بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الضربة القاضية
  24/12/2013

الضربة القاضية


ميشيل كيلو


سألت صديقي الجولاني عن ما تفعله إسرائيل في الهضبة ،وما إذا كانت قد حشدت جيشها هناك استعدادا لاي طاريء. اجاب بأسى : لا شيء من هذا ، فهي مرتاحة كما لم تكن من قبل ، ولم تحشد عسكريا واحدا في الجولان . قال هذا قبل ان يسألني باستغراب : ولماذا تقلق او تتعب جيشها ؟.
وكنت قد استمعت إلى صديق مقاتل على درجة كبيرة من الدراية السياسية والخبرة القتالية ، شرح لي مخاوفه من احتمالات تتسم بعدم الانضباط يمكن ان تترتب على معارك الجولان الراهنة بين النظام والجيش الحر ، فاحببت ان استوضح صديقي الجولاني عن صحتها ، فنفاها وقال ما كنت دوما اعتقده واردده ،وهو أن اسرائيل خرجت منتصرة بالضربة القاضية على سوريا والمشرق بسبب صراع افتعله نظام دمشق ضد شعبه لم تخسر فيه جنديا واحدا أو تنفق عليه اي شيكل ، لن يتحداها بعد نهايته اي مخلوق في العالم العربي لفترة عشرين او ثلاثين عاما ، بمن فيهم " جهاديو" حزب الله ، الذين ورطوا انفسهم في القتال الداخلي السوري لاسباب فئوية صرف، فلماذا " تتولدن" اسرائيل وتسعى الى تكرار تجارب فاشلة كانت قد اعتمدتها في جنوب لبنان ، انتهت إلى اخفاق صريح ، وعجزت عن الصمود امام التحديات ، وتحولت إلى عبء جسيم لم يتمكن الاحتلال من حمايته رغم ما بذله من مال وخسره من رجال ؟.
وكان صديق ثالث الماني الجنسية سوري الاصل قد اخبرني انه التقى رئيسة وزراء اوروبية ، وحين عاتبها على موقف بلادها من المأساة السورية ، ابلغته ان رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو قال لها في ختام زيارة قام بها إلى بلدها : " سنقطع اليد التي ستمتد إلى بشار الاسد " ، فقررت البقاء خارج الموضوع السوري بعد ان كانت عازمة على الدخول فيه بحماسة . هذا القول لا شك لدي في صحته، فمن غير المعقول والمقبول أن توافق اسرائيل على إطاحة نظام يدمر دولة ومجتمع سوريا : خصمها الاستراتيجي على حدود فلسطين الشمالية . ومن غير المعقول أو المقبول ان تسمح لاحد بايقاف عملية تدميره ، ما دامت ستشطب سوريا لعقود عديدة من معادلات القوة في المشرق، وستمكنها من الانفراد بالمجال الاستراتيجي العربي من حدود الجولان إلى مشارف طهران ، مع ما سيترتب على ذلك من تغيير عميق في ابنية وعلاقات المنطقة ، ومن ترد في اوضاع فلسطين ، وتحسن في اوضاع السياسات الاستيطانية وفرصها ، ضمن ظرف يغرق مصر في مشكلات داخلية لن تحل في امد قريب ، تخرجها عمليا من أي تأثير على الجوار ، وتعزلها داخل جدران وادي النيل الضيقة ، فلا يبقى هناك من يتحدى تل ابيب او ينافسها داخل البيئة العربية المحيطة بها . يحدث هذا كله بفضل نظام استبدادي يدعي الصمود والممانعة ، ما ان طالبه شعبه بشيء من الاصلاح حتى انقض عليه وشرع يفتك به ويدمر مقومات وجوده ويمزقه ويقضي على قراه وبلداته ومدنه وبناته وابنائه، ويشرده ويهجره ويجوعه ويحاصره، حتى صار من المألوف ان يقول لك اي سوري تصادفه : لم تكن اسرائيل في اي يوم عدوا للنظام ، الذي لم يكن له في الحقيقة غير عدو اوحد هو نحن : شعب سوريا المظلوم . ولو كانت اسرائيل حقا عدوه لما اقدم على تدمير بلاده ، ولوضع في حسبانه ان تناقضه معها اكبر بكثير من تناقضه مع شعبه ، وانها هي التي يجب ان تستهدف بقنابله ، لكنه لم يكن ابدا عدوا لها ، لذلك تبنى استراتيجية تقوم على تدمير وطنه وقتل شعبه ، ضاربا عرض الحائط بالصراع ضد من كان يسميه كذبا العدو ، لا سيما وان اسرائيل كانت تحلم دوما باخراج سوريا من المعركة ضدها ، وها هو يحققه لها دون ان تزعج نفسها ، مع ان تحقيقه على يديها كان سيكلفها حياة عشرات الآلاف من جنودها ، ومبالغ طائلة لا قدرة لديها على توفيرها، وسينتهي في احسن الاحوال بانتصارها خارجيا وهلاكها داخليا !.
والآن ، وقد تحقق لاسرائيل ما ارادته : تقويض دولة سوريا ومجتمعها، هل ستدافع عن بقاء من قدم لها هذه الخدمة في السلطة ؟ من المؤكد انها لن تفعل ، فالرجل سيكون من الآن فصاعدا غير مفيد لها ، ولن يترتب على بقائه في الحكم غير المشاكل والازمات والاضطراب المحلي والاقليمي، مع العلم بان الاوضاع التي ستلي الصراع الداخلي والعربي والاقليمي والدولي الدائر في سوريا لن تكون مستقرة لفترة طويلة ،وستحتاج الى ضبط في اطار توازنات واساليب سياسية مختلفة عن توازنات واساليب الاسد ونظامه ، التي ستفقد لهذا السبب وظائفها ولن يكون هناك من حاجة بعد اليها .
حققت اسرائيل انجازا امنيا خارقا بيد نظام دمشق ، فهل تكتفي به ، ومتى تنتقل من الصعيد الامني للحدث السوري إلى صعيده السياسي ، واي شكل سيأخذه انتقالها ؟. سيمر بعض الوقت قبل ان تجيبنا الوقائع على هذا السؤال الحاسم بالنسبة الى مستقبل سوريا ومنطقتنا العربية واقليمها !.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات