بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
السويداء أمام خيار مصيري لم يفت أوانه بعد
  01/06/2015

السويداء أمام خيار مصيري لم يفت أوانه بعد
منير الخطيب/ المدن

تميّز سلوك الدروز في تاريخ سوريا الحديث بغلبة النزعة الاندماجية لديهم، على حساب النزعات الانفصالية التي ظلت نزعات هامشية. هذه الغلبة لنزعتهم الاندماجية تجاه الأكثرية هي التي قبعت في خلفية موقفهم الإيجابي والفاعل من المشاريع الكبرى، التي شهدها التاريخ السوري المعاصر: فشاركوا بفاعلية في الثورة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، وكانوا حاضرين في مشروع الدولة الدستورية في مرحلة ما بعد الاستقلال، ثم، اندفعوا بقوة إلى قلب المشروع القومي الناصري في مرحلة الوحدة السورية–المصرية، حيث كان هوى جبل العرب، آنذاك، هوىً ناصرياً جارفاً.

إن الاستقراء التاريخي لحضور الدروز الوازن في هذه المشاريع الثلاثة، قياساً لوزنهم الهامشي في مرحلة البعث. يؤشر: أولاً، على احتضان الأكثرية السنية لهذا النزوع الاندماجي عندهم، وبالتالي، حرص الأكثرية على حضورهم السياسي في تلك المشاريع الكبرى بتمثيل يفوق كثيراً وزنهم الديموغرافي. فمثلاً، كان تعيين سلطان الأطرش قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى قراراً سنياً، فقد أصر الزعماء الدمشقيون وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر على هذا التعيين.

ويؤشر ثانياً: إلى فعالية المجال الوطني/القومي في حماية الدروز وغيرهم من الأقليات، فطريق الحماية الوحيد للجميع هو المشاركة في تشكيل فضاء وطني عام، ينفي الصفات الهوياتية في حيز الدولة. لذا، فإن تضّييع أحدى هاتين الثابتتين: النزوع الاندماجي مع الفضاء الأكثروي، ونزوع الانتماء إلى المجال الوطني، يقود إلى التهلكة.

لم يستطع انحياز النخب المنتمية للطائفة الدرزية إلى الثورة السورية، من حجب الموقف الباهت من الثورة لشرائح واسعة من الطائفة الدرزية، ولم يستطع حجب الموقف الركيك والانتهازي لمشايخ العقل والزعامات التقليدية. يشي هذا: بأن الدروز أمام هذا التحول التاريخي الكبير الذي تشهده المنطقة العربية في أمّس الحاجة إلى إعادة تشغيل نزعتهم الاندماجية، التي حاولت السلطة، وما زالت، تسعى إلى تعطيلها في سياق مشروعها التدميري لسوريا، الذي عبّر عنه بكل وضوح وصفاقة شعار "الأسد أو نحرق البلد".

أمّا وقد تحقق إحراق البلد، يبدو الحديث عن الخيار الوطني السوري ضرباً من "فانتزيا"، لكنه يظل المخرج التاريخي الوحيد لاستعادة الحياة الآدمية، التي تهاوت مقوماتها في البلدان المشرقية على متاريس الطوائف والمذاهب. كما أنه خيار واجب وضروري في مواجهة اللعب غير الأخلاقي من قبل محور المقاومة بمسألة الأقليات، بما في ذلك الأقلية الدرزية، التي يكثر الحديث هذه الأيام عن تواجد لمسلحي "داعش" على حدود مناطقها في محافظة السويداء.

لا شك، أن وجود "داعش" على أطراف محافظة السويداء خطر حقيقي وجدي، لكن الأخطر من ذلك هو الوعي الأيديولوجي الضيق الذي يعمي البصر والبصيرة عن التعامل بعقلانية مع هذا الخطر القادم، وأولى خطوات النظر العقلاني، تتمثل بالكشف عن الأطراف الإقليمية والمحلية، التي تدعم هذا الخطر القادم إلى السويداء، كذلك الكشف عن الجهات الإقليمية والداخلية التي تقف ضده. وعلى ذلك من الضروري توضيح المسائل التالية:

أولاً، أصبح من نافل القول: أن إستراتجية النظام وحلف الممانعة منذ مرحلة الثورة السلمية، ارتكزت على استقدام التنظيمات المتطرفة لتجهض المضمون السلمي الديمقراطي لها، وتخيير العالم بين "داعش" والنظام. وفعلاً أجهض هذان الطرفان المحتوى المدني والسياسي للثورة السورية. وأيضا، من نافل القول: أن النظام وحزب الله لم يخوضا أي معركة جدية مع "داعش"، وأن جميع معارك "داعش" استهدفت معارضة النظام بشقيها المدني والعسكري، وكان واضحاً أن دخول "داعش" إلى الرقة وتدمر أشبه بعملية تسليم وتسلم. يصبح جلياً إزاء هذه الإستراتيجية الواضحة للنظام، أن تهديد "داعش" للسويداء يخدم توجهاته، ويخدم المتاجرة بمسألة الأقليات.

ثانياً، إن استهداف "داعش" للسويداء يحقق للنظام، إضافة للمتاجرة بمسألة الأقليات، جملة من الأهداف الأخرى: أولها، يريحه من أعباء الانتشار الواسع وسط تآكل واهتراء آلته العسكرية، وتصاعد التفكير من قبل حاضنته الطائفية وحلفائه الإقليميين للتركيز على الشريط الممتد من الساحل إلى دمشق عبر حمص والقلمون. وثانيها، إن دخول "داعش" المحتمل عبر الريف الشمالي للسويداء يؤدي إلى الوصول إلى مناطق تواجد القوى المسلحة في الجبهة الجنوبية، والتي باتت تشكل خطراً على دمشق، ما يفتح إمكانية اشتباك "داعش" معها. وثالثها، أن تواجد "داعش" في البادية الشرقية للسويداء يشكل تهديداً جدياً للأردن والسعودية، من خلال إستراتيجيته القائمة على إزالة حدود سايكس- بيكو. فـ"داعش" بهذا التواجد يهدد بإزالة ساق خريطة الأردن الجغرافية، التي وضعها الانكليز لفصل بلاد الشام عن الحجاز. ورابع الأهداف، يحقق "نظرية الفوضى الخلاقة" التي أصبحت فعلياً نظرية محور المقاومة.

ثالثاً، إذن من مصلحة الأردن والسعودية إقليمياً دعم السويداء في مواجهة "داعش"، كما هو مصلحة لأهل حوران وتعبيراتهم السياسية والعسكرية أيضاً. وهذا سيتلاقى، مستقبلاً، مع ما يدور الحديث عنه حالياً حول إنشاء مناطق عازلة، حيث ستكون السويداء ضمن المنطقة العازلة الجنوبية في حال قامت، وبالتالي مصيرها مربوط عضوياً بمصير حوران.

رابعاً، إن انحياز الدروز إلى المشروع الوطني السوري ينسجم مع تاريخهم وتراثهم ومصلحتهم، في مواجهة المشروع الإيراني في المشرق العربي القائم على تفكيك المجتمعات، واقتلاع الطوائف من أنسجتها الوطنية ووضعها في سياق معاد للأكثرية السنية، على حساب منع تشكل دول وطنية في العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين.

خامساً، نجح أهل السويداء خلال السنوات الأربع الماضية في تجاوز الأفخاخ التي نصبها النظام للإيقاع بين درعا والسويداء، لكن ذلك لم يعد كافياً، فالمصلحة الوطنية ومصلحة أهل الجبل معاً، تستوجبان إعادة لحم العلاقة مع حوران بكل تعبيراتها، فحوران هي عمق الجبل الاستراتيجي، وليس للجبل غير حوران ومحيطه الطبيعي في دمشق وريفها، ودروز السويداء بحاجة إلى بلورة هذا الخيار التاريخي الذي لم يفت أوانه بعد.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات