بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
دعوا السوريين يدمرون بلدهم
  23/04/2014

دعوا السوريين يدمرون بلدهم


حسين العودات

لعل هذا هو الجواب المضمر والافتراضي، عن سؤال مضمر وافتراضي بدوره، تجيب به الدول الكبرى، والدول ذات النفوذ إقليمياً وعالمياً، إذا ما وجه إليها طلب العمل على إنهاء المأساة السورية، وعذابات السوريين، التي سببتها وتسببها السلطة السورية وبعض المسلحين من بعص أطراف المعارضة، وهي جميعها أفعال بدائية انتقامية، وهمجية تمليها الغرائز.
لا يرى أهل السلطة وبعض المسلحين أبعد من أنوفهم، فتراهم يتصرفون وكأن كلاً منهم له دور في ما يجري في سوريا، ويتحفنا مسؤولوهم بتصريحات نارية توحي وكأن مطلقها صاحب قرار، مع أنه يعرف أن الحل يقع في يد القوى الخارجية، التي أصبحت صاحبة الحل والربط في حاضر المأساة السورية ومسارها، بعد أن استخدمت السلطة السورية العنف، وسببت التدخل الخارجي…
ونُقلت الأزمة برمتها إلى خارج الحدود، وغدت «أمانة» بين أيادي الدول الأخرى، وفُتح الباب للتدخل الفردي والجماعي، فتدخل من له علاقة، ومن لا علاقة له، بعضهم بدعوة من السلطة، وبعضهم الآخر بلا دعوة، فانتشر العنف واشتعلت الحرب، وأخذ السوريون والمتدخلون، منذ ذلك الوقت يدمرون ما يستطيعون تدميره من سوريا، ويقتلون ما يقدرون على قتله من شعبها، ويعمقون الأحقاد الطائفية الذابلة…
ويزيدون سعار التحارب الداخلي، ويمارسون ممارسات همجية، لم يكن أحد يتوقعها من شعب، بلغ منذ عشرات السنين مرحلة من التطور والنضج الإنساني، والتقدم الحضاري والحداثة السياسية، كانت تحسده عليها شعوب أخرى قريبة وبعيدة، وانقلب تسامح الشعب السوري، وتعايشه، واحترام فئاته بعضها للبعض الآخر…
والتضامن العميق بين هذه الفئات، إلى أحقاد، وعدم احترام، ورفض للتعايش، وتحويل الاختلاف إلى خلاف، والتنوع إلى تناقض، والتخلي عن الفكر النقدي والموضوعي، بسبب سياسة الإعلام الرسمي، حيث دخلت البلاد دهاليز الإشاعات والأوهام.
لا أريد أن أكرر إحصاءات الدمار البشري والمادي والمعنوي، الوطني والقومي، الاقتصادي والاجتماعي، الذي أصاب سوريا وشعبها خلال السنوات الثلاث الماضية، لأن الناس يعرفونه، إنما أريد فقط التأكيد أنه لا توجد أسرة سورية لم يلحقها الضرر، إما بفقدان أحد أبنائها، وإما بتدمير مسكنها، أو بنزوحها من بيتها أو قريتها أو مدينتها، أو نفاد مدخراتها ووظائف أبنائها…
حيث أصبحوا عاطلين عن العمل. ومع انغلاق سبل العمل في سوريا، لم يبق أمام هذه الأسر سوى التسول في الداخل، وفي الخارج، أو اتباع أساليب غير مشروعة في كسب ثمن لقمة العيش، لم يتبع السوريون مثلها من قبل، كالسرقة والخطف والاحتيال وما أشبهها!
ربما لم يشهد بلد آخر مثل ما جرى ويجري في سوريا، فمسلحو السلطة وبعض مسلحي المعارضة، أُعطوا أو أعطوا لأنفسهم حقوقاً لا مثيل لها، تصل حتى القتل من دون محاكمة، ناهيك عن الابتزاز والرشوة والمصادرة، وإهانة الناس بكلام بذيء وتهديدات وحشية لا تستثني أحداً.
وقد أُعطي مثلاً جنود الحواجز، التي تملأ الشوارع والزوايا وتقاطعات الطرق، مثل هذه الحقوق. يضاف إلى هذا كله، ضعف مؤسسات الدولة، وانعدام رقابتها، وغلاء الأسعار بين ضعفين وخمسة أضعاف، وبقاء الأجور مجمدة، وفقدان السلع والأدوية والأغذية، وعلى الجانب السياسي والإنساني، فقدان الكرامة والحرية والديمقراطية وتكافؤ الفرص، وضعف القضاء والمؤسسات الإدارية والخدمية وغيرها.
طوّرت السلطة سلاحاً جديداً لا مثيل له في العالم، هو البراميل المتفجرة، ولمن لا يعرف، تُملأ هذه البراميل بمواد متفجرة، وبقطع حديدية، وأدوات جارحة، وأحياناً بمواد شديدة الانفجار، وتلقى من طائرات حوامة، بحيث تسقط سقوطاً حراً، ولا يستطيع الطيار، الذي يطلقها التصويب على المكان المقصود، لأنها لم تطلق بقوة دافعة، وتحركها الرياح يميناً أو يساراً، وبالتالي تتحول إلى سلاح شديد الانفجار، يخطئ أهدافه غالباً، ويصيب من لا يشاركون في هذه الحرب القذرة.
من مهمات منظمة الأمم المتحدة، والهيئات والمؤسسات التابعة لها، والمنبثقة عنها، حفظ السلام في بلدان العالم، وعلى النطاق الإقليمي والعالمي، ونجدة الشعوب التي تصاب بكارثة، ومنع استخدام الأسلحة النووية، وخدمة السلام العالمي والعمل على استتبابه، وممارسة مختلف السبل لتحقيق هذه الأهداف، بما في ذلك التدخل العسكري.
ولا شك في أن ما أشرت إليه آنفاً والمتعلق بالمأساة السورية، تعرفه منظمة الأمم المتحدة، والدول الكبرى، والدول المعنية، بل تعرف تفصيلات وأحداثاً، ربما لا يعرفها إلا بعض السوريين، وهي متأكدة أن ما يجري في سوريا لم يشهده أي بلد في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، مع فارق أن التدمير في تلك الحرب كان من قبل أعداء، أما هنا فهو تدمير ذاتي.
ومع أنه لا يوجد أي أفق لحل الأزمة السورية، فإن دبلوماسيي الدول المعنية وسياسييها يهذرون، ويزعمون أنهم يعملون للوصول إلى حل سياسي، ويؤكدون استحالة وصول الصراع العسكري إلى نتيجة حاسمة، فماذا تنتظر الدول ذات الشأن ما دامت غير قادرة على الحل السياسي أو العسكري؟ ولماذا لا تمارس المنظمة الدولية حقها في التدخل وصولاً إلى إنقاذ السوريين من بلواهم، كما مارسته سابقاً أكثر من مرة، وفي بلدان عديدة؟
يميل بعض السوريين إلى نظرية المؤامرة لتفسير سكوت الدول الكبرى تجاه ما يجري في بلدهم، بينما يرى البعض الآخر في هذا السكوت استجابة لمطلب إسرائيل تدمير سوريا بأيدي السوريين، ولكنهم يجمعون على أن المأساة السورية تشكل عاراً على منظمة الأمم المتحدة، وعلى الدول ذات الشأن التي لا تهتم بما يجري في سوريا، وكأنها تقول؛ دعوا السوريين يدمروا بلدهم.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات