بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
لماذا السويداء لن تكون كوباني؟
  05/06/2015

 لماذا السويداء لن تكون كوباني؟

ماهر شرف الدين : كلنا شركاء

 

القول إن مدينة كوباني هي مثال حيّ للانتصار على “داعش” هو قول ناقص ما لم نقل إنها أيضاً مثال حيّ على الكلفة الهائلة للانتصار… حتى كاد الدمار الذي لحق بالمدينة أن يحجب جزءاً كبيراً من النصر.

لذلك استُعمل مثال كوباني بوجهين متناقضين: الأول كحثّ للأهالي على مقاومة “داعش”، والثاني كتهويل عليهم بسبب الثمن الباهظ الذي سيدفعونه.

هذان الاستعمالان انتشرا بشكل واسع في السويداء في الفترة الأخيرة؛ كلٌّ بحسب غايته وأجنداته، ابتداءً من نظام الأسد الذي يُهوّل على الناس بـ”داعش” ليحلّ معضلة التخلّف عن الجيش (قال بشار الأسد للوفد الذي التقاه مؤخراً إن عدد المتخلّفين من السويداء هو 27 ألفاً) وليدفع الناس إلى التطوّع في ميليشياته، وليس انتهاءً بمعارضين اختلفت الأجندات والانتماءات بينهم ولكنها اتفقت على أن حماية الجبل من خطر “داعش” هو أمر غير قابل للنقاش… مروراً بجهات محلية بعضها وطني يريد تعزيز أمن الجبل وحدوده الرخوة، وبعضها مرتبط بخيوط مخابراتية يرفع شعارات وطنية لكنه يحاول تسخيرها لخدمة أجندات النظام.

وفي وسط ذلك كلّه، صار السؤال الشاغل لجميع أهل الجبل: هل تكون السويداء هي كوباني الجنوب؟

وللإجابة عن هذا السؤال سأورد سبع نقاط أعتقد أن جمعها معاً يبلور الإجابة الواقعية والمنطقية:

أولاً، إن المتأمّل في خارطة تمدُّد “داعش” في العراق وسوريا سرعان ما سيكتشف أن هذا التمدُّد يكاد ينحصر في المناطق الصحراوية والبادية، بمعنى أنه تمدُّد في المناطق الشاسعة السهلة ذات الكثافة السكانية المنخفضة. كما أنه يكاد ينحصر في المناطق السنّية التي استطاع “داعش” أن يخلق فيها شكلاً من أشكال الحاضنة الشعبية مع تفاوت هذه المسألة بين المناطق. وبالتالي ليست السويداء، بطبيعتها الجبلية الوعرة وبسكانها الدروز، امتداداً طبيعياً لهذا التمدُّد.

ثانياً، لا فائدة استراتيجية مهمة لـ”داعش” من مهاجمة السويداء إذا قارنَّا تلك الفائدة بحجم الخسارة الكبيرة المتوقّعة في إعلان حرب على منطقة عُرف أهلها تاريخياً بأنهم مقاتلون. فلا نفط في السويداء، ولا غاز ولا فوسفات ولا أي نوع من الموارد التي يحارب “داعش” للسيطرة عليها كما حصل في دير الزور والحسكة وبادية حمص.

ثالثاً، إن استهداف السويداء من قبل “داعش” لن يكون استهدافاً للدروز فحسب، لأن هذا التنظيم هو عدوّ معلن لـ”جيش الإسلام” والجيش الحر و”جبهة النصرة”، وقد شهدنا خلال الأيام الفائتة معاركَ طاحنةً في منطقة اللجاة التي حاول “داعش” التمدُّد فيها. فإذاً سيكون هناك تلاقي مصالح بين تلك الفصائل والسويداء – بعيداً عن التباينات السياسية – لإلحاق الهزيمة بـ”داعش”.

رابعاً، إن ما حصل في كوباني يحتوي على بُعد غير موجود في معركة السويداء – إن حدثت – ألا وهو النزاع العربي الكردي والذي لا يمكن أن ننكر دوره الكبير في زيادة اشتعال المعركة، بينما لا يوجد مثل هذا البعد التناحري القومي بين السويداء ومحيطها. أضف إلى ذلك أن الدولة الجارة لكوباني (أي تركيا) لم تكن متحمّسة لانتصار الكرد بسبب تخوّفها من طموحهم الانفصالي، بينما الدولة الجارة للسويداء (أي الأردن) على العكس تماماً سيكون موقفها داعماً للدروز في مواجهتهم المفترضة مع “داعش” لأن مصلحتها الاستراتيجية تفرض ذلك، ناهيك عن العلاقة التاريخية التي جمعت العرش الهاشمي بالزعامات الدرزية.

خامساً، من هم “داعش” السويداء؟ الجواب: إنهم بدو مناطق القصر (شمال شرقي السويداء) الذين كانوا طوال العقود الماضية أداةً في يد مخابرات النظام، ولكنهم بدّلوا ولاءهم مؤخراً… فنقلوا بيعتهم من أبي أسد القرداحي إلى أبي بكر البغدادي. وهؤلاء “المتدعوشون” حديثاً لهم أجندات مختلفة، منها ما هو ثأري يتصل بأحقاد قديمة، ومنها ما هو مخابراتي يتصل بعلاقاتهم الوثيقة مع المخابرات، ومنها ما هو مادي يتصل بأموال يتلقّاها شيوخهم من “داعش”. في معنى أنهم من الجماعة التي عرفها وخبرها الدروز منذ القدم، والتي هزموها بشكل نهائي منذ تاريخ 1685م. ولن يكون الفرق شاسعاً بين الأمس واليوم بالشكل الذي يتخيّله البعض.

سادساً، إنَّ للتاريخ كلمته، وأي قارئ لتاريخ جبل العرب يعرف بأن أهله ليسوا من النوع الذي يمكن أخذهم بسهولة. ولن تكون عصابات “داعش” أعزّ قوة من جيوش إبراهيم باشا المصري التي هُزمت في أرض الجبل حتى اضطرّ إبراهيم باشا إلى تسميم الينابيع للانتقام من هزيمته النكراء التي اتفق عليها جميع مؤرّخي القرن التاسع عشر.

 

سابعاً وأخيراً، إن التناغم الذي أظهره أهل الجبل في ما بينهم خلال المعارك الصغيرة التي حصلت حتى الآن (وآخرها في قرية الحقف التي قُتل فيها لـ”داعش” أكثر من عشرة مقاتلين مقابل استشهاد ستة من أهل القرية بينهم فتاة)، وتحرّكهم كجسد واحد، يُثبتان لكل ذي بصيرة بأن أرضاً لا تسقط حين يُقرّر أهلها الدفاع عنها.**

لا أقصد من كل ما سبق التقليل من خطورة ما يمكن أن يقوم به تنظيم “داعش” ضدّ السويداء، ولكني أزعم أن هجماته لن تتعدّى القرى الحدودية – على خطورة ذلك وضرورة الاستعداد له – أما من يُروّج بأن “داعش” ستدخل السويداء وكأنها صحراء خالية، فإذا كان من أبناء الجبل فهو نذلٌ ذو أجندة، وإذا كان من خارج الجبل فهو جاهل.

لذلك أقول لأصحاب الأجندات، الموهنين لعزائم أهل الجبل، بأن بني معروف لن يكونوا كيزيديي سنجار، وإن بنات معروف لسن اللواتي يمكن أن يُؤخذن سبايا. فكفّوا عن محاولاتكم الخبيثة لبثّ الهلع والوهن في نفوس أناس لا تُرى صدور مضافاتها لكثرة الصورة المعلَّقة عليها لأبطالهم. وإذا كان جوادنا قد كبا كبوةً كبرى في عدم التحاق الجبل بركب الثورة بالشكل المطلوب، فلا يكبو جوادٌ أصيلٌ مرّتين متتاليتين.

فيا أهل الجبل، إن الاستعداد لمواجهة “داعش” لا يكون فقط بالسلاح والمواجهة، بل أيضاً يكون بمدّ اليد لمحيطنا الذي عشنا ونعيش وسنعيش فيه إلى الأبد.

 

العلويون الذين يريدون توريطنا اليوم وهم يسقطون، بعدما أذلّونا وأفقرونا وهجّروا شبابنا في كل بقاع الأرض، سينسحبون إلى ساحلهم وسيكون لهم البحر منفذاً، بينما نحن ليس لنا سوى هذا المحيط الذي كنا وإياه شعباً واحداً في السراء والضراء.

احسموا خياركم ولا تراهنوا على حصان خاسر. “الجبهة الجنوبية” مدَّت وتمدّ يدها دائماً لكم، فمدّوا أيديكم.

لقد عشنا وسط محيطنا (السنّي) أعزاء أحباء منذ مئات السنين، حتى جاء العلويون وأقاموا الحواجز بيننا ونشروا الفتن. كان الدرزي حين يزور إحدى البقاع السورية يُفاخر بكونه معروفياً من جبل العرب مهد الثورة السورية الكبرى، وبات في عهد الأسد يكاد يستحي من الجهر بانتمائه!

العلويون هم من طمسوا تاريخكم وصفّوا رموزكم وقياداتكم وحاولوا تدمير مجتمعكم المتماسك بنشر الرذيلة بشكل منظّم.

إن النخوة التي نراها اليوم استعداداً لمواجهة “داعش الخارج”، يجب أن يُجيَّر بعضها لمواجهة هذا النظام المجرم الذي هو بمثابة “داعش الداخل”.

“متدعوشو” البدو كانوا بالأمس القريب رجالَ العلويين وعصاهم الغليظة ضدَّكم.

سعود السعيد كان لا يدخل بيتَ بدوي لا يُعلّق الكلاشنكوف في صدر بيته، بينما أنتم كانت المخابرات العلوية تصادر خرطوش الصيد منكم.

من اغتال ذكرى سلطان الأطرش لا يُؤتمن على أمن الجبل.

 

من وزَّع المخدّرات على مدارس البنات في السويداء في الثمانينات لا يُؤتمن على أمن الجبل.

من صفّى ضبّاط السويداء وطرد الدروز بشكل شبه كامل من الجيش والدولة لا يُؤتمن على أمن الجبل.

من جعل حثالة السويداء وقوّاديها مسؤولين، وسجن ونفى مثقفيها وأبناءها الخلصاء لا يُؤتمن على أمن الجبل.

هبّة واحدة في وجه النظام في السويداء وسيسلّمكم مقرّاته الأمنية كلها.

هبّة واحدة ستمحو عار صمتنا على ذبح إخوتنا وجيراننا.

“داعش الخارج” سيوفكم تكفيه… “داعش الداخل” هو السمّ الزعاف!

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات