بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
موناليزا الطفل الغريق
  05/09/2015

موناليزا الطفل الغريق


أحمد عمر


نقتبس عبارة لعضو مجلس شعب سوري منافق بعد التحوير : " البحر صغير عليك، أنت يا سيدي تستحق أن تفجع العالم" . حتى النظام المقاوم، بكى عليك ويرثيك ويحاول أن يرثك ويطالب بدمك لأنك لم تقتل بيده مباشرة، ويتمنى أن تكون مت بالقصف الشامل الذي نجت ضحاياه وهم بمئات الآلاف، من التعاطف الدولي والعلمي.
لم َصارت صورة الطفل السوري الغريق لوحة عالمية؟ تطرح صورة الطفل الغريق ، حمزة الخطيب الثاني، التي دارت العالم سؤال الكم والنوع؟
دوّر النشطاء الصورة التي أوتيت عناصر فريدة ، من كثير من الزوايا، حتى أنها صارت عقرباً، يلدغنا بموته القاسي، وداروا بها في البلدان والقاعات: قاعة الجامعة العربية، قاعة الأمم المتحدة، وضعوا على نعليه صورتي الطاغية وحليفه اللبناني، ورموز الأمم المتحدة. نقلوها إلى نيويورك بجانب الأبراج وناطحات السحاب، رسموها وجعلوا في إحدى اللوحات الزعماء العرب يدفنونه ، صار مرة حنظلة ناجي العلي، ومرة اكتسب ألوان كل الفصول؛ لون الصيف والربيع والشتاء و فصل النزوح... بات لدينا جوكندا الثورة ، وهو إلى ذلك بلا وجه . طغت إنسانية الغريق على قوميته .اسمه مرة أيلان ومرة آلان ومرة أيليان ومرة عيلان .. تفاعلت معه وسائل الأعلام ورثاه بعض الشعراء، أضف إليهم التلفزيون السوري الذي نعاه ،وطالبه بأن يشكو إلى ربه عند اللقاء جرائم التكفيريين وأكلة الاكباد! يعارض الاعتقاد الديني الإسلام ان يكون الميت ساعي بريد يسلم الشكوى باليد وأن الله لا يسمع سوى من الموتى كأنه دكتاتور عربي . في سورية تموت مجاناً، أو تحت التعذيب، اما بعيدا عنها فيدفع السوري عشرة آلاف يورو ليغرق في البحر! الغريق يذكر بطفل النبي سليمان عليه السلام الذي تخاصمت عليه الأم والمربية في دائرة الطباشير الشهيرة ، إلى أن رضيت الأم الحقيقية بالتخلي عنه خوفا من أن يتمزق بشد المربية التي تريده لها ،فحكم لها، وهاهي الأم المدعية تبكي عليه في التلفزيون السوري أما الحقيقة فميتة أو خرساء!
ولكن لمَ ألهبت المشاعر، وقد مات من قبله آلاف الأطفال بالصواريخ والكيمياء والبسل ( قطع آلة الذرية) وموتاً تحت التعذيب؟
في مجزرة حلبجة كان الأكراد يعرضون صور الضحايا متراكمة على الطرقات على أغلفة مجلات كردية. الكردي لا يهمه سوى ألمه ، لم يحفل بصور الضحايا القاسية التي تثير بمخاطها و السوائل التي استخرجها غاز الخردل المنفرة و المثيرة لمشاعر الاشمئزاز محل الأسى على الضحية. في احدى القاعات السينمائية في أحد المهرجانات العالمية بعد أن صفق الحضور طويلا لفيلم فيتنامي قصير من ثلاث دقائق أو اقل، عن قرية فيتنامية سعيدة انتهى الفيلم بعبارة : كان ذلك قبل تاريخ 1968! أي قبل الحرب، فصفق الحضور طويلا، وقال الدبلوماسي الأمريكي للسياسي للفلسطيني إذا أردتم عطفنا خاطبونا بمثل هذه الأفلام فنحن نشمئز من صور الضحايا الملطخة بالدماء ولا نكترث بعددهم . الأعداد لا تهمنا سوى في المال والانتخابات!
في لوحة الطفل الغريق انتبه الزميل محمد منصور إلى براعة موقع (هافينتغتون بوست) العربي بالتعامل معها: مانشيت عريض وصورة تحتل الصفحة وخطاب يقول "لا تدر وجهك قد تجرحك الصورة..." ويذكر الموقع أنها الصورة التي جرحت المعارضة والنظام وإنها يمكن أن تثير قلب أوربا القاسي! النظام لا تثيره الصور، هو يريد التجارة بأي شيء. فسوريا قارب مثقوب، وهو يتمسك بقشة.
الصورة ذات عناصر فريدة: طفل وحيد ملقى على ساحل البحر، والموج يلحسه، وحيد جدا مع ثلاث آيات كونية : البحر والرمل والسماء ، وشمس غير ظاهرة لكنها شاخصة، كأنه آدم جديد، آدم صغير، في فجر الخليقة ، أو في جنازتها.
الطفل مقلوب على بطنه ، يلحسه لسان الموج وأحيانا يزبد فم البحر من العطش. الطفل يدير لكل شيء ظهره، نعلاه في وجوهنا. أنه وحيد جدا، لو كانت أمه معه لخففت من قسوة الصورة، هو طفل، يقول شارلي شابلن أنّ فيلما فيه طفل وكلب جدير بالنجاح، الطفل هو صورة المستقبل و العجز والبراءة والفطرة،.. كتبت قبل سنتين مقالا بعنوان "ربيع سوري في كندا" عن طفل سوري ولد في كندا لأحد الأصدقاء، فتحولت العمارة إلى عيد، وامتلأت الشقة بالهدايا على ولادة الطفل المعجزة. الطفل الغريق سليم جسديا، فتلف البنية يجرح مشاعرنا، ويفسد الصورة، كلما زادت الدماء على الجثة، وزاد التلف في الهيئة، زاد النفور النفسي، كأنه نائم ولا نستطيع إيقاظه ليذهب إلى المدرسة، أو ينهض ليلعب. هو بثياب الصيف: سروال قصير أسود قميص أحمر وبحر أزرق ورمل بني، و ينتعل حذاءه المصفر، ليس حافيا، الوجه غائب في الرمل. حمزة الأول كان ضحية النظام أما الثاني فضحية مؤممة: النظام، الجيران، الأخوة، العالم الذي يغلق الحدود، قروش البر والبحر.. قبل أيام عرضت الجزيرة -وهي أفضل من يتابع مشهد النازحين إلى أوربا- تقريرا عن أم مكلومة اسمها سمر جوخدار، مرّ الخبر عابرا كغيره علما أنها أرملة ووحيدة سُرقت وطفلها مريض بمتلازمة دوان ، من قبل أصحاب النخوة والشهامة .
احتلت الصورة صفحات معظم أصدقائي، ورافقتها عبارات رثاء عادية أو محفوظة، أو عبارات استنكار أو عزاء أو تنديد أو شجب أو شتم، أو كفر. قبل أيام كتبت في مفكرتي، يجب أن نحمد هنغاريا المجر على أنها تسمح لنا بالتظاهر، وليس فيها تعذيب، فأطول توقيف في معتقلاتها هو يومان، واكبر عقوبة هي التجويع بوجبة واحدة، صار الطفل من الشهداء ، لكنه نجا من أن يكون رقماً بين آلاف الأرقام، كأنه أول شهيد للثورة السورية النازحة؟ فلو اجرى النظام انتخابات ديمقراطية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة لفاز بنسبة معقولة.. بشرى: سورية نضجت للديمقراطية!. لم تغز صورة الشهيد حمزة الخطيب رحمه الله أوروبا، فصورته غير لائقة، فهي منتفخة و"سكند هاند" ومحلية. المسلمون يكرمون الميت بالدفن السريع، وصورة الطفل الغريق، يانعة، بلا رائحة، غير جديرة بالدفن أو يمكن تحنيطها واستعمالها للتعذيب النفسي للجلادين أو الساكتين عن الحق، الأهم أنه مات في بحر غير البحر العربي، وإلا لمات رقماً بين الأرقام ، وربما يكون جسد هذا الطفل جسراً لعبور الآلاف من أشقائه وأهله إلى العبور إلى الوطن الجديد، ربما تكون ديته منفى جيداً ، فالوطن هو الحرية وليس المكان الذي نلد فيه، ونحبس فيه، ويصفعنا الشرطي فيه ، ونهتف فيه بالروح والدم ، فنحن شعب بلا روح و بلا دم . الروح والدماء انتهت في شوارع الهتاف.
صورته مختلفة عن صورة أخيه ، فأخوه غريق ، قذفته الموجة بجانب صخرة والصخرة تعطل رحابة المشهد الذي حظيت به صورة الأخ الأصغر : آيات البحر والرمل و السماء... والشهيد.
لم ينج مثل موسى عليه السلام عندما كان طفلا من الغرق. وقد يكون في غرقه نجاة للآخرين. أنه الطفل الرسالة إلى بريد الإنسانية المعطل.
نقول عسى ..
هل حان وقت تمزيق صحيفة الحصار المسمومة التي لا ترضى الأرض بأكلها .
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات