بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
حبيب عيسى:الشباب في سورية…من التمرد الى السياسة ومن ثم الى الثورة !
  21/12/2013

حبيب عيسى:الشباب في سورية…من التمرد الى السياسة ومن ثم الى الثورة !


المحامي حبيب عيسى- كلنا شركاء


( 1 )

لقد بدأ الشباب في الوطن العربي مشوار التمرد على أنظمة الاستبداد والفساد ، وكسروا حاجز الخوف الذي ورثوه من جيل قهرته أجهزة القمع ، دمرت وشتت مؤسساته السياسية ، لكن هذا الجيل الشاب اكتشف أن التمرد لا يكفي لإن البدائل التي تسلقت سلم تمرده تشبه رموز أنظمة الطغيان التي تمرد عليها ، بل هي الوجه الآخر لتلك الأنظمة عصبوياً وفساداً وتخريباً للنسيج الاجتماعي عندها أدرك هذا الجيل الشاب ضرورة إبداع القواعد المؤسسة لا ستعادة المأسسة السياسية الوطنية ، وإلا فإن تمرده قد يرتد وبالاً عليه ، وكان لا بد أن يترجم هذا الإدراك بالانتقال من التمرد إلى المأسسة السياسية ، ومن ثم إلى الثورة بمفاهيمها التغييرية الشاملة ، باختصار شديد أدرك الشباب أن الطريق إلى الثورة يمر بالمأسسة السياسية الوطنية ، فالمرحلة الأصعب تبدأ مع إسقاط أنظمة الطغاة وبعدها لرسم خارطة طريق تبدأ ببناء مؤسسات الدولة التي دُمرت بفعل الاستبداد والفوضى ، هكذا اتجه الشباب المتمرد لتنظيم صفوفه من جديد على أسس مؤسساتية سياسية وطنية بحيث تتخلص الحركة الوطنية السياسية من أمراض الشخصنة والتفرد فتكون منارة وطنية : (1)تتلقىّ النداء الوطني ، تتفاعل معه وتفعّله ،(2) ثم تطلقه في أرجاء الوطن ،(3) يردده كوادرها (حرية ، عدالة ، ومساواة) ، يضبطون خطواتهم ميدانياً على ترددات أنغامه ،(4) يتلقون الصدى ، (5)يعيدون بثه إلى المركز لضبط الخطوة التالية ، وإطلاق النداء محملاً بالإضافة الوطنية ، وهكذا … في دورة دموية مستمرة يقوم فيها البناء المركزي للمؤسسة السياسية بدور القلب ، يتلقى ، يُنقيّ ، يضخ إلى أقصى خلية في الوطن ، ومنها يتلقى أيضاً ، وهكذا …

( 2 )

في الوطن العربي عامة ، وفي سورية على وجه الخصوص أدرك الشباب خطورة وعبثية غياب البوصلة السياسية لحركتهم ، وهنا لا بد من وقفة صدق وتصادق مع الجيل الشاب الرائع الذي أعاد لنا الحلم بمستقبل مختلف بعد مرحلة من الموات السياسي والوطني عبر كلمة أقدمها إلى هذا الجيل الجديد الرائع الذي تجاوز فشلنا والفشل الذي ورثنّاه إياه ، بإطلاق “الربيع العربي” ، لكنه افتقد الرؤيا الاستراتبجية فلم يعرف كيف يصل إليه بعد ؟ هذا صحيح ، لإن الطريق أكثر صعوبة ومشقة بما لا يقاس من الطريق الذي سلكه الأجداد في مقاومة الاستعمار المباشر عندها كان جيش الاحتلال بشاراته الرسمية في متناول اليد ، وكان خدمه وأمعاته في الداخل مكشوفين ومنبوذين ، كانت إمكانياتهم في اختراق الصف الوطني محدودة ، الآن قوى الاحتلال خفية وخدمها في الداخل الوطني أقوياء مدربين مراكز قوى وأجهزة قمع عاتية وحكاماً وميليشيات عصبوية وتخلف : أنظمة وجيوش وأجهزة ملاحقة وتجسس وقمع وميليشيات عصبوية من كل نوع تتعاون جميعاً في اختلاق صراعات تدميرية للنسيج الوطني يسدوّن بجرائمهم الطريق إلى “الربيع العربي” دون أن يضطر المحتل الخارجي لتغيير “بدلة السموكن” الأنيقة التي يطل من خلالها حزيناً على الضحايا داعياً للتفاوض ومنظماً لدورات تدريبية على التفاوض للوصول إلى النتائج التي يريدها … لكنني على ثقة أن الصبايا والشباب الذين ألقوا حجراً في مستنقع السكونية والاستلاب الذي ساد لعقود سيعرفون كيف يستعيدون قرارهم وإرادتهم وريادتهم ويتجاوزون مرحلة الإحباط ، فالطريق الذي بدأوه طويل ، لذلك قلنا منذ البداية أننا لسنا أمام انقلاب عسكري يُنهي الأمور بالبيان رقم (1) ، ما أريد قوله للجيل الجديد : لا تسقطوا بفخ اليأس والإحباط كما حصل معنا بعد انتكاسة “ربيع دمشق” الذي انطلق مع مطلع القرن الحالي حيث مررنا بذات الظروف الصعبة التي تمرون فيها هذه الأيام : تفاؤل مبالغ فيه كان في بداية الربيع ، مرحلة تالية من القلق ، ثم مرحلة ثالثة من الإحباط والزنازين والتشتت بين القوى ، أغرقنا أنفسنا في مشكلات تفصيلية وافتقدنا الرؤيا الاستراتيجية ، فلم نعرف كيف نخرج من الدائرة المفرغة التي حاصرنا أنفسنا داخلها ، ففشلنا ، عندها (2008) كتبت أعترف بالفشل من جهة ، لكنني أبشّر بربيع عربي آت من جهة أخرى غامرت باقتراح أسسه الفكرية والمنهجية (على بساط الثلاثاء من الحلقة 21 حتى 54) ، ولم أكن أحلم أن أرى تباشيره قبل انتهاء رحلتي في هذه الحياة … ، باختصار شديد سيبقى الحلم مشرعاً بعد ربيع دمشق وبعد الربيع العربي وتعثره الراهن ، بنداء لربيع عربي بين المحيط والخليج قد يأتي … لكن أي حديث الآن عن ربيع عربي ، أو حلم إنساني لا معنى له بالنسبة للشباب في سورية إلا بعد أن يزهر ياسمين ربيع دمشق ، فلتصّب كافة الجهود الوطنية بكافة تلاوينها الإيديولوجية في هذا الإطار الوطني لخدمة الشباب ، ثم لكل حادث حديث .

( 3 )

إن ربيع دمشق القادم الذي سيكون قاطرة الربيع العربي لن يأتي إلا على أيديكم أيها الشباب الرائعين ، ولن تستطيعون إليه سبيلاً إلا عندما تمتلكون البوصلة التي تحدد الاتجاه إلى المستقبل الذي تنشدون ، ولقد بدأت تباشيره بمجهوداتكم الذاتية لكنكم تدركون الآن أن ذلك لم يكن كافياً فتكالبت قوى الظلام والتوحش في الداخل والخارج لمواجهتكم ، وتهميش دوركم ، وإبراز وجوه على السطح لا تشبهكم ، بهدف إعادة الحال إلى ما كانت عليه ، وربما إلى ما هو أسوأ ، السؤال الآن : كيف تستعيدون المبادرة والريادة من جديد ؟ ، الأمر بين أيديكم لوقفة مع الذات والإمساك بالدفة من جديد حتى لا ينتهي “الربيع العربي” في دمشق إلى مانتهى إليه “ربيع دمشق” الذي كان ، وحتى تفتحون باب الأمل للربيع القادم ، والذي سيكون له ما بعده .

هكذا من “ربيع دمشق” إلى “الربيع العربي” ، ومن “الربيع العربي” إلى “ربيع دمشق” إلى الربيع العربي القادم ، فعندما تعثر “ربيع دمشق” مع بداية القرن الحالي تعثر “الربيع العربي” ، وكذلك عندما تعثر “الربيع العربي” مع بداية العقد الثاني من القرن تعثر “ربيع دمشق” ، وهكذا في علاقة جدلية يمكن تعميمها بين المحيط والخليج ، لهذا قلنا منذ اللحظة الأولى لانطلاقة رياح “الربيع العربي” من قرطاج ” : إما أن ينتصر هذا الربيع بهويته العربية بين المحيط والخليج ، وإما أن يُهزم بين المحيط والخليج ، ولدينا الكثير مما يُقال في هذا المجال ، لكننا سنعف عن ذلك ، وسنحصر حديثنا في الصراع الدائر على “دولة الجمهورية العربية السورية” ، وفيها لتحديد الموقف الوطني الذي يلمّ شمل المواطنين ، فتتوحد جهودهم لتأسيس دولة المواطنة والحرية والعدالة والمساواة ، هذا الهدف الذي لا يختلف عليه مواطن في سورية مع مواطن آخر مهما كانت المنطلقات الإيديولوجية والعرقية والدينية والطائفية لأي منهما ، ذلك أن غياب دولة المواطنة هو تهديد لجميع تلك المنطلقات على تنوعها حيث لا أمان لأحد ، ولا ريشة على رأس أحد .

( 4 )

نحن الآن كمواطنين في “دولة الجمهورية العربية السورية” أشد ما نكون حاجة للتصادق والمكاشفة والمصارحة بدون مجاملات ، وسأبدأ بنفسي لن أنتظر توجيه الاتهام لي بإنني قومي عربي ، ولن أرد الاتهام ، فأنا كذلك فعلاً ، السؤال : كيف وعلى يد منّ باتت العروبة تهمة ؟ ، هذا حديث سيكون له مكانه ، لكن دعونا الآن نبحث في الدروس المستفادة من التجارب المرة التي أثبتت بما لا يترك مجالاً للشك أن مجتمع الحرية والمواطنة والمساواة والعدالة هو المجال الحيوي للنضال السياسي ، وأن المجتمع الذي تتنازعه الصراعات الإثنية والدينية والطائفية يتحول إلى مطية للاستبداد من جهة، وإلى كيان هش يخترقه العدوان الخارجي من جهة أخرى ، فيعيد إنتاج جماعات متوحشة تدمر المجتمع ، وتدمر نفسها ، وتدمر الجماعات التي تدعيّ أنها تحميها أو تطالب بحقوقها ، فيتحول الوطن إلى ساحة لصراع عبثي يستثمره الطغاة والغزاة معاً ، وبالتالي على جميع الوطنيين في مثل تلك اللحظة التاريخية على مختلف توجهاتهم الإيديولوجية وأروماتهم العرقية والدينية الانتقال من مرحلة الموقف السلبي الفردي إلى مرحلة التأسيس لمؤسسات سياسية وطنية تحشد كافة الإمكانيات الوطنية بشرياً ومادياً لمواجهة العدوان على مجتمع المواطنة من أي مصدر كان ، ومن ثم التأسيس معاً لدولة المواطنة والحرية والعدالة والمساواة وصياغة نظام عام يكفل ذلك كله ، لا تفرد ، لا إقصاء ، لا تهميش ، ولا استئثار .



ثم ، وفي هذا المناخ الصحي من الحرية والديموقراطية والعدالة يعبر من يشاء عما يشاء عبر تأسيس أحزاب سياسية مؤسساتية ديمقراطية البنية ، وليحتكم الجميع إلى صناديق الاقتراع الديمقراطي الحر التي تفرز أغلبية سياسية تجلس في مقاعد السلطة إلى حين ، وأقلية سياسية تجلس في مقاعد المعارضة إلى حين ، والشعب وحده صاحب القرار في تبادل المواقع بينهما ، وبهذا ينتفي الحديث تماماً عن أقليات وأكثريات عصبوية تحت مسميات أخرى غير وطنية ، وينفتح الباب للتطور في الأجزاء وفي الكل .

( 5 )

ولو عدنا إلى الحوارات التي دارت على الساحة الوطنية في سورية خلال السنوات الثلاث التي انقضت نلاحظ شبه إجماع على المبادئ العامة المؤسسة للمواطنة المتساوية ، لكن أياً منها لم يترجم إلى حركة وطنية تنظم الصفوف وتحشدها باتجاه الهدف وإنما كانت النتيجة تشكيل جماعات متفرقة فاقدة الفعالية فشلت محاولات تحويلها إلى بنيان وطني ذو فاعلية فتهمشت جميعاً ، وعلى المقلب الآخر طفت على السطح جماعات التناحر الاجتماعي والوطني والديني ، وتم ، ويتم تسويق خطابها العصبوي لتصوير الصراع على أنه صراع أهلي داخل المجتمع ، أو صراع بين إرهابيين ، او صراع طائفي مذهبي ديني عرقي .

إننا لسنا معنيين بوصف الحالة الراهنة في سورية إلا بالقدر الضروري لمعرفة الواقع الموضوعي كما هو ، ومن ثم وضع خارطة طريق تؤدي إلى دولة المواطنة ومؤسساتها الوطنية ، لهذا ، واستكمالاً لمبدأ التصادق والمصارحة نرى أن جميع الوطنيين المواطنين على مختلف توجهاتهم الإيديولوجية مدعوون الآن ، بالضبط الآن ، لوضع خبراتهم بتصرف هذا الجيل من الشباب الرائع حتى يتمكن من تأسيس مؤسسة ، أو حتى مؤسسات وطنية سياسية تعبّر عن الإرادة الوطنية ، وهذا لا يعني أن يتخلوا عن إيديولوجياتهم ، أو عن خصوصياتهم الاجتماعية والعقيدية ، وإنما على العكس تماماً عليهم التلاحم والنضال معاً ليتمكن هذا الجيل الشاب من إقامة دولة الحرية والمواطنة والمساواة التي تؤمن حرية التعبير عن المبادئ التي يؤمنون بها ، وتؤمّن لهم المناخ الملائم لا ختبار صحتها وصلاحيتها ، وليكن الخيار للشعب عبر مؤسساته الديموقراطية .

المهم أن يمتلك هذا الشباب الرائع القرار والإرادة والرؤيا الاستراتيجية ، وأن يمتلك المؤسسات السياسية الحاملة لمشروعه ، وأن ينطلق بثورته للتغيير باتجاه التقدم والتحرر والحرية والنمو والتطور .

باختصار شديد لقد فشل جيلنا الهرم في توريث الشباب مؤسسات سياسية وطنية قادرة على حمل مشروعه باتجاه الحرية والتقدم ، ثم فشل ذلك الجيل الهرم في التعبير عن تمرد جيل الشباب عندما تمرد ، وفشل في تشكيل مظلة سياسية وطنية له تعبر عن تمرده ، على العكس تماماً قام ويقوم بدور سلبي في تشتيت طاقات الشباب في شلل من التشكيلات المرتهنة لإجندات عصبوية متخلفة ، وبالتالي لا بد من عملية فرز حاسمة يعود فيها الشباب إلى موقع الريادة يستعين بمن يشاء من الجيل القديم لكن لايرتهن لإجندات الصراعات الشخصانية والفردية والتدميرية التي حكمت العلاقات بين أفراد جيل هرم تعرض لإهوال من القمع والاضطهاد أفقدته المقدرة على الفعل لكنه يمتلك خبرات هائلة يحتاجها الشباب ، وهكذا على الشباب الاستفادة من الخبرات دون التشتت في صراعات وأجندات جيل قدم تضحيات هائلة لكنه لم يعد قادراً على الأداء الأيجابي المنظم ، افتقد مؤسساته السياسية فتحول كل فرد منه إلى مؤسسة، به تبدأ وإليه تنتهي ، ولا أحد يعترف بالآخر حتى داخل الإيديولوجيا الواحدة ، والجيل الشاب بغنى عن تلك الصراعات التي باتت من الماضي ، فقدت مبرراتها الموضوعية ، فتورمت مبرراتها الذاتية .

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات