بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
حوار موسكو… مخارج مشرّفة أم جولة اشتباك إضافية؟
  28/12/2014

“جهاد مقدسي” يكتب عن حوار موسكو… مخارج مشرّفة أم جولة اشتباك إضافية؟

- روسيا: متعبة و يعتريها الملل، و تبحث عن كسر الجليد بأي شكل لحماية استثماراتها السياسية في “النظام” بهدف حمايته من عناده ومن مشاريع مناطق عازلة أو تصعيد عسكري آخر
-“حوار وليس مفاوضات”
- محادثات موسكو هي فقط “حوار مفتوح ” وليست مفاوضات بين رابح و خاسر.
- لا يوجد ضوء أخضر أميركي للمبادرة الروسية كما يشاع،
جهاد مقدسي:النهار


يعاني السوري من غياب الشفافية (و لو بحدها الادنى) لدى السياسيين المتوكلين أمره في كلا الجانبين سواء المعارضين أم الموالين، فيجد نفسه في خضم حالة من التصريحات المتعددة والمتضاربة فإما تكون كلاسيكية لا تحمل أي تفصيل، أو تكون تصريحات ليس لها علاقة بحقيقة ما يتم ترتيبه فعلياً.
وقد يعزى هذا لقناعة السياسيين أن الانقسام قد استكمل ابعاده في المجتمع السوري وبات جمهور كل طرف في جيب السياسيين بلا منازع. لكن من المرجح أن هذه القناعة هشة ولا يعتمد عليها كثيراً، لأن صمت غالبية السوريين هو في حد ذاته موقف، وصوت هذه الغالبية سيكون مع من يمثل تطلعاتهم المشروعة بالتغيير الديمقراطي السلمي بعد أن يتم تغليب السياسة على الرصاص.
وفي العودة الى التحرك الروسي، فإن أهم ما يميّزه هو عنوانه العريض: “حوار وليس مفاوضات” . فالروسي لا يتحرك من فراغ دبلوماسي وقانوني بل يعتمد في مبادرته أو فكرته الحالية على أساس ديبلوماسي و قانوني ” نعم هو أساس انتقائي لكنه واضح”، وهو بند موجود في نص بيان جنيف “١” الفقرة “ب” التي تتضمن حرفياً عبارة “مسيرة الحوار الوطني”، لذلك فإن الروسي يعمل على مبدأ أن ما سيجري في موسكو هو “حـوار وليس مفاوضـات” و هذه هي الكلمة الجوهرية لمن يود أن يعلم نوع اجتماع موسكو الآتي وسقفه.
و”للاستئناس”، فان الفقرة “ب” تنص حرفياً على :”… لا بد من تمكين جميع فئات المجتمع ومكوناته في الجمهورية العربية السورية من المشاركة في عملية الحوار الوطني……..الخ ” . وهذه هي الكلمة المفتاح في عيون موسكو ” مسيرة الحوار الوطني”، وهذا للأمانة دهاء يحسب للديبلوماسية الروسية، فبيان جنيف هو الوثيقة الوحيدة التي وافق عليها جميع أطراف النزاع.
ديبلوماسياً، يعني الحوار عصفاً فكرياً مفتوحاً (Brainstorming) للتوصل الى حلول توافقية، أما المفاوضات فهي تعني التفاوض على حل محدد و متفق عليه مسبقاً ثم البحث عن آلية تنفيذه بما يرضي الأطراف، لذلك فان محادثات موسكو هي فقط “حوار مفتوح ” وليست مفاوضات بين رابح و خاسر. و تنوي موسكو عقد الاجتماع بمن حضر (وعبارة بمن حضر ليست عبارة سهلة ولا تعطي الانطباع الايجابي المراد).
- بالنسبة للمدعويين : فهم ٣ أطراف ( النظام و المعارضة ثم شريحة “المستقلين و ممثلي المجتمع المدني” ) والفكرة هي أن يجتمع المعارضون مع بعضهم أولاً لصياغة سقف ما من وحي آخر التطورات و الدروس المستقاة، ثم تأخذ موسكو هذا الاقتراح وتساعد على ترويجه لدى الوفد النظامي (الذي سيكون على الأغلب برئاسة وزير الخارجية، والذي عبّر بعض المعارضين للروس عن تفضيلهم صراحة أن يكون وفد الدولة برئاسة العسكر أو القيادات الأمنية الفاعلة كدليل جدية و تفويض حقيقي ). أما الطرف الثالث من المستقلين وممثلي المجتمع المدني (الذين غابوا عن اجتماعات جنيف ) فهم أغلبهم كانطباع عام مما يسمى المعارضة الناعمة (Soft Opposition )، منهم من هو محسوب على وجهة نظر “النظام” بشكل واضح وصريح، أو آخرون ممن يوافقون على حلول لا تعجب متشددي الطرفين.
أما بخصوص “الإئتلاف” وهو أكبر فصيل معارض في الخارج: سيتم توجيه دعوات للائتلاف وله أن يحضر بصفة شخصية أو كإئتلاف من دون زعامة، ومن الواضح من تصريحات ومقالات أفراده أنهم يشعرون بالتهديد المباشر.
أجندة الحوار: أولاً جهود مكافحة الارهاب، و ثانياً بحث سبل التغيير الديمقراطي للسلطة وفقاً لخريطة زمنية دون الحديث عن تغيير الرئاسة كشرط مسبق بل ربما كنتيجة ضمن سياق التغيير الديمقراطي وفقاً للآليات الدستورية.
بالنسبة للقوى الإقليمية الفاعلة فالمواقف متدرجة و متنوعة:
-روسيا: متعبة و يعتريها الملل، و تبحث عن كسر الجليد بأي شكل لحماية استثماراتها السياسية في “النظام” بهدف حمايته من عناده ومن مشاريع مناطق عازلة أو تصعيد عسكري آخر لا يمكن لها الوقوف ضده إن لم يكن هناك عملية سياسية جدية في يدها تجاهر بها.
ايران: ليست مرتاحة تماماً للتحرك الروسي، ولديها خشية جدية من تغيير منظورها للحل السياسي النهائي في سوريا والذي يقوم على امتصاص واحتواء النظام للمعارضة من دون اتمام إعادة هيكلة شاملة لـ”النظام” .
تركيا: لديها قناعة أن المسعى الروسي سيفشل حتماً ومازال رهانها على تغيير كفة الأرض عسكرياً .
أميركا: لا يوجد ضوء أخضر أميركي للمبادرة الروسية كما يشاع، والدليل أنه لم يطلب من واشنطن المساهمة بأي شيء دبلوماسياً في المحادثات مع الفريق الذي تستطيع التأثير عليه، و جولة بوغدانوف لم تشمل أو تذكر واشنطن. على الأرجح فإن الأميركي متفرج بحذر، و لن يتدخل طالما أن الأجواء لا تتجه نحو الالتفاف على مفهوم التقاسم الجدي للسلطة وحماية مصالح الفريق السياسي الذي يدعمه.
المعارضة (كل من هو خارج الائتلاف): يعتبرون أنه اذا نجحت روسيا فهذا اختراق جيد يكسر إحتكار “الائتلاف” للمشهد المعارض من دون معاداته طبعاً لأن هناك حواراً هادئاً مع رموزه، وسيفتح ذلك باب التغيير في سوريا من دون انهيار الدولة بمعناها المؤسساتي. واذا فشلت روسيا فهذا سينعكس سلباً على علاقات موسكو ودمشق، وستكون موسكو “ربما” أقل حماساً تجاه دمشق مستقبلاً مما يجعل موسكو أقرب لمقاربتهم السياسية، وهناك سفير روسي جديد في دمشق متحرر أصلاً من عواطف وصلات العلاقات الثنائية السابقة خلال أشد أيام الأزمة .
فرنسا: هناك أحاديث عن قيامها بمراجعة للموقف من الائتلاف، لكن هذه المراجعة ليست واضحة تماماً ما إذا كانت تعني “مراجعة” للبحث عن وسائل دعم جديدة له لتحسينه، أم مراجعة للتخلي عنه تدريجياً، لا أحد يعلم !! كل ضيف يسمع ويستنتج من فرنسا الذي يناسبه سياسياً.
“السلطة” : تعلم أن هناك ثمناً سياسياً حتمياً لكنها تأمل في عقلنة المطالب وتكريس سقف جديد لها يؤدي لدخول معارضين مقبولين إلى جسم الدولة السورية ومحاربة الارهاب التكفيري بشكل مشترك، و بالتالي اضعاف المعارضة المتمثلة بالائتلاف تحديداً. وما زالت الاستراتيجية العامة هي الصمود العسكري ثم شراء الوقت حتى يؤدي ذلك لإمكانية احتواء معارضين واشراكهم في مسيرة تغيير ديمقراطي من دون وجود جمهورهم خلفهم (مكشوفي الظهر)، وبالتالي خسارتهم ديمقراطياً بشكل حقيقي دون الحاجة للمناورة و التدخل. و هنا لا يمكن لوم فريق سياسي على ذكائه فهو يخوض معركته الكبرى و ليس أية معركة.
بيع الوهم
في الختام، لا بد من دعوة الجميع من دون استثناء للاستماع لنبض الشارع والمجتمع السوري، فالأغلبية تأمل في حصول أي حوار سوري-سوري من دون التخلي طبعاً عن الثوابت الوطنية، فإذا كان حواراً فهو حوار، وإذا كان مفاوضات فهي مفاوضات، وإذا كان لقاءاً فهو لقاء، المهم هو الشفافية و الصراحة، فكل ما من شأنه أن يؤدي لأي تفاهم مهما كان ضئيلاً سيخفف حتماً من سقوط المزيد من الأبرياء ومن وطأة التدويل الذي يقتلنا كسوريين وبالتالي حماية ما تبقى من سوريا.
سبب التمسك بالقليل ليس اليأس أبداً بـل الـوعي بأن الحل السياسي الكامل غير متاح اليوم للأسف، وأن ما يجري العمل عليه هو “مسـيرة حـل”، لذلك تبقى المحادثات أفضل وأشرف من حرب الأخوة، لكن من المهم توضيح الإطار السياسي للناس بخصوص ما يجري لكي يعلم الجميع نوعية الحفل والمدعوين إليه. هذه الشفافية المطلوبة هي قمة الاحترام للجمهور السوري الذي يستحق التعامل معه كمواطن و شريك، ولا يستحق ان يستمر الجميع في بيعه الوهم.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات