بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
البلعوس الذي تحدى حلف الاقليات
  11/09/2015

البلعوس الذي تحدى حلف الاقليات

منير الخطيب /المدن

لا تكمن أهمية ظاهرة "مشايخ الكرامة" التي قادها الشيخ الراحل وحيد البلعوس في طابعها الدرزي، بل تنبع مما أرادت قوله في مواجهة ذاك الشعار الماكر والخبيث: "حماية الأقليات". هذا الشعار الذي يمثل الصيغة "الحداثية" لمفهوم الذميّة الدينية، ويذهب باتجاه تخريب ممكنات الحل الوطني السوري، وإبقاء "المجتمع" السوري رهينة لمبدأي الغلبة والقهر، ومنطق تراصف الملل والنحل.

أراد مشايخ الكرامة القول بوضوح حاسم: نحن لا نستجدي الحماية، لا من السلطان ولا من طهران، أو من أي جهة إقليمية أخرى، بل من بناء تفاهمات وطنية مع أبناء شعبنا في حوران ودمشق وريفها، الذين سنبقى نعيش معهم حتى قيام الساعة.

كانت فكرة الاستقلالية حاضرة بقوة عند مشايخ الكرامة؛ عن الاستبداد من جهة، وعن الهندسة الإيرانية لإشكالية الطوائف والإثنيات في المشرق العربي، من جهة ثانية. فكانت تتجاذب هذه الحركة نزعتان: الأولى، تشي عن أهداف ومقدمات محلية الطابع، والثانية ميل إلى الاستقلالية والانعتاق من مفهوم "الذميّة السياسية"، التي تحاول إيران فرضها على الأقليات المشرقية.

 

وفيما يعيش زعيمان أقلويان كميشال عون، وطلال أرسلان، حالة "ذميّة سياسية" تحت جناحي حزب الله، لم يكن مسموحاً لرجل دين "مغمور" كالشيخ البلعوس أن يصعد بسرعة قياسية، ويؤسس ظاهرة لتمرد أقلوي تبعثر ديموغوجيا "حماية الأقليات".

ولم يكن مسموحاً لـ"مشايخ الكرامة" أن يفكّوا الإنجدال اللصيق ما بين الاستبدادين الديني والسياسي. فهم بدؤوا في سحب البساط من تحت المؤسسة الدينية الرسمية غير "البريئة"  موضوعياً- وليس ذاتياً- من دماء "شهداء الكرامة". ولم يكن مسموحاً، تنامي ميل الشيخ البلعوس لبناء تفاهمات وطنية مع حوران وتعبيراتها العسكرية والسياسية. وليس مسموحاً، أيضاً، أن تتكامل الجغرافيا السياسية في الجنوب، لتشكيل قاعدة للمشروع الوطني السوري، فالجنوب: دمشق وريفها، ودرعا، والسويداء، والقنيطرة، كان قاعدة تكوّين الوطنية السورية في المرحلة الاستقلالية، ولا يزال هذا الدور ممكناً للجنوب، في إعادة بناء تلك الوطنية المغدورة.

كان الاغتيال ضربة إستباقية لاحتمالات مستقبلية، وإن كانت ضعيفة، لقيام منطقة عازلة في الجنوب السوري، يمكن لـ"مشايخ الكرامة" أن يندرجوا في هكذا خيار إقليمي – دولي. القضاء على تلك الظاهرة، يحرم جبهة الجنوب من قوة وازنة في مواجهة التنظيمات "الداعشية" على الحدود الشرقية لمحافظة السويداء، التي تشكل تهديداً  للجبهة الجنوبية وللأردن والسعودية.

كما لم يكن مسموحاً للشيخ البلعوس أن يحيّد الدروز في جبل العرب عن محرقة الصراع السني – الشيعي. الاستقلال عن هذا الصراع المدمر للأوطان والمجتمعات ممنوع في زمن الانفجار "الهويتي"، الذي سيجعل الانفجاريين النوويين في هيروشيما وناكازاكي نسياً منسياً.

أخيراً، كان اغتيال الشيخ البلعوس، ورفاقه، رسالة إلى الأقليات مضمونها: أن حمايتكم هي من مهام محور الممانعة، فلا تستقيم الممانعة بدون هذه الحماية، ومن أراد التمرد على "الذميّة السياسية"، سيلقى المصير نفسه. كانت رسالة الاغتيال الغادر أوسع من حدود الطائفة الدرزية.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات