بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
داعش ومهاوي الانبعاث
  19/08/2014

داعش ومهاوي الانبعاث


الياس خوري


أريد ان أعترف بان جميع محاولاتي لفهم الظاهرة الداعشية أصيبت بالفشل، لا أحد يعرف، أو ان المعرفة متشظية بطريقة تجعل من عملية جمع «البازل» الداعشي مسألة شبه مستحيلة.
لكن هناك أربع مسائل في سياق الصعود الداعشي السريع:
الأولى، تتمثل في ان تنظيم «القاعدة»، الذي حارب الولايات المتحدة والدول الغربية بالإرهاب الوحشي، قد ضمر أو تلاشى. مسرح الحرب انتقل من الغرب إلى الشرق، والحروب تدور اليوم في بلاد العرب، والضحايا هم عراقيون وسوريون ويمنيون، والغرب يتفرج ويقدم بعض المساعدات الإغاثية، ويقترح الوزير الفرنسي الحصيف لوران فابيوس على مسيحيي العراق الهجرة إلى فرنسا!
داعش أو دولة الخلافة الممتدة من الموصل إلى دير الزور انهت الصراع المسلح مع الغرب، وتحولت إلى قتال العرب بهدف فرض تطبيق الشريعة، أو ما تعتقده شريعة، على شعوبنا المنكوبة، من صلب وجلد ورجم وانتهاب وسبي.
الثاني، يشير إلى ان النظام الاستبدادي في سورية، الذي تحاشى الصدام مع داعش، ولم يرسل براميله إلى المناطق التي تسيطر عليها، وجد في داعش مبرر وجود. فالخطاب الأسدي دَعْوَش الثورة الشعبية السورية قبل ان تصل قوات البغدادي إلى سورية بزمن طويل. ومع وصول داعش، تكفل جيش الخلافة بتحطيم ما تبقى من قوى مسلحة للمعارضات السورية، وبذا بدأت الحروب السورية تدخل في مرحلة جديدة عنوانها الصراع/ التكامل بين استبدادين: البعث وداعش.
الثالثة هي ان الدول النفطية التي رأت في ثورات «الربيع العربي» تهديدا لانظمتها الظلامية والاستبدادية، قامت بامتطاء الثورات من خلال أجهزتها الإعلامية الضخمة، قبل ان تساهم في تخريبها من الداخل عبر الدعم المالي والتسليحي للقوى الإسلامية ومن ضمنها داعش، في سياق إعادة صوغ المنطقة على ايقاع الصراع السني الشيعي، وهنا لعبت تركيا دورا رئيسيا، في سياق الحلم الإخواني الذي راودها.
الرابعة هي ان ايران استفادت كحليفها السوري من الدعش المتنامي، كي تبرر تدخلها في سورية، وتفرض هيمنتها الشاملة على العراق.
وفي سياق آخر، كان من الممكن ان نتحدث عن دور إسرائيلي أو طموح إسرائيلي، لكن مقاومة غزة البطولية أعادت هذا الدور إلى حجمه الطبيعي.
اللعبة أفلتت من أيدي جميع صغار اللاعبين، وحالهم اليوم كحال السيد عزت الدوري وتنظيم البعث/الطريقة النقشبندية، الذي سرعان ما تلاشى بعدما أحكمت داعش سيطرتها على الموصل.
إذا قرأنا الواقع في بلاد الشام والعراق من منظور داعشي، نجد ان جميع اللاعبين الإقليميين أفلسوا أمام الإعصار الداعشي الذي يشبه الإعصار الطالباني الذي ضرب أفغانستان بعد الهزيمة السوفياتية. وان التَدَعْوش صار طوفانا في بلاد البعث، بحسب تعبير السينمائي السوري الكبير عمر أميرالاي، وان الصراع الداعشي/النصروي يشبه ولو بشكل موارب الصراع القديم بين البعثين العراقي والسوري.
هذا التوازي بين البعث والدعش ليس وليد مصادفة، ولا هو نتاج مؤامرة، بل هو محصلة تاريخية للانحدار الذي صنعته أنظمة الحداثة العسكريتارية، التي وجدت في الأيديولوجية الفاشية الرومانسية، التي صنعت أحزابا كحزب البعث وأخواته، إطارا لتجنيد النخبة في مشروع «انبعاثي»، هدفه إيقاظ الماضي «المجيد» من سباته.
لم يسأل أحد ما هو هذا الماضي، ولماذا يجب إيقاظه.
سعيد عقل شاعر «القومية اللبنانية»، الذي انتهى به الزمن إلى اعتاب شارون، سبق له وان مرّ في تجربتين انبعاثيتين، فكتب نشيد «العروة الوثقى»، قبل ان يلتحق بالحزب القومي ثم يقفز إلى «حراس الأرز». في نشيد العروة الوثقى نجد التعبير الأول عن معنى هذا الانبعاث الذي يأخذنا إلى «صهلة الخيل من الهند إلى الاندلس».
تزامنت صيحة سعيد عقل مع حمّى الأساطير البابلية والكنعانية التي اجتاحت الشعر العربي الحديث، محوّلة التجربة الجديدة إلى استدعاء محموم للماضي الذي يمتلك مفاتيح قراءة الحاضر!
هذا الماضي الذي لم تجرؤ سوى قلة من المفكرين على وضعه في سياقه التاريخي ونقده، صار كتلة هلامية من المشاعر التي سوغت الممارسات الفاشية، وجعلت من الاستبداد الشرقي عنوانا لحداثة المحدثين. وحين ارتفعت أصوات النقد من علي عبدالرازق إلى نصر حامد أبو زيد، أخرست وهمشت واضطهدت، كي يصير العصر الذهبي هو عصر الدولة العربية الاستبدادية، من بداية الخلافة إلى نهايتها.
ووصلت قمة الانتهازية الفكرية إلى حد إلباس الذمية أشكالا مواربة، من إسلام ميشال عفلق المفروض بالجبر الصدامي، إلى قبيسيات آل الأسد.
انهيار الاستبداد الحديث بحنينه إلى الماضي، فتح الباب على مصراعيه أمام الماضي، الذي التجأ إلى الوهابية السعودية، قبل ان يسود مع سيادة ثقافة النفط وإعلامه.
داعش هي المصالحة بين الفكر «التقدمي» الإحيائي الذي لم ينتج سوى نصوص ملتبسة، وبين الفكر السلفي الوهابي، الذي تحصن في الصحراء العربية، قبل ان يجد في الثروة النفطية التي افلتت من عقالها بعد هزيمة العرب عام 1967، أداة فعالة للهيمنة.
الخليفة الداعشي هو تجسيد لهذه المصالحة الدموية، لكنها مصالحة افتراسية. فمثلما افترس أبو بكر البغدادي عزت الدوري وبقايا البعث العراقي، فانه يستعد لافتراس بقايا البعث السوري تمهيدا لافتراس الوهابية في جزيرة العرب
ازال البغدادي الحدود كما كان يحلم البعثيون، وأقام الحد كما يريد الوهابيون، وأشعل اللهب الممتد من الهند إلى الاندلس كما تنبأ سعيد عقل، لكن أغلب الظن انه لا يدري انه يحمل مرض أعدائه الذي يهاجمهم ويقطع رؤوسهم.
مرضه هو الماضي، ومستقبله انه لن يكون أكثر من بيدق في لعبة التدمير الذاتي الذي يشجعه عليها ضعف الغرب و/أو كلبيته، وهو يرى كيف نجح في خلق فزاعة كبرى سوف تجعل من حلفائه وأعدائه مجرد دمى تستغيث به.
شرط انتصارات مقاتلي داعش بجنسياتهم المختلفة، هو ان يعرفوا اللعب ضمن الخطوط الحمراء التي وضعتها الولايات المتحدة، لذا قصف الطيران الأمريكي حين اقتربوا من أربيل، لكنه لم يفعل شيئا حين سقطت الموصل وسنجار وتعرض المسيحيون للاضطهاد والإيزيدون لخطر الإبادة.
على الخليفة ان يلعب ضمن حدود الصراع الشيعي السني، يخيف الإيرانيين على وضعهم في العراق، يزعزع ثقة السعوديين بنفطهم وثروتهم، ويبقى في حدود تخريب المنطقة العربية، عندها لن يواجهه الغرب، ولن يتعرض لما تعرض له صدام حسين حين اخترق الخطوط الحمراء واجتاح الكويت.
«المسألة الشرقية» لم تعد تجد في حماية الأقليات بابها للهيمنة، بل صار اسمها اليوم تدمير المنطقة. وفي أتون هذا التدمير يلتقي البعث والدعش والوهابية في عملية توزيع أدوار غير متفق عليها، لكنها تجمع على ضرورة قتل المجتمعات العربية كشرط لانبعاث الماضي الذي لن ينبعث إلا كشبح لا حياة فيه، محولا بلادنا إلى مقبرة.

الياس خوري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات