً دامساً على مناطق، ومواقف أخرى ، إلى حد انعدام الرؤية أيضاً .. وفي الحالتين لم يعد أحد في هذه الأمة قادر على معرفة حقيقة ما يجري بسهولة ، وبالتالي من الصعب أن يكون صاحب قرار ، الجميع هنا ينتظر القرار من المجهول ، والجميع هنا يمارس مهنة التبصير، والتنجيم ، ترى ماذا يكون القرار …؟! وما هي وجهة الأحداث ،ومن يوجهها حقيقة….؟؟؟ . وهكذا كانت الحال في دمشق عندما بدأت رياح الربيع العربي تدق أبوابها في أواخر عام 2010 فعادت أحلام ربيع دمشق الذي كان تزهر من جديد ، لكن قدر دمشق أن تقرر مصير الربيع القادم إليها من قرطاج وتحدد اتجاهه ، فتم استنفار رياح السموم من كل حدب وصوب في هذا العالم لمواجهته على ساحتها بينما كان واقعها مأساوياً كما أسلفنا ، لكنها دمشق ستعرف كيف تلبي النداء وتمضي بالربيع العربي إلى حيث يمطر ويروي أرضاً عربية طهور بين المحيط والخليج يطهرها من دنس الطغاة والغزاة الذين أفسدوا وتوحشوا وآن لهم الرحيل ، أعرف أن هناك الآن من يرفع حاجبيه ويرى في ذلك أحلام لا علاقة لها في هذا الواقع الدموي المتوحش ، لا بأس ، فقط أقول : إذا كان من حق الذين يواجهون الربيع العربي أن يعلنوا هزيمته وتحويله إلى عواصف هوجاء ؟ ، فمن حقنا أن نقول : أن المعارك مازالت مستمرة ، والنصر في النهاية لمن يستحقه …
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

د. إحسان قضماني

 

بتاريخ :

13/12/2013 00:38:56

 

النص :

كون المعارك مازالت مسسستمرة يمنحنا الكثير من الامل والرجاء بأن يتمخض صراع المتضادات الأصولية المتوحشة الدائر حاليا عن فنائها وتلاشيها وعن انبلاج فجر البديل المنشود الأفضل والأكثر تقدما.