بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
فقط في سورية
  31/10/2015

فقط في سورية
ريما فليحان


يدفع الشعب السوري في حالة الحرب المعقدة في بلاده، منفرداً، الفاتورة كاملة من دمائه وتاريخه ومستقبله أيضاً. يعيش السوريون أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث، بينما يمارس المجتمع الدولي، ببلادة لا توصف، حالة استعصاء سياسية على مستوى الحل، لا يمكن إيجاد وصف مناسب لأبعادها، لأنها بلغت حالة من الاستهتار بحياة البشر وبمصير وطن كامل، من حيث الديموغرافيا والجغرافيا وحقوق الإنسان، فيما ينعكس تبعا لذلك على الحضارة الإنسانية وتاريخ الشعوب بكاملها، وليس فقط على سورية، ويصب في ترسيخ ثقافة جديدة في عدم احترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، بل ومنظومة الأمم المتحدة باتفاقياتها وعهودها التأسيسية بشكل فاضح.
يعيش نصف شعب بكامله حالة التشرد والنزوح، ويقضي عشرات السوريين يومياً بنيران من بنادق متعددة وبجنسيات متنوعة. حرب عالمية ثالثة أقل ما يمكن أن يقال عما يجري في سورية اليوم. ولكن، وبعكس كل التجارب السابقة، تقاد هذه الحرب على أساس أن الدول المشاركة لن تتكلف أي نفقة بشرية، وسيكون وقودها كاملاً الشعب السوري بكل مكوناته وميوله السياسية وانتماءاته القومية والمذهبية، بحيث لن تكون سورية كما كانت إذا لم يتوقف كل هذا الجنون المستعر على أرضنا، وان لم تتنبه كل القوى السورية الفاعلة في سورية إلى خطورة المرحلة وتجلياتها المستقبلية على الشعب السوري.
تجتمع في سورية، اليوم، كل حثالات الكرة الأرضية من القوى المتطرفة من جهة ودكتاتوريات العالم من جهة أخرى، ويدير الصراع من بعيد بقية المجتمع الدولي، بسلبية الموقف تارة والتدخل المباشر تارة أخرى. وأمام الحالة السورية، يعجز كل المحللين والمفكرين عن استنباط العبر والتنبؤ بالمستقبل، لكنهم يجمعون على سوء الحال التي وصلنا إليها وتعقيدها.
تتجلى الخيانة بأبشع صورها في مشهد من الكوميديا السوداء، حيث يتحالف الروس والإيرانيون والإسرائيليون، وينسقون الحركة الجوية لعبور القصف اليومي في سورية، بينما تقصف قوى التحالف، من طرف آخر، مواقع لداعش، بينما يتمدد التنظيم الإرهابي، ويقوى بدل أن يضعف.
باتت المعارضة السياسية السورية منابر إعلامية لإصدار البيانات الإعلامية، وبات النظام، بمجموعاته الإرهابية على الأرض، مليشيا مقاتلة لا أكثر على الأرض السورية.
تتصارع القوى المتحالفة لإدارة الصراع بما يتبعها من قوى مسلحة على الأرض، ويتابع
"أعطت التجربة في سورية كرتا أخضر، لكل دكتاتوريات العالم، قالت لهم، بكل وضوح، افعلوا ما شئتم" الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قلقه العميق، بينما تخرج كل منظمات حقوق الإنسان في العالم بتقاريرها الموصفة والمدينة، من دون أي جدوى ملموسة على صعيد الإدانة أو المحاكمة، بسبب منظومةٍ أثبتت فشلها تسمى الأمم المتحدة، وتتمثل بحق الفيتو الذي تتناوب الدول الكبرى استعماله، فيما يتناسب مع أجنداتها ومواقفها السياسية، في تكريس فعلي لدكتاتورية مشرعة ومعاكسة لفكرة حفظ الأمن والسلم العالميين، واحترم حقوق الإنسان في العالم. وتعرّى العالم أمام المشهد السوري، وتعرّت السياسة، وماتت كل المواثيق الدولية.
وعلى أقدام الأطفال السوريين الغارقين في البحر، يلفظ الضمير العالمي أنفاسه الأخيرة، ونتشارك الدموع بشراً لا حول لنا ولا قوة، من دون أي جدوى من ذلك البكاء كله.
وحدها براميل الموت وسكاكين الذباحين هي الحقيقة المنتصرة ضمن كل هذا الجنون، وحدها لغة العنف تلك التي تنمو وتزدهر فوق دماء الأبرياء وفي الإعلام، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي.
استنهضت الحرب في سورية كل مسوخ التاريخ، وأعادت إلى المشهد، وعبر الأقمار الصناعية، مشاهد كنا نظنها انتهت في غياهب التاريخ الأسود للشعوب، ليحضر أمام أعيننا سوق النخاسة من جديد، ونشاهد بعيوننا كيف يذبح الناس، ويقطعون ويصلبون.
نعم، فضحت سورية العالم، فضحتنا كبشر، ووضعتنا أمام مرآة أنفسنا، ونحن السوريون المذبوحون نمعن، في أحرج لحظات تاريخنا، في تبادل التهم والتشتت والغرق في الخوف المبرر بكذبة الولاء أو المصلحة والولاء للدكتاتور، وتكريس خطاب الكراهية كل للآخر. ويحتاج العالم أن يستفيق، ليس من أجل سورية فقط، بل من أجل جيله المقبل الذي بدأ يتلقى الدروس والعبر التي تكرس ثقافة العنف والعنصرية، ثقافة الموت والغضب، ثقافة الإنكار والأنانية.
أعطت التجربة في سورية كرتا أخضر، لكل دكتاتوريات العالم، قالت لهم، بكل وضوح، افعلوا ما شئتم، وبتحالفكم مع قوى الشر، واستعمال دقيق للقمع والتهديد بالإرهاب، وبإمساككم بملفات حساسة في مناطقكم، ستهزمون شعوبكم والعالم والمنظومة الدولية بكاملها.
آن الأوان ليقظة الضمير العالمي. آن الأوان لاستبدال ثقافة الكراهية بثقافة الإنسانية والمحبة. آن الأوان لمراجعة كل شيء، العقائد والتربية والنظريات في علم الاجتماع والسياسة والعلاقات الدولية.
على مذبح سورية سقط العالم. وعلى أقدام أطفالها المقتولين بكل طرق الموت، يبكي السوريون وحدهم، وتمشي في جنازتهم كل حكومات العالم، بدم بارد.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات