بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
تدمر… على أبواب المأساة
  17/05/2015

تدمر… على أبواب المأساة

د. محمد حبش


لا أحد يدري ما يجري في الصحراء الرهيبة العاصفة بالجيوش السوداء التي لم تشهدها هذه الصحراء منذ أيام أورليان قبل ثمانية عشر قرناً!!
الخلافة قادمة وتتمدد، هكذا يصرخ أولئك العابرون من القرون عبر صحراء رهيبة وهم يتقدمون في غضب ونزق على كل شيء، على الإنسان والجدران، يحملون أمنية إصدار فيديوهات جديدة في تدمر تشبه ما قاموا به في مدينة نمرود التاريخية في العراق.
يتبادلون الفؤوس والمطارق والصواعق يسأل بعضهم بعضاً أي الوسائل أجدى وأكثر تأثيراً في لعبة اغتيال الحضارات!!
السماء مكشوفة عليهم بطائرات #التحالف التي تقصف مثل محارب أعمى، ولا تزيدهم إلا إصراراً على المضي في رغائبهم، وقد تعلموا الركض بين جحور الصحراء وحور الجنة، وقاموا بتمريغ كرامة العالم القوي بالوحل والدنس، أما طائرات #النظام فإنها تقصف كل قرية وزاروبة في حلب و الرستن و داريا و المعضمية و جوبر، ولكنها فيما يبدو غير راغبة في فعل شيء، ويبدو أن خبراء الاستبداد في #سوريا يفركون أيديهم بشماتة، وهم يستعدون لتلقي صور الفيديو الجديد من تدمر ليقولوا للعالم هؤلاء هم المعارضون السوريون، وإذا ما وصلوا إلى قصر #قاسيون فلن يبقى في سوريا بشر ولا حجر.
#زنوبيا المرأة السورية الحديدية في الصحراء، أسطورة الجمال والقيادة الرهيبة، وأبوها العربي الظربي السميدعي وأمها الإغريقية السلوقية، لن تصدق ما يجري على تراب الصحراء الرهيب، ألف دولة وكيان قام على أرض سوريا بعد زنوبيا ولكن تراثها ومجدها ظل قائماً، يلهم الأحرار في سوريا رسالة القيام.
وبالمناسبة فقد أصبح من الضروري الخلاص من الفكرة الضبابية التي تحيط بتاريخنا وتصور الشعوب (السامية) التي سكنت المنطقة ومنهم الأكاديون بفرعيهم الكلداني والبابلي والإيبليون والفينيقيون والكنعانيون والتدمريون على أنها شعوب غير عربية، وأن الفتح الإسلامي هو الذي جاء ب(الضيوف) العرب إلى المنطقة وفق التعبير التقليدي لعتاة السورنة، أو (المحتلين) كما هي فتوى شيخ المقاومة والممانعة جوزيف أبوفاضل، فهذا زيغ تاريخي افتراه المستشرق النمساوي شلاوزر حين بدأ باستخدام لفظة (الشعوب السامية) كمصطلح أبستمولوجي لأول مرة بعد أن كانت محض ميثولوجيا تاريخية.
وفي سبيل توضيح ذلك فإن كل شواهد التاريخ تؤكد أن الفتح الإسلامي هو الذي حفظ عروبة المنطقة، وأعاد الاعتبار لدور الفينيقيين العرب الأوائل، وحين جاء الفاتحون المسلمون فإنهم كانوا يمارسون دوراً إنقاذياً هائلاً على صعيد وجودنا القومي، ولولاهم لكنًا اليوم (كما قال مفتي الممانعة) ندرس اللغة الرومية أو اليونانية!
وفي هذه المناسبة ايضاً فإنني اعتقد أن حب الرسول الكريم لاسم زينب ناشئ من هذه البطلة العربية الكبيرة، وكان يختار اسم زينب لكل من سأله تسمية مولودة من أصحابه، وقد سمى ابنته زينب ونصح علياً أن يسمي ابنته كذلك، وكثرت الزيانب في عهد رسول الله، حتى كان يقال أي الزيانب؟
زنوبيا اليوم على مذبح الجاهلية الماحقة، ولا يطاوعني القلم أن أكتب أننا ننتظر اللحظات الأخيرة من حضارة ظلت شاهدة على القرون منذ ألف وثمانمائة عام في قلب الصحراء السورية.
العالم برمته مسؤول عن حماية التراث الحضاري في صحراء سوريا، فهو إرث للتاريخ مصنف التفاصيل في سجلات اليونسكو، والعالم أخلاقياً مطالب بالتزام تعهداته.
يقولون ليس في السياسة عواطف وإنما مصالح، ولكن نظامنا البائس لا يتقن فيما يبدو لغة العواطف ولا لغة المصالح، ويختار منطق علي وعلى أعدائي، ويصرخ بشماتة: أنا … أو الطوفان.
القصف اليومي بالبراميل ينتج جماهير داعشية كل يوم، وبالأمس كنت أشاهد مظاهرة صاخبة في حلب، لشبان ومراهقين حلبيين، ليس في لباسهم ولا وجوههم ولا لكنتهم أفغان ولا تونسة ولا شيشان، شباب حلبيون من الصاخور و سيف_الدولة و هنانو، يلبسون الجينز وقمصان أديداس كما لو كانوا عائدين من مباراة الاتحاد والكرامة، يرفعون الأعلام السوداء ويطالبون بالخلافة الإسلامية على منهاج داعش، ولم يكن مع الغاضبين علم أخضر ولا أحمر، ولم يكن في هتافاتهم حرية ولا ديمقراطية، كان خطابهم وشعارهم الثأر والثار، ولو أنهم وجدوا ما هو أشد تطرفاً من داعش لرفعوا أعلامه، إنه جواب طبيعي للقهر الذي أذاقهم إياه النظام حين قصف بيوتهم وشرد أحبتهم، واختار لهم الهوان والموت، ودفعهم نحو أشد أشكال التطرف ثأراً وانتقاماً.
ويقولون من الذي يصنع داعش؟؟؟….
يوجه مأمون عبد الكريم المدير العام للمتاحف والآثار السورية النداء للمجتمع الدولي للقيام بواجبه في حماية الآثار السورية، وواضح من النداء مسؤولية أمريكا و بريطانيا و فرنسا و الأمم_المتحدة و الاتحاد_الأوروبي والأسرة الدولية حتى في الدومينيكان وجزر الهونولولو وسيريلانكا عن حماية هذا التراث العالمي، ولكن هذا النداء لا يجرؤ أبداً من الاقتراب من مملكة المخابرات الرهيبة التي تستلم منذ خمسين عاماً موارد الدولة السورية وإسهامات المواطن البسيط تحت عنوان المقاومة الشعبية وتأسيس جيش الوطن، وتحتفظ بصور زنوبيا على العملة الوطنية باعتبارها أكبر رموز الحضارة والسيادة في سوريا، ولكن جيشها متورط حتى النخاع بالحرب الطاحنة على شعبه، ومقدرات الوطن تستهلك في إعداد الكيماوي والبراميل التي لم تستخدم مرة واحدة منذ اثنين وأربعين عاماً إلا ضد الشعب السوري وفي الداخل السوري.
الجيش السوري منهك، ومئات الكتائب والألوية التي كانت جزءاً منه تعمل اليوم ضده في كتائب الثوار، والجراد الداعشي يملأ الصحراء، وبيده الصواعق والمحارق المناسبة لتدمير كل شيء أتت عليه بأمر ربها، ويقولون وماذا يستطيع هذا النظام أن يفعل؟
النظام الذي لا يستطيع أن يحمي الوطن يستطيع أن يرحل، ولو كنت مكانهم لأمرت على الفور بوقف الحروب العابثة المجنونة ضد الشعب، وأعلنت بلسان صريح لا لبس فيه برنامج الرحيل، وأعددت في خمسة أيام الظروف المناسبة لقيام حكم سوري جديد يقبله السوريون ويسيرون في ركابه ويتوحدون معاً لوقف هذا الجنون العاصف، وفي هذه اللحظة تحديداً سيفقد التطرف سواده الأعظم الذي يشاركه بؤسه وجنونه رجاء أن يحقق به الخلاص من دون أن يؤمن بعقله الظلامي أبداً.
زنوبيا.. لا يوجد لدينا تفسير للمأساة الرهيبة، إنهم الوحوش القادمون من عنابر الموت السحيقة، يقاتلون لهدم الأصنام، بعد أن طرح النظام نفسه تحت عنوان قاتل الإنسان وحامي الأصنام، وقدم بذلك كل المبررات ليمارس الداعشيون هواياتهم الوحشية بضمير بارد.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات