بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
خارج الثورة... داخل العالم
  29/07/2014


خارج الثورة... داخل العالم

ماهر مسعود/ الحياة


يمكن الناظر أن يرى في إعلان البغدادي عن نفسه خليفة للمسلمين أكبر مهزلة في العصر الحديث، لكنها مهزلة توازي في لامعقوليتها تلك اللامعقولية التي تعيشها السياسة الدولية، بل هي الرد «الطبيعي» على كل الجنون المحيط بالمنطقة والعالم. فأن يُضرب شعب بأسلحة الدمار الشامل من نظامه، وأن يبقى هذا النظام نظاماً شرعياً ومحمياً من «أصدقاء» الشعب قبل أعدائه، فذلك يحتاج الى مجانين يردون، لا لعقلاء يستوعبون ويبررون ويفشلون في كل تحليلاتهم السياسية.
البغدادي ودولته وخلافته، خارج الثورة، وبمعنى معين خارج التاريخ، لكنه داخل العالم، بل في صلب الجنون العالمي، المحكوم بمجلس أمن خارج الحق والعدل والقانون، ونظام عالمي متهاوٍ ومحكوم ببوصلة أميركية ضائعة، وأمم متحدة بلا أنياب، تكف عن إحصاء شهداء سورية خوفاً من العار الذي بات أكبر بكثير من التخفي، وأوضح بكثير من ثلاثية الفضح في المثل العربي، أي الحب والحبل والركوب على الجمل.
ولكن، إذا كان «داعش» و»النصرة» خارج الثورة، أين هي الثورة، أو أين أصبحت الثورة؟ وهل الثورة ذاتها خارج العالم؟
لم تحقق الثورة شيئاً من أهدافها، لكنها غيرت الجميع، موالاة ومعارضة، غيرت الزمان والمكان بالمعنى الحقيقي لنصف السوريين، وغيرت الجغرافيا السياسية للمنطقة، غيرت السياسة والاجتماع والمستقبل وحتى التاريخ قد تغير. لكن التغيير الذي لا يتجه الى الأفضل، على المدى المتوسط والقريب على الأقل، هل يستحق الاسم، ثورة؟ نعتقد هنا أن التعويل على الزمن والثمن لم يعد مجدياً في قراءة الواقع، فقد دُفع أكبر وأغلى الأثمان التي لا تعوض، وفي أطول الأزمان الممكنة في عصر الزمن السريع، ولذلك فإن رهان الديموقراطية والحرية، وهو الرهان الأولي والأقصى لشعوبنا، لم يعد رهاناً منظوراً في الأفق القريب، بل بات رهاناً تاريخياً محكوماً بالخروج من رحم التجربة المرة التي نمرّ بها وتمرّ بها بلادنا، تلك التجربة المغمسة بالدم، التي ستعلم الجميع (مثلما فعلت الحرب العالمية الثانية في أوروبا) أن ثقافة القتل والاستعباد والنبذ والإقصاء والتطرف...الخ، لن تؤدي سوى إلى موتنا جميعاً كحمقى، كما عبّر مارتن لوثر كينغ ذات صراع.
يقول هيغل: إن التاريخ وعي الحرية، فالحرية هي الهدف وهي المآل الذي تسعى اليه الفكرة المطلقة عبر التاريخ، ولكنه يردف أن مشاعر البشر وحيواتهم ذاتها، آلامهم وعواطفهم وصراعاتهم وأفكارهم سماد التاريخ، وهي الرماد الذي ينثره تحت قدميه ليعبر عليه ويصعد، يحقق ذاته وفكرته المطلقة، أي العقل والحرية.
الثورة السورية تفتح باب التاريخ على مصراعيه، تاريخ المنطقة وتاريخ العالم، النظام العالمي الذي بدأ مع نهاية الحرب الباردة يتغير من دون أفق واضح لنظام بديل. الفوضى الخلاقة للشرق الأوسط تتحول إلى فوضى عالمية، فوضى في النظام العالمي ذاته. المعنى الخفي للعالم المتعدد الأقطاب هو حرب أهلية عالمية، حرب عالمية بالوكالة، لكل قطب أو من يتعامل مع ذاته والعالم كقطب، أتباع. تبدأ تلك الأتباع بالدول وتنتهي بالميليشيات، نحن سماد تلك الحرب ورمادها إلى أجل غير مسمى، إلى وقت تنتقل النار إلى المراكز/الأقطاب، فيضطرون الى ابتكار الحلول بالقوة أو بالخضوع غير المشروط، وربما بالسياسة.
ثم نعود: هل الثورة خارج العالم؟ لا، الثورة ثورة شعب، العالم لا تحكمه الشعوب، تحكمه أنظمة، الثورة تشبه شعوب العالم، قامت لتشبههم، وطالبت بما تطلبه الشعوب في كل أصقاع الأرض، الحرية السياسية والمدنية، الحرية للكلام والاجتماع والفرح والصراخ والنعاس، الحرية للرفض والاختلاف واللا. سياسيو العالم الأول، وقادة العالم العربي، قالوا لنا لا، لن تمروا، لكن عيونهم ومراميهم كانت تتجه لشعوبهم أيضاً، فثورة سلمية ستغذي حتماً حركة «احتلوا وول ستريت»، وستبث الروح في الثورة الخضراء في طهران وشبيهاتها العربية.
لذلك كله نرى سياسة وسياسيي العالم لا يكفون عن الترتيق، فأميركا ترتق صدع العراق على رغم تفاهة المالكي وتدعمه على رغم نبذه، وفرنسا ترتق صدع الجزائر على رغم الكرسي المتحرك لبوتفليقة وللجزائر معه، وألمانيا ترتق صدع أوكرانيا حفاظاً على الغاز الروسي، والجميع يرتقون الصدع السوري فينحازون للمجرم بدل الضحية... وقس على ذلك. لكن الترتيق والترقيع لن يخفيا الصدوع ولن يعالجا المشكلة.
المشكلة لمسها وعبر عنها سلمان رشدي في روايته «العار». فصفية زنوبيا (بطلته) ستتحول إلى نمر وتنقضّ على والدها وتأكله... هو ذا حالنا، حال العالم الثالث وشعوبه.
* كاتب سوري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات