بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
بين سوريا واوكرانيا !
  04/03/2014

بين سوريا واوكرانيا !


ميشيل كيلو: المدن

تلح احداث اوكرانيا كمقياس لقوة روسيا وللحدود المفروضة عليها : ذاتية كانت هذه الحدود ام موضوعية، دولية ام محلية.
هناك إلى يومنا من يعتقد ان روسيا قوية الى درجة تمكنها من ادارة أزمة اميركا : الضعيفة والفاترة الهمة، التي قررت الانسحاب من العالم وفككت دورها في الشرق الاوسط عامة وسورية خاصة، وجلست تتفرج مكتوفة الايدي على الروس وهم يحصدون ثمار قوتهم غير القابلة للتحدي .
هذه النظرة الخاطئة سادت خلال الاعوام الثلاثة الاخيرة ، وغطت كل ما له علاقة بسياسات واشنطن الخارجية ، التي قال كثير من نقادها إنها غارقة في حال من الضعف المزري ، تجبرها على الانسحاب من العالم عامة والعالم العربي بصورة خاصة ، وعلى ترك روسيا تفعل ما تريد ، بما في ذلك تهميش سياساتها ونفوذها في منطقة تعج بآبار النفط واموالة ، وبالازمات المتفجرة. بهذه النظرة الى قوة روسيا وضعف اميركا تم تفسير ما يجري في سورية ، وصدرت احكام نهائية تقول : إن اميركا تنهار وروسيا الصاعدة هي التي تتحكم بالشؤون والمصالح الدولية .
وسط هذه الاحكام ، حدثت الثورة في أوكرانيا ، البلد المجاور لروسيا ، الذي ارتبط معها بعلاقات تاريخية خاصة جدا خلال فترة طويلة كان اثناءها جزءا من امبراطوريتها القيصرية ثم من اتحادها السوفييتي ، فإذا بالكرملين يقف عاجزا عن القيام باي شيء ينقذ بواسطته صديقه رئيس أوكرانيا ونظامه الموالي لموسكو. وقع هذا،بينما انتهج البيت الأبيض سياسات تدخلية فاعلة ونشطة،واعلن مواقف تتحدى روسيا، واطلق تحذيرات حملت تهديدات صريحة ومبطنة لها ، رسمت خطوطا حمراء عينت ما هو مقبول ومرفوض أميركيا من ردود افعالها تجاه ثورة اوكرانية مناوئة بشدة لها ، بدا من الجلي أنها ماضية نحو تحقيق النصر ، بدعم قوي من واشنطن ” الضعيفة” .
أثار الموقف الاميركي البلبلة وخيبة الامل في عالمنا العربي وعند السوريين، وتساءل المهتمون بمصير بلادهم من ثوريين ومقاومين عن ما قد يفسر الفارق الصارخ بين موقف البيت الابيض في اوكرانيا وموقفه في سورية ؟. وقد طرح هذا السؤال نفسه بقوة بعد ان انكشفت الحقيقة ،وتأكد القوم ان اميركا لم تنسحب من العالم، وليست عازفة عن التدخل في شؤونه وقضاياه : من اكبرها الى اصغرها .
يكمن الجواب على هذا السؤال في واقعة ان سياسات واشنطن تقوم على استغلال الحدث السوري لتصفية حسابات دولية واقليمية ومحلية تتخطى الحال السورية : تشمل روسيا وايران وعملائهما ، ولاقامة أوضاع جديدة تضمن امن اسرائيل وتفوقها لفترة جد طويلة ، وترسي بنية استراتيجية في المنطقة العربية تضبط اوضاعها عبر ابقائها على حافة حال من الفوضى غير الخلاقة ، يرجح ان تعقب مرحلة “الفوضى الخلاقة ” الراهنة ، التي بدأت ادارة بوش العمل لإقامتها بكل وضوح عقب غزو العراق، وترعاها وتواصل إقامتها وتفيد منها اليوم ادارة باراك اوباما ” الضعيفة والمنسحبة من العالم”. مقابل موقفها من سورية، تدعم سياسة واشنطن الاوكرانية الثورة هناك وتساعدها على تحقيق انتصار سريع يخرجها من الفلك الروسي ، يسهم في جعلها جزءا من منظومة دولية واطلسية تطوق موسكو وتحيطها ببيئة مناوئة لها تزعزع مكانتها في العلاقات الدولية وتضعف قدرتها على لعب دور تقريري فيها، وتستنزفها . هنا، في سوريا ، تدير واشنطن ازمة تحرص على اطالة امدها كي تقيم بواسطتها بيئة استراتيجية طاردة للغير خادمة لمصالحها ، تتيح لها التحكم لفترة مديدة بالعالم العربي عامة والخليجي والمشرقي منه بصورة خاصة ، في حين يتركز جهدها هناك ، في اوكرانيا ، على حسم الازمة ، لان حسمها السريع يخدم بدوره مصالحها، ويضع روسيا امام عجزها عن تحاشي هزيمة جديدة تنزل بها في عقر دارها .
تكسب اميركا بفضل ” ترددها” عندنا ، واقدامها عند غيرنا . وفي الحالتين ، تنبع سياساتها من حسابات سياسية واستراتيجية دقيقة ، ولا تنبع من ضعفها وقوة روسيا المزعومة .
هل نستطيع دفع واشنطن إلى تبني خيار أوكراني عندنا ؟. جوابي هو : نعم، إن نحن رتبنا امورنا بطريقة تقيد قدرة البيت الابيض على استغلال تضحياتنا في سبيل حريتنا من اجل خدمة مصالحه . عندئذ ، سيفكر بطريقة اخرى للتعامل مع قضيتنا ، كي لا يخسر كل شيء ، او كي يربح ما نمكنه نحن من ربحه . هل نعي هذه المسألة الحاسمة ، ونعمل لامتلاك الوسائل الملائمة لتحقيقها ، فنتغير نحن وتتغير سياسات واشنطن عندنا ، حتى تصير اوكرانية ونص !.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات