بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
حروبكم، قتلانا
  18/11/2015

حروبكم، قتلانا
جوليان سالانج
ترجمة: أيمن الزعتري


«نحن» لسنا في حالة حرب، هذه ليست حربي، هذه ليست حربنا، هذه حربكم، ومرةً أخرى، هؤلاء قتلانا.

نُشِرَ هذا المقال للكاتب الفرنسي جوليان سالانج في الرابع عشر من الشهر الجاري، أي اليوم التالي للهجمات الدموية في باريس. جوليان سالانج هو كاتب وناشط وعضو في حزبٍ مناهض للرأسمالية في فرنسا، وسبق له أن كتب مقالاً في الاتجاه ذاته في أعقاب الهجوم على مقر جريدة شارلي إيبدو مطلعَ العام الجاري.

فيما يلي ترجمة للنسخة الانكليزية من هذا المقال.
*****
شظايا

أولئك الذين قُتلوا في الليلة الماضية هم قتلانا. في شرفة مطعم، في حانة، في الشارع، في قاعة الحفلات الموسيقية، هم قتلانا. قُتلوا لأنّ الإرهابيين قرّروا أن يضربوا في وسط باريس، وأن يطلقوا النار على حشدٍ بهدف تخليفِ أكبر عددٍ ممكن من الضحايا.
الحادية عشر والنصف مساءً
ساركوزي يظهرُ على شاشة التلفاز ليعلن: «نحن في حالة حرب». للمرّة أولى أتّفق معه، هم في حالة حرب، أنتم في حالة حرب، أنتم: ساركوزي، هولاند، فالس، كاميرون، نتنياهو، أوباما. أنتم في حرب، أنتم وحلفاؤكم السياسيين، أنتم وأصدقاؤكم الذين يمتلكون الشركات المتعدّدة الجنسيّات، وقد سحبتمونا إلى هذه الحرب دون حتى أن تأخذوا رأينا. أفغانستان، العراق، ليبيا، مالي، سوريا.. لم يكن عدد الذين احتجوا منّا كبيراً، ولم ننجح في إقناع ما يكفي من الناس بأن هذه الحملات العسكرية ستجلبُ أكثر من أي وقت مضى مزيداً من انعدام الاستقرار والعنف والمآسي، هناك، وهنا. لأن الحرب لم تبدأ الليلة الماضية، ولم تبدأ في كانون الثاني مع عمليات القتل في مجلة «شارلي إبدو»، ولا في محلّ المأكولات المطبِّق للتعاليم اليهودية «Hyper Cacher».
في كانون الثاني، كتبتُ التالي:
أحدُ أسبابِ الصدمة التي ضربَت قطاعات واسعة من السكان، بما في ذلك دوائر النشطاء اليساريين، هو «إعادة» اكتشاف هذه الحقيقة: نعم، فرنسا في حالة حرب. حربٌ لا تقولُ اسمها، حربٌ لم تُناقَش في المجالس الحكومية أو في وسائل الإعلام، ولا يُتحدَّثُ عنها في المجال العام، حربٌ ضد أعداء لا يتم غالبًا تحديدهم، حربٌ غير متكافئة، ولكنّها حرب. عملياتُ القتل الأخيرة، التي حدثت بأكثرِ الطُرُق وحشية، أضاءَت على هذه الحقيقة، عند أولئك الذين لا يعرفون، أو أولئك الذين رفضوا أن يروا، أو أولئك الذين نسوا. فرنسا في حالة حرب، حرب تخلّف الإصابات، وهذه الإصابات لا تقع دائماً فقط في منازل عدوك. من تحارب فرنسا؟ وفقاً لمختلف الخطابات والتغطية الإعلامية، فإنّ فرنسا في حالة حرب ضد «الإرهاب الدولي»، ضد «التيّار الجهادي»، ضد «الهمجية الأصولية»… إلخ. لن أناقشَ هذه التسميات غير الدقيقة والتعميمات المسيئة التي تنطوي عليها، ولا المفارقات التي تقوم عليها (تحالفاتٌ على أسس هندسيّة غير مستقرة، ودعمٌ للأنظمة التي تدعم تطور التيارات «الجهادية»، والمشاركة في التدخلات العسكرية التي تعزز هذه التيارات، وما إلى ذلك). من الكافي التأكيد أن فرنسا، في الواقع، حذَت حذوَ جورج بوش والولايات المتحدة بعد 11 أيلول 2001، في خطابِ وسياسة «صراع الحضارات»، حتى إن لم يكن يُقال ذاك دوماً بصوت عالٍ، لقد كانت فرنسا في حالة حرب لما يقربُ من أربعة عشر عاماً من دون أن تقول ذلك. 1
لا أجد داعياً لتغيير سطر واحد في هذا المقتطف، ولا أقصدُ من المحافظة عليه أي ازدراءٍ للضحايا أو لأقاربهم.
كل العواطف، والنقمة، والألم، مشروعةٌ وبديهيّة. وأفعال القتلة التي أزهقت الليلة الماضية مئات الأرواح، بل دمّرت آلاف الحيوات، أفعالٌ لا تُغتفر.
منتصفُ الليل
داعش تعلن مسؤوليتها، على ما يبدو، داعش أيضاً في حالة حرب. وفقاً لوكالة فرانس برس، ونقلاً عن شاهد عيان في مسرح باتاكلان، صاح واحدٌ من القتلة: «إنه خطأ هولاند، إنه خطأ رئيسكم، لم يكن يجب أن يتدخّل في سوريا». يمكن للمرء دائماً أن يُغمض عينيْه وأن يصمّ أذنيه، وأن يتوه في دخان خطاب عدم تسييس «الإرهاب الأعمى» في إكراهٍ يتعذّر تفسيره. لكن القتلة في باريس ليسوا «سُذّجاً» بائسين لا يتحملون أي مسؤولية عن أفعالهم، ولا هم مُتلاعَبٌ بهم من قبَل أجهزة -استخبارات- لا -أعرف- ماهيتها. في الساعات والأيام القادمة، سنعرفُ عنهم أكثر، وليس هناك من شكٍّ أنّهم سيملكون بروفايلاً وخطاباً مماثلاً تقريباً لخطاب سعيد وشريف كواشي، وأميدي كوليبالي، الذين نفذوا هجمات كانون الثاني، والتي كتبتُ عنها في الشهر نفسه ما يلي: للقتلة خطاب (أنظروا مقابلاتهم وأشرطة الفيديو، التي تتحدث عن سوريا والعراق، والجرائم التي يتعرض لها المسلمون على يد فرنسا والعالم عامةً، وما إلى ذلك)؛ لديهم نظرية خاصة بهم (لاحظوا المقال الذي نشره موقع «ميديا بارت»)؛ لديهم وجهات نظرهم التنظيمية المرجعية الخاصة (الدولة الإسلامية، تنظيم القاعدة في جزيرة العرب). في اعتقادهم، وبشكلٍ عقلاني، أنهم في حالة حرب مع فرنسا محدّدة، وهم ينظرون، بعقلانية، إلى أنفسهم كمنخرطين في دفاعٍ مشروع. أنظروا إلى هذا البيان الذي أعطاه كوليبالي في شريط فيديو نُشِرَ بعد وفاته: تهاجمون الخلافة، تهاجمون الدولة الإسلامية، سنهجم عليكم، لا يمكنكم الهجوم وتوقع أن لا يحدث شيئًا في المقابل.
نعم. داعش منخرطة في السياسة، هم قتلة، لكنّهم سياسيّون. الليلة الماضية ضربوا بقوة، بقوة جداً.
كانت ضربةً عمياء؟ نعم ولا.
نعم، لأنها تستهدف أناساً لا يشاركونَ مباشرةً في هذه الحرب، أناسٌ كان جُرمُهم الوحيد وجودهم في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، أناسٌ كان يمكن لهم أن يكونوا في مكانٍ آخر فيظلوا بعدها بيننا اليوم.
نعم. داعش منخرطة في السياسة، هم قتلة، لكنّهم سياسيّون. الليلة الماضية ضربوا بقوة، بقوة جداً.
ولا، لأن الضرب بمثل هذه الطريقة هو رسالةٌ مفادها: «بلدكم في حالة حرب معنا، وطالما استمرت هذه الحرب، فإن أيا منكم لن يكون آمناً». هذه هي السياسة، إنها كريهة، ولكنها سياسة. نحن نعيش في عالم في حالة حرب، روسيا وفرنسا والولايات المتحدة يقصفون سوريا، المملكة العربية السعودية تقصف اليمن، «العمليات» الفرنسية تستمرّ في مالي، أوباما أعلن للتو أن القوات الأمريكية لن تغادر أفغانستان، وفقاً للمفوّضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، فإن أعداد اللاجئين والمشردين داخلياً لم تبلغ رقماً كهذا قبل اليوم، وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الأمور ستتحسن في أي وقت قريب.
الإجمالي، اعتباراً من هذه اللحظة، هو 128 قتيلاً، 128 عددٌ كبيرٌ جداً.
128 قتيلاً في 13 نوفمبر 2015، هذا يقاربُ متوسط عدد القتلى اليومي في سوريا منذ آذار 2011. نعم، ما يقربُ من المتوسط اليومي، 250000 قتيلاً منذ آذار 2011، حوالي 4500 حالة موت شهرياً، ما يقربُ من 150 قتيلاً كل يوم.
هذا قد يفسر بعض الأشياء لمواطن يقول إنه لا يفهم لماذا يفرّ السوريين إلى أوروبا منذ أكثر من أربع سنوات ونصف، هناك 13 نوفمبر كل يوم في سوريا. والأسد، حليفكم الجديد، هو الذي يتحمل المسؤولية الأساسية عن هذا الموت، بقمعه الوحشي لانتفاضة سلمية.
نعيشُ في عالم في حالة حرب، وهذا يسمحُ لبعض الناس أن يزاولوا تجارتهم.
مبيعاتُ الأسلحة: 2015 كانت سنةً قياسية في فرنسا.
فرنسا تهنئ نفسها على مبيعاتها العسكرية لمصر، فرنسا تهنئ نفسها على مبيعاتها العسكرية للمملكة العربية السعودية، فرنسا تهنئ نفسها على مبيعاتها العسكرية للإمارات العربية المتحدة. وبالرغم من ذلك فإنّ فرنسا متفاجئة، ساخطة، وتحتجّ على كونها قد صارت هدفاً.
النفاق، الجبن، الأكاذيب.
لقد أفرجوا عن كلاب صيد مغرغرة الأفواه.
لوران فوكز، الذي شغلَ منصب وزير التربية والتعليم العالي عند ساركوزي، غرّد قائلاً: «أطالبُ بأن يوضع 4000 شخصٍ مشتبهٍ فيهم بالإرهاب في مراكز الاعتقال #AttaquesParis ».
ليونل لوكا، العضو المحافظ في الجمعية الوطنية، غرّد: «الليلة باريس هي بيروت، منطقُ العد على الطريق المؤدية إلى اللبننة. سندفع ثمناً باهظاً لجبننا في مواجهة الطائفية».
فيليب دي فيلير، العضو الفرنسي المحافظ في البرلمان الأوروبي، غرّد: «دراما رهيبة في باريس، أدى إليها التراخي و«مسجدة» فرنسا».
علينا أن نتذكر هذه البيانات.
بالعودة إلى ما كتبتُه في كانون الثاني: أي قمع، أو وصم أو ردٍّ أعمى يغفلُ الحقائق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في فرنسا 2015، مصيرهُ الفشل، ولكن الأهم من ذلك، أنه سيكون مجرد خطوة أخرى نحو قتلٍ جديدٍ غداً.
وها نحن هنا، بانَ أنّ الغد كان الليلة الماضية.
الواحدة صباحاً
جانَ كريستوف كامباديليه، السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الذي يتبع له هولاند، يعلنُ أن «فرنسا عانَت للتو من عمل من أعمال الحرب». يستمرّون بالقول ويكرّرون أنّ فرنسا في حالة حرب، لكنّهم عندما يقولون ذلك، يقصدون التاكيد أنّ «نا» في حالة حرب.
«نا» (هم) يريدون عبرها توريط «نا».
فرنسا تهنئ نفسها على مبيعاتها العسكرية لمصر، فرنسا تهنئ نفسها على مبيعاتها العسكرية للمملكة العربية السعودية، فرنسا تهنئ نفسها على مبيعاتها العسكرية للإمارات العربية المتحدة. وبالرغم من ذلك فإنّ فرنسا متفاجئة، ساخطة، وتحتجّ على كونها قد صارت هدفاً.
كلا، أربعة عشر عاماً من حربكم جلبَت فقط المزيد من العنف والمآسي، والحروب الجديدة في أصقاع العالم. لو لم يتهدّم العراق، لم تكن داعش لتُخلَق. شاعرُ القرن التاسع العشر الفرنسي العظيم بول فاليري كتب مرّة: «حرب: مجزرة يذهب ضحيتها أناس لا يعرفون بعضهم بعضاً، من أجل أن يحقق ناس آخرون يعرفون بعضهم بعضاً ولكن لا يقتلون بعضهم، الأرباح».
لقد كان على حق، هم دائماً الأشخاص أنفسهم الذين يشعلون النار. وإذا كنّا نريد لهذه النار أن تتوقّف، علينا بعد أن تخفت الصدمة، أن نفعل كل ما بوسعنا لوقف هذا الاندفاع المتهور نحو الهمجية التعميميّة. لم يَفُت الأوان بعد، لا يزالُ هناك متسعٌ من الوقت للقيام بشيء مختلف، مختلف اختلافاً جذرياً، يمكننا رفض زجرهم لنا: «معنا أو مع الإرهابيين». يمكننا رفض نداءات الوحدة مع الجلادين ودعاة الحرب الذين يبنون يوماً بعد يوم عالماً أكثر همجيّة. يمكننا رفض عالمهم القائم على أساس الاستغلال والسرقة والعنف والظلم وعدم المساواة والبؤس، وبدلاً من ذلك، يمكننا أن نصطفّ جنباً إلى جنب مع هؤلاء الذين يجب أن نتحدَّ معهم.
لنكافح من أجل عالم آخر، عالم ليس ممكناً فحسب، ولكنه ضروريٌ أكثر من أي وقت مضى. فلنواصل المسيرة دون أن نتنازل لضغوط المشاعر والصدمة، قد تتهمونني بأن ما أقوله حالمٌ، لكن أحلامي لم تقتل أي شخص، بعكس «براغماتيتكم».
أكثر من أي وقت مضى، علينا «مقاومة الذي لا يُقاوم»، هذا هو السبيل الوحيد للمضي قدماً. لذلك… لا.. كامباديليه، لا.. ساركوزي، لا.. هولاند، «نحن» لسنا في حالة حرب، هذه ليست حربي، هذه ليست حربنا، هذه حربكم، ومرةً أخرى، هؤلاء قتلانا.
تماماً مثل مدريد عام 2004، ولندن في عام 2005، ومصر قبل أسبوعين، وبيروت هذا الأسبوع، في كل مكان، بذرتم رعبكم، حروبكم، قتلانا.
إنها حربكم أنتم، لا أكثر.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات