بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
جبهة النصرة’ كانت أذكى هذه المرة من النظام والإعلام السوري جنّ لأن راه
  13/03/2014


جبهة النصرة’ كانت أذكى هذه المرة من النظام والإعلام السوري جنّ لأن راهبة معلولا لم تكذب


نسرين طرابلسي



بعد استعانة إعلاميي مصر بالفلكيين لتحليل حركة النجوم والأفلاك وقراءة الطالع لإقناع الرأي العام بالسيسي رئيساً لمصر، لم يعد على العامة من حرج.
هذا ما عرضه باسم يوسف في أولى حلقات البرنامج بطريقته الساخرة. وأنا بهذه المناسبة أريد أن أبارك للإعلام العربي هزيمته الساحقة لما تبقى من وعي، فمما يشيب له الرأس ويُسقط الفك ويخرب خلايا الدماغ أن يتم العبث بالثورة المصرية التي أدهشت العالم لتتحول في أقل من ثلاثة أعوام إلى ذكرى حلوة مثل الحلم العابر.
كما أريد أن أمنح الإعلام السوري الرسمي جائزة أقوى إعلام كاذب في العالم، لعرضه ثلاثة من خيرة شباب سوريا المسالمين بعد اعتقالهم لفترة طويلة وتعذيبهم على أنهم عصابة التضليل الإرهابية! شباب مثل الورد، من الذين اتخذوا من الكلمة ولغة الصورة وسيلة لكشف ما يحدث في بلدهم ظهروا في برنامج ‘العين الساهرة’ أقل ما يمكن أن نقول عنه إنه فرع مخابرات تلفزيوني. يكفي أن كاتب كلمات أغنية المقدمة برتبة عسكرية (كلمات: العميد فلان) كما يظهر في المقدمة وتشابه أسماء القائمين عليه يؤكد أنه برنامج مافيا عائلية عُيّن أغلب أفرادها بالواسطة!
أما ما سيجعلك تدور حول نفسك هو أنه لا يوجد في اعترافات الشابين والفتاة كلها ما يدينهم أو يثبت تورطهم بغراقة دم أو بزرع فتنة. فكل اللافتات التي قبض عليها بحوزتهم والقصاصات الورقية التي صودرت كانت متلبسة بعبارات نبيلة، مثل: سواسية وعدالة وحرية وحياة الإنسان! كل تصريحاتهم المذنبة كانت مدهشة وهم يؤكدون أنهم ضد التطرف والإرهاب! أما عدة الشغل التضليلي فلم تكن سوى كاميرات بسيطة وأجهزة لاب توب وفلاش ميموري! وأماكان التضليل اقتصرت على المظاهرات الشعبية التي تجرأ هذا البرنامج بعرضها أخيرا من دون أن يضع في عينه حصوة ملح وهو يثبت على شاشته بالدليل القاطع مشاركة آلاف مؤلفة من البشر فيها، وهم يحملون علم الثورة ذي النجمات الثلاث ويهتفون هتافاً جماعيا من دون أن ينجح في رصد قطعة سلاح فيها ولا حتى موس كباس أو سكين مطبخ!!
وما الذي يحدث في الإعلام العربي بعد أن ينشغل ليل نهار في نكران الحقيقة وتغييبها وإحضار الأضداد ليتعاركوا على الشاشات ويورد أخبار البغدادي والجولاني والزرقاوي وأبو قتادة وداعش ولاحش وجاحش إلى آخر قائمة مشتقات مدرسة الإجرام، يعطي المشاهد جرعة دموع رومانسية في الدراما والغناء والتهليس وبعض الهجايص وقليل من الشعوذة والسحر وقراءة الطالع والأبراج.
الراهبات الفاضلات وجبهة النصرة
تابع العالم أجمع بمزيد من السخرية والتهكم رد الفعل اللاإرادي المصدوم لإعلاميي وإعلاميات قنوات التضليل المناصرة لاستمرار النظام الديكتاتوري في سوريا، تجاه الصفعة التي تلقوها من رغبة الراهبة الفاضلة بقول الحقيقة. كانت الأخت تردد امام عدسات الإعلام وحزمة كبيرة من مايكروفونات التلفزة العربية والعالمية بأن ضميرها يحتم عليها أن تقول الصدق، فهي لم تتعرض وباقي المختطفات عند ‘جبهة النصرة’ للتعذيب أو لأي شكل من أشكال الإهانة، بل ومارست شعائر دينها وصلاتها ولم ترغم على خلع صليبها وهي بين يدي الجماعة المتطرفة. لكن المتتلمذين على أيدي مؤسسات الكذب والنفاق وتحريف الوقائع لم يستطيعوا تقبل ذلك. ولم يحترموا أبدا لباسها المحتشم وكبر سنها بل انهالوا عليها بالكثير من التوصيفات الشنيعة واتهموا تصريحاتها باللاوطنية واللامسؤولية!! كان عليك يا أختي الفاضلة يا من وهبت حياتك لخدمة معتقدك ودينك أن تكذبي وتختلقي قصة وتشنعي بمختطفيك وتقولي بأنك منعت من الصلاة وبأنك أهنت وجردت من ملابسك واغتصبت وكيلت لك الشتائم وديس على رأسك وهُددت بأقرب المقربين إليك لكي تمنحي صك الوطنية. أما وقد آثرت قول الحقيقة فقد حقت عليك اللعنات!
في المقابل لم أجبر أنا شخصيا كإعلامية معارضة ومحتقنة بشتى أنواع الغضب والسخط على ممارسات رجال المخابرات والشبيحة تجاه أهلنا في سوريا والتي سربت مصورة شهداء التعذيب وضحايا المعتقلات والخارجين اشلاء من تحت الركام، ضيفتي المعتقلة السابقة على أن تقول غير الحقيقة، فقد قالت بالحرف في اللقاء الذي سجلته معها لصالح ‘قناة الآن’ بعنوان ‘أربعون يوما في الجوية’، بأن المحقق يبدو أنه عندما حاورها واكتشف براءتها من التهم المنسوبة إليها في التقرير وتأكد من عمق ثقافتها ومستوى تعليمها بأنه حاورها أفضل من الأخريات. ولم أجبرها على تغيير أقوالها ولم أحذف ما قالته من التسجيل، بل لعلي وجدت في هذا أبلغ إدانة أن تستمر في معتقلها الجحيمي أربعين يوما تعاني فيه شتى صنوف العذاب النفسي والصحي والجسدي، من أصوات الذين يتعرضون للتعذيب في الزنزانات الأخرى، حتى القمل والجرب الذي نهش جسد 20 امرأة محشورين في زنزانة مساحتها مترين بمترين ونصف ويعطين فوطتين فقط لتدبير أنفسهن في أيام الدورة الشهرية!
وفي الختام لا يسعني إلا أن أهنئ ‘جبهة النصرة’ على ذكائها، على الرغم من أنني ضد الفكر الذي تستند إليه، إلا أنها في هذه المعركة العالمية التي يقف فيها الرأي العام العالمي متأهباً لحماية الأقليات أمام مجزرة ترتكب بحق الأكثرية، كسبت جولة وحشرته في ‘خانة اليك’!
الإعلام الغربي في هذه الأثناء:
عرض عالم فيزياء كندي جائزة مقدارها مليون دولار لأي مشعوذ أو ساحر يستطيع أن ينفذ أمامه حيلة لا يستطيع كشفها علمياً. قدم برنامج الأطباء Doctors بطلة جمباز عمياء، شاهدت سلسلة لبرنامج علمي عن أصل الإنسان وتشكيل هيكله العظمي، والمهام التي صمم سبحانه هذا الجسد ليقوم بها ويتحملها ليجري منحنيا بسرعة ومرونة للصيد في البراري ثم ليمشي باستقامة عندما يتطور عالمه وتتغير وسيلة حصوله على أسباب الحياة. وأمثلة كثيرة يمكن إيرادها عن صناعة الإعلام في عالم الحضارة. قد يكون لديهم كذب إعلامي لا بل وتضليلهم الذي يتماشى مع مصالحهم الدولية، لكنهم لا ينسون مسؤولياتهم أمام العلم والمعرفة. وحده مال الخسيس بيروح فطيس كما يقول المثل. لا برامج علمية على شاشاتنا ولا أي محاولة جريئة لإعادة قراءة التاريخ. همّ الإعلام العربي الأكبر الدوران حول الحاكم وخلق زوبعة تشويش حول رأس المواطن. هكذا يضمن لنفسه الاستمرار. فإذا فلحوا في استجلاب مادة علمية للمحطات العربية يشترونها (فورمات) جاهزة. إنتاج البرامج العلمية لا يندرج أبدا في لائحة الأولويات ولا الثانويات. حتى البرامج الوثائقية ما هي إلا تقارير طويلة أكثر منها توثيق حقيقي للحدث، وتعتمد في أغلبها على حديث أشخاص أكثر منها استقصاء للحقيقة. سنحلم طويلا قبل أن يصبح لدينا ما يشبه ‘الناشيونال جيوغرافيك’ أو ‘الآنيمال بلانيت’. سيغرقوننا بمسابقات الشعراء بينما لن يدفع ربع مليون من أجل مسابقة لتحفيز الطلبة، لتشغيل المخ بالابتكار والاختراع وغيجاد الحلول عوضا عن حشوه بالمحفوظات، ربع مليون فقط لمسابقة للعلوم أو للرياضيات أو الاقتصاد. ولماذا نتعب أنفسنا وبإمكاننا دفع رواتب هائلة لموظفي الشركات الأجنبية لينفذوا لنا المشاريع والأبراج والمهرجانات والبهرجة المدنية!
أحضروا علماء الفضاء والفلك الحقيقيين المهمشين وعلماء الفيزياء من السجون والمعتقلات، وعلماء الطبيعة ليشرحوا للناس تأثير حركة الكون ومتغيراته على المناخ والبحر وقشرة الأرض.
آخر مرة شاهدت طلاب جامعة على التلفزيون كانوا الجمهور الضيف ببرنامج لول للنكات المتهتكة!
والشعب العربي غارق حتى الثمالة بالدراما والدين والسياسة والترفيه… والاكتئاب.
ملاحظة صغيرة: نجحتم في إجهاض الربيع العربي هذه المرة، لكن في المرة القادمة لن تفلحوا، هذا الوعد ليس مني فقد أموت قبل أن أستمتع بنسائمه لكنه وعد الجيل القادم، وعد الحياة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات