بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
حول البعث والجيل العقائدي
  06/08/2015


 حول البعث والجيل العقائدي

بشير عيسى



لعلّ من أهم تجليات الأزمة السورية، أنها وضعت مسيرة حزب البعث وخطابه الأيديولوجي في تحدٍّ وجودي مع مجمل منظومته السياسية والفكرية. كما بات الحكم، على صوابية أو فشل تجربته، مقروناً بالنتائج والمآلات التي انتهى إليها الحــزب. فما تمر به الأزمـة السورية من تنامٍ للعصبيات، الإثنية والمذهبية والطائفية، والتي أخذت تمثّل هويات بديلة ومفكّكة للدولة الوطنية، خير دليل على فشل مشروع البعث في تحقيـق أهدافه التاريخية، الممثَّلة في الوحدة والحرية والاشتراكية.
فالأزمة الراهنة التي نشهدها، على خطورتها المحتملة بضرب وحدة الكيان، تبقى نتيجة وليست سبباً، إذ إن جوهر المشكلة يكمن في عدم إدراك صيرورة العوامل والأسباب الحقيقية التي أفضت إلى هذا الواقع المتردّي، بكل ما يحمله من عنف وتطرّف. وهنا، تتحمّل النخب السياسية والدينية والثقافية، إلى جانب البعث، كامل المسؤولية، وإن بدرجات متفاوتة، تبعاً للإمكانات والدور.
لا شك أن البعث الذي قدّم نفسه كحزب «علماني، قومي، اشتراكي»، يتحمّل مسؤولية كبيرة، نتيجة مساره السياسي الذي أفضى إلى تعزيز الانقسامات العمودية داخل المجتمع والدولة، في وقت كان يسعى عبر خطابه الأيديولوجي، إلى إذكاء «الصراع الطبقي وتعميقه»، معتمداً مبدأ «توجيه مناهج التعليم ووسائل الإعلام بما يرسّخ أهداف الثورة وأفكارها الاشتراكية، وبما يكافح الاستعمار ويقاومه، ومعه الأفكار الرجعية وأفكار الديموقراطية البورجوازية».
ومكمن المشكلة لديه افتقاره الى التشخيص والفهم الدقيق للنماذج والتجارب التي كان يشهدها الغرب. فالرؤية التوفيقية التي أراد من خلالها الجمع بين القومية الاشتراكية الألمانية والماركسية اللينينية، وإسقاطها على واقعه العربي، من دون الأخذ بالسياقات التاريخية والمعرفية للتجربتين، دليل على تأثر ومحاكاة انفعالية، أكثر منها على مشروع ورؤية فكرية - استراتيجية. فهو قدّم رؤيته وكأنها وصفة شافية لأمراضنا المزمنة والمعاصرة، الأمر الذي استلزم منه تصوراً جديداً للواقع، يتماشى مع إمكانية السير في خطابه الأيديولوجي، لتحقيق ما يصبو إليه من أهداف.
وهنا موضع الخلل، إذ تغيب عن ذهن نُخبه قراءة الخصوصية المسيحية - الإصلاحية للمجتمعات الغربية، التي أنجزت مشروعها التنويري، ما مكّنها من نزع بذور العنف، على مستوى النص والخطاب، وهذا ما لم ينجزه حتى الآن العرب والمسلمون. وما فعله البعث وغيره من «الأحزاب والتيارات العلمانية»، هو القفز فوق الحساسيات والخصوصيات الثقافية لمجتمعاتها (عوضاً عن معالجة مكامن الخلل والضعف فيها) وتقديمها لإسلام رسمي «انتقائي - معتدل» دأبت على تسويقه وتعميمه، بما يخدم مصالحها السياسية. والمحصلة، أن رياح التطرّف أتت بما لا تشتهيه السفن!.
إذاً، ليس من الحكمة تحميل مسببات الأزمة واستمرارها إلى «الخارج - الاستعماري»، باعتبار أنه لم يمنع البعث من بناء «الجيل العقائدي» وإعداده! وللتذكير، نشير الى أنه في فترة 1971 - 1974 شكّل الطلاب نسبة 24،5 في المئة من الحزبيين، والمعلمون نسبة 26،3 بالمئة، أي قرابة 50،8 في المئة من المجموع، وذلك بعد احتكاره العمل السياسي في القطاع التربوي.
وهنا نودّ التركيز على مسألتين متــرابطتــيــن، كان لهما بــالغ الأثر في نزوع الأزمة نحــو التطرف المذهبي والإثني، الأولى: قيام البعث منفرداً عبر مناهجه التعليمية ووسائـــل إعــلامه، بتربية الأجيال السورية دينياً وقومياً. والثانية، تتعلّق برهانه على الفلاحين بوصفهم طبقة متجانسة، يمكن التعويل عليها.
هذه النقطة تُظهر في شكل جليّ تأثر البعث بالثورة الماوية في رهانها على الفلاحين، وهنا نتّفق معه جزئياً في كونهم، وفقاً لأدبياته، «مستودع الثورة ووقودها». ذاك أن ما يحصل الآن هو تجرّع البعث الكأس نفسها التي راهن عليها في وصوله الى السلطة، مع فارق يثبت فشل تنظيره، هو انقسام الريف مناطقياً، إنما على أساس عرقي أو مذهبي، لكنه ليس طبقياً، كما توهّم! وهذا ما يدفعنا الى مقاربة المسألة الأولى من زاوية أن الإنسان عدوّ ما يجهل، وبالتالي يصبح طبيعياً تطاحن المكونات المجتمعية والثقافية، عند كل منعطف تضعف فيه شرعية الدولة وسيطرتها على المجتمع.
فمع مرور قرابة نصف قرن من التنشئة العقائدية، القائمة في مناهج الدراسة على طول خطي «العروبة والإسلام الحضاري - المعتدل»، وجدنا أنفسنا أمام جهل مطبق لدى مكوناتنا المجتمعية. فالجيل العقائدي الذي أوكلت إليه مهمة إقامة الدولة العربية من المحيط إلى الخليج، ليست لديه أي معرفة علمية، ذات قيمة، بالمكونات الإثنية التي تشاركه العيش في وطنه الصغير، كما لا يعلم إن كانت تشاطره الرأي أم تختلف معه. فهو ببساطة يعتبر نفسه صاحب الأرض والحق، وعلى الآخرين التسليم برؤيته، وإلا ظلوا مواطنين من الدرجة الثانية. فالمناهج لم تخبره ما الذي يريده منا شركاؤنا الآخرون، كالأكراد والتركمان والشركس والأرمن، كونهم شبه غائبين عنها!
والحال نفسها تنطبق على مناهج التربية الإسلامية، حيث تنفرد مرجعيات الطائفة - السنية الرسمية، في إعداد المنهج التدريسي، بينما يغيب الشيعة الاثنا عشرية والدروز والعلويون والإسماعيليون وباقي الفرق والطوائف الدينية، عن أي ذكر أو رأي لهم! فمع هذا الإقصاء أو التغييب الرسمي، كانت الطائفية بكل قصورها المعرفي، هي الحاضر الأكبر في الشارع السوري «المقاوم والممانع»!
فهل من مراجعة نقدية وشفافة، تعاد معها البوصلة نحو الداخل، بدلاً من الاستهلاك المدمر في القضية الفلسطينية، ومقارعة الاستعمار العالمي، حتى آخر مواطن سوري؟.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات